الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الجدال بالباطل خلق مذموم من صفات الكافرين يهدف للانتصار للنفس، بينما أمر الله بالجدال بالتي هي أحسن الموصل للصواب. واستدل المحاضر بالآيات وقصص الأنبياء على ذم الجدال الباطل والتحذير منه.
يستعرض المقطع أدلة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة محذرة من الجدال بالباطل وجاعلة إياه من صفات الكافرين وأسباب الضلال. ويبين أن ترك المراء يورث بيتاً في الجنة بينما طلب العلم للمماراة يهدم الدين ويدخل النار.
يحذر المقطع من مخاطر الجدال في الدين مستشهداً بأقوال السلف كعمر وعلي والأوزاعي ومالك في ذمه. ويوضح أن كثرة الجدال تصرف عن العمل بالعلم وتؤدي للاضطراب، والواجب اتباع السنة بعيداً عن الهوى.
يسأل المتحدث الله التوفيق للسير على نهج القرآن والسنة وهدي السلف والابتعاد عن الجدال والخصومات. ويختم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم شاكراً الحضور داعياً للاشتراك في القناة.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق السيئة والصفات المذمومة التي يجب على كل مسلم أن يتحرر منها وأن يتركها: خلق الجدال والمراء بالباطل. فالجدال والمراء بالباطل خلق دميم، وصفة مذمومة، يجب على المسلم أن يتركها وأن يبتعد عنها. فليس من صفات أهل الإسلام الجدال والمراء بالباطل، بل هذا من خلق الكافرين، والعياذ بالله. والجدال والمراء هو: دفع المرء خصمه عن الصادق قوله بحجة أو بشبهة، مع المنازعة. وهكذا فيها الانتصار للنفس، حظ النفس، الشهوة، إلى آخر ذلك من المقاصد السيئة. فهذا مع هذا يتجادل، هذا يدلي بحجة، والآخر يدلي بحجة، وربما شبهة. نعم، والغرض: الانتصار للنفس، حظ النفس، أو استعراض العضلات كما يقال، أو غير ذلك من هذه المقاصد السيئة. فهذا جدال ومراء مذموم، والعياذ بالله. إخلاف الجدال بالتي هي أحسن: فهذا مما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. والجدال بالتي هي أحسن هو الذي قد صفي من هذه المقاصد السيئة، فليس في هذا الجدال شغل للناس عن الوصول للحق، وليس في هذا الجدال تعمية للناس عن معرفة الصواب. بخلاف الجدال والمراء بالباطل، ففيه شغل للناس عن الوصول إلى الحق ومعرفة الصواب. فلذلك هذا محمود، الذي هو بالتي هي أحسن وبالحسن، وذلك مذموم، والعياذ بالله. وقد جاء في كتاب الله، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والآثار عن السلف الصالح في ذم المراء والجدال الشيء الكثير. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. في هذه الآية ينهى الله جل وعلا عن الجدال في الحج. فسر الجدال في الحج بما كان عليه كفار قريش من الوقوف في المشعر الحرام بالمزدلفة، والعرب بعرفة. هذا يصوب بنفسه أنه على الحق، وأولئك يصوبون أنفسهم. وهذا المراد بهذه الآية، قال مالك رحمه الله تعالى ذلك. والتفسير الثاني: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، أي: لا مراء ولا خصام. جاء تفسير ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وجمع من التابعين: سعيد بن المسيب، وعكرمة، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم. فمن تفسير النهي عن الجدال في الحج: النهي عن المراء. وكذلك الجدال والمخاصمة والمراء بالباطل، كما تقدم. وكذلك الله عز وجل في كتابه الكريم ينهى عن الجدل والجدال. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. فنهى الله جل وعلا عن الجدال في هذه الآية. وكذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. وهذا فيه ذم الجدل والجدال. الجدال من صفات الكافرين. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. والجدال هو مما عارض به أقوام الرسل رسلهم. فهذا هود عليه الصلاة والسلام يقول لقومه عاد: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾. جادل هود عليه السلام بهذه الأسماء التي سموها هم وآباؤهم، ما نزل الله بها من سلطان. فهذا مما عارض به أقوام الرسل رسلهم. وكذلك قال الله جل وعلا في شأن قوم نوح مع نبي الله نوح: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾. فنوح عليه الصلاة والسلام كان يجادلهم بالحق، يبين لهم الحق، وهم يجادلون بالباطل، والعياذ بالله. وكذلك قال الله عز وجل في قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنَّهُمْ إِلَّا قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. فجادل النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك الجدال من صفات المتكبرين. