الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مصطلحات الصوفية كالشيخ والفقير والمريد، مبيناً اعتقادهم وجوب طاعة الشيخ كالميت بين يدي الغاسل. ثم ينتقد إطلاق لقب "السيد" مطلقاً ويكشف فساد اتخاذ الأولياء وسائط وشفعاء عند الله مشبهاً ذلك بشرك المشركين.
يصف المقطع مشاهدة المؤلف لأعمال شركية عند قبور تريم كالدعاء والسجود والبكاء لها، مبيناً أن اعتقاد المشركين المتأخرين في الأولياء كوسائط هو عين اعتقاد الأوائل في الآلهة. ويوضح أن كلمة التوحيد تبطل كل معبود من دون الله بأي اسم سمي.
يبيّن المقطع أن اعتقاد جواز التوسل بالأولياء والصالحين ليشفعوا عند الله هو عين الشرك الذي وقع فيه مشركو العرب قديماً، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾. كما يؤكد أن أعمال الزائرين للقبور من سجود ودعاء للموتى دليل عملي على هذا الشرك.
يوضح المقطع أن اتخاذ الشفعاء والوسائط بين العبد وربه هو عين الشرك الذي فعله المشركون الأوائل وإن اختلف المسمى. فكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» تبطل كل معبود من دون الله مهما سُمّي واسطة أو شفيعاً، والعبرة بحقيقة العمل لا بالألفاظ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته "تفسير كلمة التوحيد": "قال: والإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه -أي العوام- الفقير والشيخ". قال الشارح: الصوفية يسمون العابد الشيخ، يعني شيخ الطريقة الذي يأخذون عنه دينهم. وهذا معلوم، هناك طرق كثيرة للصوفية تسمى بأسماء شيوخهم: الطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية، وغيرها من الطرق التي يسمونها بأسماء شيوخهم. ويسمونه كذلك الفقير. قال: والذي يأخذ عن شيخ الطريقة يسمونه المريد، يعني الطالب الذي يدرس عند هذا الشيخ، تسميه الصوفية "بيئة المريد"، بيئة المريد. قال: ويكون مع شيخه كالميت بين يدي الغاسل، ليس له أن يعترض بشيء، أي شيء يسمعه من الشيخ يسكت عنه، سواء كان حقًا أو باطلًا، وكما تقدم. ولو كان ما يصدر عن الشيخ منكرًا واضحًا تخالفه الفطرة، فلا يحق للمريد أن ينكر عليهم أو أن ينكر عليه، فهو بين يدي ذلكم الشيخ كالميت بين يدي الغاسل. الميت ما له شيء، ميت يقلبه الغاسل ويفعل فيه الغاسل ما يشاء، وهكذا المريد. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وتسمية أو تسمية العامة السيد وأشباه هذا". قال: وهم يسمون شيخهم السيد، ويسمونه الشيخ، فلا بد أن تبايعه وتسلم له أمرك، فلا تعترض ولا تخالف في شيء، وإلا فإنك لا تكون مريدًا معه. وهذا واضح، جعلوا أناسًا معينين يطلق عليهم بالسادة، مع أنه لا يجوز هذا الإطلاق. لا يجوز تقول: "فلان السيد" بالألف واللام التي تفيد الإطلاق، لأن السيد هو الله سبحانه وتعالى. ولكن يمكن أن تقول ذلك مقيدًا ليس مطلقًا، فتقول: سيد القوم، وسيد الجماعة، وسيد المجلس، لا بأس بهذا. لكن ما يطلقه العامة بهذا الإطلاق، إطلاق "السيد"، فهذا لا يجوز، إنما السيد الله. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، يرضى أن يلتجأ الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله". وهذه المصيبة التي وقع فيها أولئك عباد غير الله، عباد القبور، ظنوا أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، أناس هم من الخواص عند الله عز وجل، هكذا يعتقدون. وأن الله عز وجل يرضى أن يلتجأ إليهم عند الشدائد وعند المحن، وأن الله يرضى أن يكونوا واسطة بينه وبين خلقه. فمن أجل ذلكم الاعتقاد وقعوا في تلكم الضلالات، وناقضوا كلمة الإخلاص. وكما تقدم، فساد الاعتقاد يؤدي إلى فساد العمل، فلما فسد اعتقادهم فسد عملهم. قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "يقولون: إن الله جعل من الخلق خواصًا يجوز الالتجاء إليهم ودعاؤهم والاستغاثة بهم، على أنهم شفعاء عنده ويقربون إليه". هذا الذي هم عليه، لا يقولون إنهم شركاء لله، والكل حكم الله عز وجل عليه بالشرك. فالبعض كما تقدم ما يقول أن هؤلاء شركاء لله في الخلق والتدبير وإلى غير تلكم الأمور، وإنما يقولون: هؤلاء واسطة بيننا وبين الله. وهذا عين ما احتج به المشركون، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، يعني واسطة بيننا وبين الله. فهذا الأمر أمر اعتقاد، أن هناك من الخلق من هو واسطة بين الله عز وجل وبين خلقه. هذا اعتقاد قديم من زمن مشركي العرب، وإلى يومنا هذا، وكثير من الناس يردد هذا ويعتقد هذا. قال: "بل يقولون: شفعاء عنده ويقربون إليه، لأن الله اختارهم لصلاحهم وتقواهم، فصاروا وسائط بين العباد وبين الله تعالى". ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الصافات: 159]. ولذلك يتقربون إليهم بالعبادات أحياء وأموات، هذا هو واقعهم. وهذا من جهلهم، ومن تشبيههم الخالق بالمخلوق. فربما بعضهم قرر هذا الأمر وهذا الاعتقاد الفاسد بأمر محسوس موجود في الخلق. فمثلا يقول لك: الآن وزير أو رئيس، ما هو كل الناس يستطيعون الوصول إليه وطلب حوائجهم، فلا بد من وجود ناس هم من خواص هذا الرئيس أو من خواص هذا الوزير وهذا المسؤول. فإذا أردنا حاجة من ذلكم الرئيس أو من ذلكم المسؤول، فإننا نذهب إلى بعض خواصه كأولاده، أو ابن عمه، أو مدير مكتبه، أو كذلك ابن زوجته، أو أخو زوجته، إلى غير ذلكم، أو لا يكلمونه وهو يحبهم وعندهم جاه عنده فيستجيب لنا. ربما بعضهم مثل بهذا المثال، وهذا من أسوأ الأمثلة؛ لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق. فالمخلوق هو الذي يحتاج إلى واسطة، لكن الخالق هو الذي قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. ما قال ربنا سبحانه وتعالى: "وإذا سألك عبادي فليتوسطوا أو فليستشفعوا بفلان أو علان من الناس". تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق، وهو الذي محيط بهم، وهو الذي عالم بما في نفوسهم سبحانه وتعالى، وهو الكريم، وهو الرحيم سبحانه وتعالى، فلا يحتاج إلى شفاعة الشافعين سبحانه وتعالى. وهؤلاء إنما وقعوا في هذا بسبب تشبيههم الخالق بالمخلوق، الخالق بالمخلوق. قال: "ويقولون: إلا المتقرب إليهم مثل المتقرب إلى الله". انظروا هؤلاء، لماذا يذبحون لهؤلاء الذين يسمونهم بالأولياء؟ ولماذا يعظمونهم ويخافونهم ويرجونهم؟ لأنهم قالوا: المتقرب إلى الله مثل المتقرب، أو المتقرب إلى هؤلاء الأولياء مثل المتقرب إلى الله. وهذا هو عين الشرك. فهم يتقربون إلى هؤلاء الأولياء حتى يرضوا عنهم وحتى يقبلوهم، فإذا قبلوهم شفعوا لهم عند الله عز وجل. هذا هو اعتقادهم، وهذا اعتقاد فاسد باطل، شرك بالله سبحانه وتعالى. قال: "من يتقرب للشيخ يتقرب لله". هذا هو اعتقادهم، من يتقرب للشيخ الذي يسمونه شيخًا أو يسمونه السيد أو إلى غير تلك التسميات التي نسمع، وإلى اليوم عندهم: من يتقرب إلى هؤلاء إنما هو في الحقيقة يتقرب إلى الله عز وجل. وهذا اعتقاد فاسد. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. لعب الشيطان بهم إلى هذا الحد، وهذا من تلاعب الشيطان بهم. وهذه هي غاية الشيطان، غاية الشيطان العظمى: أن يشرك الخلق بالله سبحانه وتعالى، حتى يكونوا من أنصاره، ويكونوا من كذلك الذين يكونون معه في النار، والعياذ بالله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: 22] إلى آخر الآية. هذا هو مقصد الشيطان. فلعب الشيطان بهؤلاء، وهم يظنون أنهم على إسلام، وأنهم على توحيد، وهم في الحقيقة والعياذ بالله على شرك، وعلى كفر بالله سبحانه وتعالى. وهذا نلحظه ونشاهده في أفعال أولئك القوم. مرة من المرات ذهبنا... ذهبنا لما نسمع أن هؤلاء لهم زيارة كل يوم جمعة في تريم إلى مقابر تريم، ونسمع من بعض إخواننا في تريم أن هؤلاء إذا ذهبوا لزيارة القبور يقومون ببعض الأعمال الشركية من التذلل، ومن البكاء، ومن كذلك السجود والركوع إلى غير ذلك. فذهبنا في يوم الجمعة من باب "فما رأى كمن سمع، وليس الخبر كالمعاينة". فإذا بنا نرى ما نسمع، كما سمعنا. ذاك تجده في خشوع، وفي تذلل، وفي دعاء أمام القبر، يبكي ويخشع وكأن على رأسه الطير، والعياذ بالله، يخاف ويرجو هذا القبر. وذاك جاثٍ على ركبتيه. والمهم ترى العجب العجاب من أولئك القوم في تلك المقابر، وأمام من يسمونهم بالشيوخ أو بالسادة والأولياء. فهذا يدل على هذا الأمر الذي قرره الشيخ رحمه الله تعالى: أن هؤلاء يظنون أن هؤلاء خواص، خواص الخلق عند الله، وأن الله يرضى أن يلتجى إليهم، وأن يكون واسطة بينه وبين الخلق. وأن هؤلاء يعتقدون أن المتقرب إلى هؤلاء كالمتقرب إلى الله، لأنهم هم الذين يوصلون إلى الله. هذا هو اعتقادهم، والعياذ بالله، وهذا هو الشرك بعينه. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم، هم الذين يسميهم الأولون الآلهة، والوسيط هو الإله". قال الشيخ الفوزان: المشركون الأولون يعبدونهم ويسمونهم آلهة. ولذلك لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله"، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5]. إذن سموهم ماذا؟ آلهة. "أجعل الآلهة إلهًا واحدًا". فالمشركون الأوائل يسمون هؤلاء الذين يتخذونهم وسائط بالإله. ولذلك لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى التوحيد، وقال لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ماذا قالوا؟ لأنهم يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، ما هو مثل مشركي زماننا، لا. كان الأوائل يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، فلما دعاهم إليها قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. رفضوا أن يقولوها وأن يأخذوا بها لأنهم يعرفون معناها. قال: إلى قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6]. فسموها آلهة. قال: سموها آلهة، وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. وهذا قوم نوح، سموهم