الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 175، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع رفع النبي يديه في الدعاء ويتناول شرح حديث جابر بن عبد الله مع تحليل سنده. يُبين أهمية الدعاء ورفع اليدين فيه.
يشرح اعتقاد أهل السنة بأن فاعل الكبيرة لا يكفر، مستدلين بحديث الطفيل بن عمرو. يُبين اختلافهم مع الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة.
يُستدل من الحديث على أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، وأن قتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب. يُبين فضيلة الأنصار وفضل الهجرة وأهمية الرؤى الصالحة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، إنه على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا الصلت، قال: حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن عائشة رضي الله عنها أنه سمعه منها أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه، يقول: «اللهم إنما أنا بشر، فلا تعاقبني أيما رجل من المؤمنين آذيته أو شتمته، فلا تعاقبني فيه». هذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وهو قد مر معنا قبل حديثين في هذا الباب، ومر الكلام عليه بما يغني عن الإعادة. والشاهد منه أن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه عند دعائه بهذا الدعاء. قال رحمه الله: حدثنا عارم، وهو محمد بن الفضل، قال: حدثنا حماد، وهو ابن زيد، أبو سلمة، قال: حدثنا حجاج الصواف، عن أبي الزبير، ومحمد بن دريس، عن جابر رضي الله عنه - أو جابر عن جابر بن عبد الله - وأبو الزبير ثقة، لكنه مدلس، وقد عنعن في روايته عن جابر. وقد ذكر أهل العلم أنه إذا عنعن في روايته عن جابر رضي الله تعالى عنه فإنها لا تقبل عنعنته إلا إذا كانت في الصحيح، فهي محمولة على السماع. وإذا كانت في خارج الصحيح، فإنها لا تقبل إلا إذا كان الراوي عنه الليث، إذا كان الراوي عن أبي الزبير الليث بن سعد، فإن عنعنته حينئذ مقبولة؛ وذلك لأن الليث انتقى من حديث أبي الزبير ما سمعه من جابر. فلذلك فإن عنعنته هنا تحمل على السماع. وهنا الراوي عنه هو الحجاج الصواف، ولهذا أعل هذا الحديث بعنعنة أبي الزبير. وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن الإمام عبد الحق الإشبيلي والقطان أعلّا هذا الحديث بعنعنة أبي الزبير. قال: أن الطفيل بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في حصن ومنعة - حصن دوس - يعني: يقول لك من يمنعك ممن أراد أن يصل إليك بمكروه - ومعنى ذلك أنهم يحمونه - قال: فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذخر الله للأنصار. فهاجر الطفيل، وهاجر معه رجل من قومه، وطفيل هو طفيل بن عمرو الدوسي، فمرض الرجل فضجر - أو كلمة شبيهة بها - يعني شبيهة بمعنى الضجر - فحبا إلى قرن، فأخذ مشقصا، فقطع وجيهه، فمات. يعني: صاحب الطفيل لما مرض وأصابه بذلك الضجر والضيق، أخذ مشقصا - والمشقص هو سهم يكون طويلا وعريضا - فقطع وجيهه - والوجيهان هما العرقان اللذان يكونان في الرقبة، هذه العروق تكون هنا، يسمى الأوداج - فقطع وجيهه، قال: فمات. والوجيان أو الوجدان عرقان يتجمع فيهما الدم، وهي التي تقطع عند الذبح، عند ذبح الذبيحة تقطع هذه الأوداج، فيسيل الدم بسرعة. قال: فرآه الطفيل في المنام، فقال: ما فعل بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ما شأن يديك؟ قال: فقيل: إنا لا نصلح منك ما أفسدت من يديك. وفي رواية مسلم: أن يديه كانت مغمسة، فسأله عن ذلك، فقال: إنا لا نصلح منك ما أفسدت من يديك. قال: فقصها الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم وليديه فاغفر». ورفع يديه. والحديث بهذا السند الضعيف قد أشار كذلك الشيخ الألباني رحمه الله إلى ضعفه. وأصل الحديث في مسلم، لكن ليس فيه ذكر رفع اليدين، ليس فيه ذكر رفع اليدين. يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه، ليس هذا في مسلم. وأصل القصة في صحيح الإمام مسلم. وأشار كذلك الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن ذكر رفع اليدين هنا شاذ، يعتبر شاذا. وكذلك أيضا في صحيح مسلم بدل قوله: قطع وجيهه، قال: قطع براجمه. والبراجم هي أطراف الأصابع، أو مفاصل الأصابع، يعني: هذه تسمى براجم، فقطعها حتى سال الدم. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا الحديث على مشروعية رفع اليدين في الدعاء، ولهذا ذكره في هذا الباب، وهو باب رفع اليدين في الدعاء. لكن كما علمنا أن رفع اليدين في هذا الحديث لا يصح. رفع اليدين في هذا الحديث لا يصح. وقد مرت معنا بعض الأحاديث الصحيحة في جواز رفع اليدين في الدعاء. لكن كما قلنا: أصل الحديث صحيح بغير ذكر رفع اليدين. وفي هذا الحديث بيان لما عليه أهل السنة والجماعة من اعتقاد أن فاعل الكبيرة لا يكفر بفعله للكبيرة، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، خلافا لما عليه الخوارج والمعتزلة من تكفير صاحب الذنب وصاحب الكبيرة إذا فعل الكبيرة. فهذا الحديث مما يرد عليهم؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، وهو قتل النفس، قتل نفسه، ومع ذلك غفر الله سبحانه وتعالى له. وكذلك أيضا في هذا الحديث بيان للأحاديث الواردة في ذكر تخليد قاتل نفسه في النار، حيث ثبت عن أبي هريرة في الصحيحين: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». وقول عليه الصلاة والسلام: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تسمم أو تحسى سما فقتله، فسمه في يده يتحسى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». فإن ظاهر هذا الحديث أن فاعل الكبيرة يخلد في نار جهنم. ولكن دلت الأدلة الكثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يغفر ما دون الشرك لمن يشاء عز وجل. وهكذا أيضا دلت أحاديث كثيرة في السنة على أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، ومنها هذا الحديث؛ فإن هذا الرجل قتل نفسه، ومع ذلك غفر الله سبحانه وتعالى له. وفيه كذلك بيان أن قتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب، فلا يجوز للمسلم أن يقتل نفسه، وأنه إن فعل ذلك فقد عرض نفسه للعذاب وللعقوبة، ومع ذلك لا يجزم له بالنار، فهو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وفي هذا الحديث كذلك فضيلة للأنصار رضي الله تعالى عنهم؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر له - كما ذكر له الطفيل - إن أراد النبي عليه الصلاة والسلام حصنا ومنعة فإنه سيجد ذلك، فأبى عليه الصلاة والسلام لما جعل الله سبحانه وتعالى له من نصر ومنعة بالأنصار الذين ناصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وجعلوا له ما هو لهم وما عليه، وفدوه رضي الله تعالى عنهم بأموالهم وأنفسهم. وفيه كذلك أيضا فضل الهجرة؛ فإن الطفيل وصاحبه هاجرا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وفعل صاحب الطفيل ما فعل، وغفر الله سبحانه وتعالى له بهجرته إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وباب الهجرة مفتوح كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». فأجر الهجرة عظيم، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الهجرة سبب لمغفرة الذنوب. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يَهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وكذلك أيضا فيه أن المنامات التي يراها الإنسان لا يعمل بها، ولا تثبت بها أحكام شرعية، خلافا لما عليه بعض أهل البدع من الرافضة والمتصوفة وغيرهم، الذين يحللون ويحرمون ويشرعون عن طريق الرؤى والمنامات، وليس هذا من دين الله سبحانه وتعالى. وأما ما قد يراه الإنسان في نومه، فإن كانت رؤيا صالحة فهي من عاجل بشرى الله سبحانه وتعالى العبد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، وهي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن في نومه. وقال عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة». فإذا رأى رؤيا صالحة فهي من عاجل بشرى الرب سبحانه وتعالى العبد. ومع ذلك فكما قلنا: لا يثبت بها حكم من الأحكام، وإنما يستانس بها ويستبشر بها. وقد تكون كذلك ما يراه الإنسان حلم من الشيطان، قد يكون حلم من الشيطان. فإذا رأى من ذلك ما يكره، فكما قال عليه الصلاة والسلام: «فليتعوذ بالله من الشيطان، وليدفل عن يساره، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لا تضره». والشاهد من هذا الحديث كما مر: أراد به الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على جواز رفع اليدين في الدعاء، وهو ظاهر من الحديث إن كان صحيحا. لكن الحديث لا يصح، ورفع اليدين فيه شاذا. والله تعالى أعلم.