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنَّ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾. فالجدال من صفات المتكبرين، والعياذ بالله. الجدال من صفات أتباع الشياطين، ومرضاة الشياطين. فالذين يجادلون هم متابعون للشياطين، بل لمرضاة الشياطين، لأنهم يجادلون بغير علم، وبغير هدى، ولا كتاب منير. فجدالهم بالباطل، والعياذ بالله، فكانوا أتباعاً للشياطين، أتباعاً للشياطين، ولمرضاة الشياطين. فهذا يدل على أن الجدال والمراء خلق مذموم، من صفات المتكبرين، من صفات أتباع الشياطين، من خلق الكافرين، والعياذ بالله. والنصوص كثيرة في كتاب الله جل وعلا في ذم المراء والجدال بالباطل. وكذلك في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الإمام أحمد، وهو عند أبي داود، صححه العلامة الألباني رحمه الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جدال في القرآن كفر، جدال في القرآن كفر». وحديث قتيبة، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند ابن ماجة، وفي لفظ: «الصحيحين» - يعني: في لفظ الصحيحين - من حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق». جاء عند ابن ماجة، أو عند سعيد بن منصور في سننه رحمه الله: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا يرفث ولا يجادل، فلا يرفث ولا يجادل». ففيه نهي عن الجدل والجدال. وهذا ثابت في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله، وعند أبي داود والترمذي وغيرهما، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، إلا أوتوا الجدل». ثم تلا النبي عليه الصلاة والسلام قول الله جل وعلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. وثبت كذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، جاء في لفظ الصحيحين عنها رضي الله تعالى عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام تلا قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وجاء عند ابن ماجة، صححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فأولئك الذين عناهم الله، فاحذروهم». وثبت في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وأيقظ علياً وفاطمة من نومهما، فقال علي رضي الله تعالى عنه: «فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله». قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تصليان؟» قال علي: «يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء يبعثنا بعثنا». فقال: فولى، وسمعته وهو مولٍ يضرب فخذه ويقول: «وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا». وهكذا كذلك ثبت في حديث عبد المالك رضي الله تعالى عنه عند بعض السنن، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار». الذي يطلب العلم ليجاري به العلماء، أو يماري - أي يجادل - به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار. وهكذا كذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء أيضاً في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، يعني: ترك الجدال وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ومعنى «في ربض الجنة»: أي حول الجنة. هذا جزاء من ترك الجدال والمراء وإن كان محقاً، ابتعد عنه. النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له هذا الوعد الذي وعد الله سبحانه وتعالى به. والأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذم النهي عن الجدال والمراء، وفي فضل ترك ذلك. وكذلك أقوال السلف الصالح: عمر رضي الله تعالى عنه قال لزياد بن حدير رحمه الله: «أتعلم ما يهدم الإسلام؟» قال: لا. قال عمر: «يهدم الإسلام: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم لئمة المضلين». فمما يهدم الإسلام: جدال المنافق بالكتاب، والعياذ بالله. هكذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه. وهكذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إنه سيأتي أناس يأخذونكم بمتشابه القرآن، فعليكم بالسنن، فعليكم بالسنن، فإن صاحب السنن أعلم بالقرآن، فإن صاحب السنن أعلم بالقرآن». قال علي رضي الله تعالى عنه لإياس بن معاوية رحمه الله: «إن بقيت، إن بقيت، فإنه سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: صنف يقرأه لله، وصنف يقرأه للجدال، وصنف يقرأه للدنيا». وصنف يقرأه للدنيا. من الناس من ربما