آلهة. وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾. فكان هؤلاء الذين يتخذون أولئك وسائط يسمونهم آلهة، يسمونهم آلهة. قال: الأولون سموهم آلهة، والمتأخرون الذين يدعون الإسلام سموهم وسائط وشفعاء فقط، ولم يسموهم آلهة. والمعنى واحد، وإن اختلف اللفظ. لأن العبرة بالحقائق، وليست العبرة بالألفاظ والمصطلحات. وهذا حق. هؤلاء ما يتجرؤون الآن يقولون: "هؤلاء آلهة". هذا الذي يخشع ويخاف، وهكذا يذبح لذلكم الولي أو لذلكم السيد، لا يقول: "هذا إله من دون الله"، ما يقول هذا لجهله. لكن يقول: "هؤلاء أهل الله". لما يقولون: "هؤلاء أهل الله"، هو بمعنى: هؤلاء خاصة الله. أهل الله، معنى خاصة الله. فإذا كانوا كذلك، فنحن نتخذهم وسائط وشفعاء، نتخذهم وسائط وشفعاء. فقولهم: "وسائط وشفعاء"، هو بمعنى قول المشركين: "آلهة". لأن الفعل واحد، وإن اختلفت الأسماء. فعل المشركين الأوائل، وفعل مشركي زماننا واحد، وهو اتخاذ هؤلاء شفعاء ووسائط. لكن الأوائل سموهم آلهة، والمتأخرون سموهم شفعاء ووسائط. فالعبرة بالحقائق، بأصل الفعل والعمل، لا بمجرد الألفاظ والمصطلحات. وإنما العبرة بالحقائق. نقول لهم: عملكم كعمل أولئك الأوائل، لا فرق. أولئك الأوائل قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. وأنتم تقولون: هؤلاء وسائط وشفعاء. فما الفرق؟ إذن القول والعمل واحد، لكن اختلف المصطلح. أولئك يسمونهم آلهة، وأنتم تسمونهم ماذا؟ شفعاء ووسائط، شفعاء ووسائط. وهذا كلام واضح. قال: "فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط". هؤلاء لو يعقلون ويفهمون معنى "لا إله إلا الله" لما قالوا هذا القول، وهو اتخاذ الوسائط والشفعاء. لأن قول الرجل: "لا إله إلا الله"، معناه إبطال للوسائط. قال الشارح: "لا إله إلا الله" تبطل كل ما يعبد من دون الله، سواء سمي واسطة أو شفيعًا أو سمي آلهة. فلا إله... ﴿فَلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، تبطل كل ما يعبد من دون الله بأي اسم سمي، بأي اسم سمي. فهذا واضح. وهذا هو تفسير كلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله. ومن هذا المعنى إبطال ما يدين به أهل الشرك من اتخاذ الشفعاء والوسائط بين الخلق والخالق سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته "تفسير كلمة التوحيد": "قال: والإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه -أي العوام- الفقير والشيخ". قال الشارح: الصوفية يسمون العابد الشيخ، يعني شيخ الطريقة الذي يأخذون عنه دينهم. وهذا معلوم، هناك طرق كثيرة للصوفية تسمى بأسماء شيوخهم: الطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية، وغيرها من الطرق التي يسمونها بأسماء شيوخهم. ويسمونه كذلك الفقير. قال: والذي يأخذ عن شيخ الطريقة يسمونه المريد، يعني الطالب الذي يدرس عند هذا الشيخ، تسميه الصوفية "بيئة المريد"، بيئة المريد. قال: ويكون مع شيخه كالميت بين يدي الغاسل، ليس له أن يعترض بشيء، أي شيء يسمعه من الشيخ يسكت عنه، سواء كان حقًا أو باطلًا، وكما تقدم. ولو كان ما يصدر عن الشيخ منكرًا واضحًا تخالفه الفطرة، فلا يحق للمريد أن ينكر عليهم أو أن ينكر عليه، فهو بين يدي ذلكم الشيخ كالميت بين يدي الغاسل. الميت ما له شيء، ميت يقلبه الغاسل ويفعل فيه الغاسل ما يشاء، وهكذا المريد. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وتسمية أو تسمية العامة السيد وأشباه هذا". قال: وهم يسمون شيخهم السيد، ويسمونه الشيخ، فلا بد أن تبايعه وتسلم له أمرك، فلا تعترض ولا تخالف في شيء، وإلا فإنك لا تكون مريدًا معه. وهذا واضح، جعلوا أناسًا معينين يطلق عليهم بالسادة، مع أنه لا يجوز هذا الإطلاق. لا يجوز تقول: "فلان السيد" بالألف واللام التي تفيد الإطلاق، لأن السيد هو الله سبحانه وتعالى. ولكن يمكن أن تقول ذلك مقيدًا ليس مطلقًا، فتقول: سيد القوم، وسيد الجماعة، وسيد المجلس، لا بأس بهذا. لكن ما يطلقه العامة بهذا الإطلاق، إطلاق "السيد"، فهذا لا يجوز، إنما السيد الله. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، يرضى أن يلتجأ الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله". وهذه المصيبة التي وقع فيها أولئك عباد غير الله، عباد القبور، ظنوا أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، أناس هم من الخواص عند الله عز وجل، هكذا يعتقدون. وأن الله عز وجل يرضى أن يلتجأ إليهم عند الشدائد وعند المحن، وأن الله يرضى أن يكونوا واسطة بينه وبين خلقه. فمن أجل ذلكم الاعتقاد وقعوا في تلكم الضلالات، وناقضوا كلمة الإخلاص. وكما تقدم، فساد الاعتقاد يؤدي إلى فساد العمل، فلما فسد اعتقادهم فسد عملهم. قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "يقولون: إن الله جعل من الخلق خواصًا يجوز الالتجاء إليهم ودعاؤهم والاستغاثة بهم، على أنهم شفعاء عنده ويقربون إليه". هذا الذي هم عليه، لا يقولون إنهم شركاء لله، والكل حكم الله عز وجل عليه بالشرك. فالبعض كما تقدم ما يقول أن هؤلاء شركاء لله في الخلق والتدبير وإلى غير تلكم الأمور، وإنما يقولون: هؤلاء واسطة بيننا وبين الله. وهذا عين ما احتج به المشركون، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، يعني واسطة بيننا وبين الله. فهذا الأمر أمر اعتقاد، أن هناك من الخلق من هو واسطة بين الله عز وجل وبين خلقه. هذا اعتقاد قديم من زمن مشركي العرب، وإلى يومنا هذا، وكثير من الناس يردد هذا ويعتقد هذا. قال: "بل يقولون: شفعاء عنده ويقربون إليه، لأن الله اختارهم لصلاحهم وتقواهم، فصاروا وسائط بين العباد وبين الله تعالى". ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الصافات: 159]. ولذلك يتقربون إليهم بالعبادات أحياء وأموات، هذا هو واقعهم. وهذا من جهلهم، ومن تشبيههم الخالق بالمخلوق. فربما بعضهم قرر هذا الأمر وهذا الاعتقاد الفاسد بأمر محسوس موجود في الخلق. فمثلا يقول لك: الآن وزير أو رئيس، ما هو كل الناس يستطيعون الوصول إليه وطلب حوائجهم، فلا بد من وجود ناس هم من خواص هذا الرئيس أو من خواص هذا الوزير وهذا المسؤول. فإذا أردنا حاجة من ذلكم الرئيس أو من ذلكم المسؤول، فإننا نذهب إلى بعض خواصه كأولاده، أو ابن عمه، أو مدير مكتبه، أو كذلك ابن زوجته، أو أخو زوجته، إلى غير ذلكم، أو لا يكلمونه وهو يحبهم وعندهم جاه عنده فيستجيب لنا. ربما بعضهم مثل بهذا المثال، وهذا من أسوأ الأمثلة؛ لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق. فالمخلوق هو الذي يحتاج إلى واسطة، لكن الخالق هو الذي قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. ما قال ربنا سبحانه وتعالى: "وإذا سألك عبادي فليتوسطوا أو فليستشفعوا بفلان أو علان من الناس". تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق، وهو الذي محيط بهم، وهو الذي عالم بما في نفوسهم سبحانه وتعالى، وهو الكريم، وهو الرحيم سبحانه وتعالى، فلا يحتاج إلى شفاعة الشافعين سبحانه وتعالى. وهؤلاء إنما وقعوا في هذا بسبب تشبيههم الخالق بالمخلوق، الخالق بالمخلوق. قال: "ويقولون: إلا المتقرب إليهم مثل المتقرب إلى الله". انظروا هؤلاء، لماذا يذبحون لهؤلاء الذين يسمونهم بالأولياء؟ ولماذا يعظمونهم ويخافونهم ويرجونهم؟ لأنهم قالوا: المتقرب إلى الله مثل المتقرب، أو المتقرب إلى هؤلاء الأولياء مثل المتقرب إلى الله. وهذا هو عين الشرك. فهم يتقربون إلى هؤلاء الأولياء حتى يرضوا عنهم وحتى يقبلوهم، فإذا قبلوهم شفعوا لهم عند الله عز وجل. هذا هو اعتقادهم، وهذا اعتقاد فاسد باطل، شرك بالله سبحانه وتعالى. قال: "من يتقرب للشيخ يتقرب لله". هذا هو اعتقادهم، من يتقرب للشيخ الذي يسمونه شيخًا أو يسمونه السيد أو إلى غير تلك التسميات التي نسمع، وإلى اليوم عندهم: من يتقرب إلى هؤلاء إنما هو في الحقيقة يتقرب إلى الله عز وجل. وهذا اعتقاد فاسد. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. لعب الشيطان بهم إلى هذا الحد، وهذا من تلاعب الشيطان بهم. وهذه هي غاية الشيطان، غاية الشيطان العظمى: أن يشرك الخلق بالله سبحانه وتعالى، حتى يكونوا من أنصاره، ويكونوا من كذلك الذين يكونون معه في النار، والعياذ بالله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: 22] إلى آخر الآية. هذا هو مقصد الشيطان. فلعب الشيطان بهؤلاء، وهم يظنون أنهم على إسلام، وأنهم على توحيد، وهم في الحقيقة والعياذ بالله على شرك، وعلى كفر بالله سبحانه وتعالى. وهذا نلحظه ونشاهده في أفعال أولئك القوم. مرة من المرات ذهبنا... ذهبنا لما نسمع أن هؤلاء لهم زيارة كل يوم جمعة في تريم إلى مقابر تريم، ونسمع من بعض إخواننا في تريم أن هؤلاء إذا ذهبوا لزيارة القبور يقومون ببعض الأعمال الشركية من التذلل، ومن البكاء، ومن كذلك السجود والركوع إلى غير ذلك. فذهبنا في يوم الجمعة من باب "فما رأى كمن سمع، وليس الخبر كالمعاينة". فإذا بنا نرى ما نسمع، كما سمعنا. ذاك تجده في خشوع، وفي تذلل، وفي دعاء أمام القبر، يبكي ويخشع وكأن على رأسه الطير، والعياذ بالله، يخاف ويرجو هذا القبر. وذاك جاثٍ على ركبتيه. والمهم ترى العجب العجاب من أولئك القوم في تلك المقابر، وأمام من يسمونهم بالشيوخ أو بالسادة والأولياء. فهذا يدل على هذا الأمر الذي قرره الشيخ رحمه الله تعالى: أن هؤلاء يظنون أن هؤلاء خواص، خواص الخلق عند الله، وأن الله يرضى أن يلتجى إليهم، وأن يكون واسطة بينه وبين الخلق. وأن هؤلاء يعتقدون أن المتقرب إلى هؤلاء كالمتقرب إلى الله، لأنهم هم الذين يوصلون إلى الله. هذا هو اعتقادهم، والعياذ بالله، وهذا هو الشرك بعينه. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم، هم الذين يسميهم الأولون الآلهة، والوسيط هو الإله". قال الشيخ الفوزان: المشركون الأولون يعبدونهم ويسمونهم آلهة. ولذلك لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله"، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5]. إذن سموهم ماذا؟ آلهة. "أجعل الآلهة إلهًا واحدًا". فالمشركون الأوائل يسمون هؤلاء الذين يتخذونهم وسائط بالإله. ولذلك لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى التوحيد، وقال لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ماذا قالوا؟ لأنهم يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، ما هو مثل مشركي زماننا، لا. كان الأوائل يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، فلما دعاهم إليها قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. رفضوا أن يقولوها وأن يأخذوا بها لأنهم يعرفون معناها. قال: إلى قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6]. فسموها آلهة. قال: سموها آلهة، وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. وهذا قوم نوح، سموهم آلهة. وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾. فكان هؤلاء الذين يتخذون أولئك وسائط يسمونهم آلهة، يسمونهم آلهة. قال: الأولون سموهم آلهة، والمتأخرون الذين يدعون الإسلام سموهم وسائط وشفعاء فقط، ولم يسموهم آلهة. والمعنى واحد، وإن اختلف اللفظ. لأن العبرة بالحقائق، وليست العبرة بالألفاظ والمصطلحات. وهذا حق. هؤلاء ما يتجرؤون الآن يقولون: "هؤلاء آلهة". هذا الذي يخشع ويخاف، وهكذا يذبح لذلكم الولي أو لذلكم السيد، لا يقول: "هذا إله من دون الله"، ما يقول هذا لجهله. لكن يقول: "هؤلاء أهل الله". لما يقولون: "هؤلاء أهل الله"، هو بمعنى: هؤلاء خاصة الله. أهل الله، معنى خاصة الله. فإذا كانوا كذلك، فنحن نتخذهم وسائط وشفعاء، نتخذهم وسائط وشفعاء. فقولهم: "وسائط وشفعاء"، هو بمعنى قول المشركين: "آلهة". لأن الفعل واحد، وإن اختلفت الأسماء. فعل المشركين الأوائل، وفعل مشركي زماننا واحد، وهو اتخاذ هؤلاء شفعاء ووسائط. لكن الأوائل سموهم آلهة، والمتأخرون سموهم شفعاء ووسائط. فالعبرة بالحقائق، بأصل الفعل والعمل، لا بمجرد الألفاظ والمصطلحات. وإنما العبرة بالحقائق. نقول لهم: عملكم كعمل أولئك الأوائل، لا فرق. أولئك الأوائل قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. وأنتم تقولون: هؤلاء وسائط وشفعاء. فما الفرق؟ إذن القول والعمل واحد، لكن اختلف المصطلح. أولئك يسمونهم آلهة، وأنتم تسمونهم ماذا؟ شفعاء ووسائط، شفعاء ووسائط. وهذا كلام واضح. قال: "فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط". هؤلاء لو يعقلون ويفهمون معنى "لا إله إلا الله" لما قالوا هذا القول، وهو اتخاذ الوسائط والشفعاء. لأن قول الرجل: "لا إله إلا الله"، معناه إبطال للوسائط. قال الشارح: "لا إله إلا الله" تبطل كل ما يعبد من دون الله، سواء سمي واسطة أو شفيعًا أو سمي آلهة. فلا إله... ﴿فَلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، تبطل كل ما يعبد من دون الله بأي اسم سمي، بأي اسم سمي. فهذا واضح. وهذا هو تفسير كلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله. ومن هذا المعنى إبطال ما يدين به أهل الشرك من اتخاذ الشفعاء والوسائط بين الخلق والخالق سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.