يقرأ القرآن ويتعلم القرآن لأجل أن يجادل، ولأجل أن يماري، والعياذ بالله. هكذا ما قال علي رضي الله تعالى عنه: هذا الصنف، وأخبر أنه سيظهر. وهذا مصداق ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة: «يقيمون حروفه ولا يقيمون حدوده». يعني: بعض الناس يقرأ القرآن، ويقرأ آيات في القرآن، ولا يفقه ماذا يقول. يعني على سبيل المثال - ما أقصد هذا - يعني: أشياء كثيرة، لكن هذا يعني: قل من ينبه عليه. وبعض الناس يظنه حسناً وهو ليس بالحسن. يعني مثلاً: في العشر الأواخر مثلاً من رمضان، أو قبل، تجد بعض المساجد يصلون القيام في الليل، والميكروفونات على صوت مرتفع. ربما يقرأ في الآيات النهي عن إيذاء المسلمين، ويعني: عدم تسببهم في الأذى، إلى آخر ذلك، وهو في هذا الوقت يحرج المسلمين، ويؤذي المسلمين بهذه الميكروفونات. لماذا الميكروفونات آخر الليل؟ لماذا؟ لماذا ترفع الميكروفون الداخلي؟ لماذا ترفع الميكروفونات؟ في البيوت مرضى، في البيوت أطفال، في البيوت نساء ليس عليهن صلاة، في البيوت موظفون عليهم عمل، ربما الساعة السابعة، ربما الثامنة، يحتاجون إلى أن يناموا. أن تقوم صلي الليل، لكن لماذا تؤذي الغير؟ يعني هذا على سبيل المثال. فكثير من الناس يقرأ القرآن، يحفظ القرآن، لكن فهم القرآن وإقامة حدود القرآن يعني: أضاعها كثير من الناس، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. يقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: «إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل». يقول ميمون بن مهران رحمه الله، وهو يوصي تلامذته: «إياكم والخصومات والجدال في الدين. لا تجادلوا عالماً ولا جاهلاً. لا تجادلوا عالماً ولا جاهلاً. فإن العالم فإنه يخزن علمه عنكم، ولا يبالي بما تقولون. وأما الجاهل فيخشن صدركم، ولا يطيعكم». وأما الجاهل فيخشن صدركم، ولا يطيعكم. قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «كفى بك إثماً أن تكون ممارياً مخاصماً. كفى بك إثماً أن تكون ممارياً مخاصماً. ولا تكون عالماً حتى تكون عاملاً. ولا تكون عالماً حتى تكون عاملاً». وهكذا كذلك قال مالك رحمه الله تعالى لرجل أراد أن يجادله، علم أنه مجادل. جاء الرجل للإمام مالك رحمه الله، قال: «يا إمام، ناظرني، جادلني». فقال له الإمام مالك رحمه الله: «إن غلبتك؟» قال: «اتّبعتك». قال: «وإن غلبتني؟» قال: «أتبعك». قال: «فإذا جاء ثالث وغلبنا؟» قال: «نتبعه». قال: «اذهب، فأنت تتنقل. اذهب، فأنت تتنقل». يعني: بيد كل واحد، كل من جاء أخذك، فأنت عندك شك، وأنت تتنقل. وبمثل هذا أوصى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فيما كتبه إلى الأمصار: «إياكم والمراء والجدال والنزاعات. فمن عرض دينه للخصومات عرض نفسه للتنقل، عرض نفسه للتنقل». يعني: يضطرب، تارة كذا، وتارة كذا. يأتي هذا يجادل ويعطيه شبهة، فيأتي آخر ويعطيه شبهة ثانية، فيمشي مع هؤلاء القوم، يمشي مع هؤلاء، ويمشي مع هؤلاء. لماذا؟ لأنه صار يسمع الجدل والجدال، والعياذ بالله. فأقوال السلف كثيرة في ذم الجدال والمراء. فلذلك على المسلم أن يبتعد عن الجدال والمراء. ولاسيما الشديد في هذه الأزمنة: كثرة الجدال، وكثرة المراء. هذا يكتب ملزمة، وآخر يكتب ملزمة. هذا كتب عشراً، وهذا كتب عشرين، وهذا كتب خمسة عشر. كلام شغل الناس عن الحق، وألهى الناس عن الصواب، وصرف الناس عن العلماء، وصرف الناس عن العلماء. ما أكثر الردود التي تسمى بالردود العلمية، وهي جدالات، وهي مراء، نصر للنفس، نصر للشهوات، خصومات، منازعات، ليس فيها حق قصد وصول الناس إلى الحق، وإنما استعراض العضلات. هذا يقول: «أنا هنا، أنا هنا»، والآخر يقول: «انتبهوا لي، أنا هنا». وهكذا. فنسأل الله العافية والسلامة. هذا هو الحال الذي عليه الناس اليوم، وهذا ليس مما يمدح، بل هذا مذموم. الذين يبينون للناس العلماء، وكذلك الذين يسيرون على أثرهم من بيان الحق بدليله، بعيداً عن نصرة الهوى، واستعراض العضلات، ومعرفة الناس بأنفسهم، وصرف الوجوه إليهم. لكن أثر ما يكتب اليوم في الجدال وفي المراء، وما يحصل في المناظرات، كله من هذا الباب المذموم. نسأل الله العافية والسلامة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لإتباع كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي سلفه، سلف الصالحين، وأن يبعدنا عن الجدال والمراء، والخصومات، والنزاعات. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً. اشتركوا في القناة.