التعليق على كتاب الوصية الكبرى 4

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وسطية أهل الإسلام في التحليل والتحريم والأسماء والصفات

يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن النصارى استحلوا المحرمات بينما جاء عيسى بتحليل بعض ما حرم على بني إسرائيل، مؤكداً أن المؤمنين يتبعون الرسول في تحليل الطيبات وتحريم الخبائش. ويبين أن أهل السنة وسط بين المعطلة والممثلة في الأسماء والصفات، وأن الأمة الإسلامية وسط بين الملل.

عقيدة أهل السنة في القدر وأفعال العباد والحكمة من الخلق

يؤمن أهل السنة بأن الله خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير، وأن للعبد مشيئة وقدرة تحت مشيئة الله رافضين الجبرية والقدرية. والحكمة من الخلق هي العبادة والشكر، ومن شاء الله هداه ومن شاء أضله.

منهج أهل السنة الوسط بين الفرق في العقائد

يسلك أهل السنة المسلك الوسط بين الفرق الضالة في القدر والإيمان والوعيد والشفاعة وموقف الصحابة، مثبتين القدر خيره وشره ومعرّفين الإيمان بالقول والعمل والاعتقاد. ولا يخلدون أهل الكبائر في النار ويثبتون الشفاعة، ويعدلون في الصحابة متمسكين بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

الدعاء بالخاتمة والحمد

يسأل المتحدث الله أن يوفقه لما يحبه ويرضاه، ويختتم بحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الوصية الكبرى: وأما النصارى فاستحلوا الخبائف وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات. وإنما قال المسيح: ﴿ وَلِيُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [آل عمران: ٥٠]. ولهذا قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: ٢٩]. يشير رحمه الله تعالى إلى أن النصارى استحلوا ما حرم الله عز وجل، ومنها جملة من الخبائف، وأنهم أيضًا باشروا النجاسات. وإنما جاء عيسى عليه الصلاة والسلام وأحل لهم -بإذن الله عز وجل- بعض الذي حرم عليهم من قبل موسى عليه الصلاة والسلام، كلحوم الإبل وكذلك الشحوم ونحو ذلك. لهذا قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: ﴿ وَلِيُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾، قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم، ولم يكن في التوراة نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم. يعني: قيل هذا، وقيل هذا. قيل: أن التحريم من قبل الله عز وجل على لسان رسوله موسى عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنما أحل -أي عيسى عليه الصلاة والسلام- الأشياء لهم كانت الأحبار قد حرمتها عليهم ولم تكن في التوراة. قال أبو عبيدة: يجوز أن يكون "بعض" في الآية بمعنى "كل"، ﴿ وَلِيُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: وليحل لكم كل الذي حرم عليكم. هذا قول أبي عبيدة، ثم استشهد أو ذكر شاهدًا من لغة العرب. قال القرطبي: وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة، أي: ليس بالصواب أن يقال في هذه الآية إن "بعض" هنا بمعنى "كل". قال: لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع، لأن عيسى إنما أحل لهم الأشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها، ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا الفاحشة. إذا قلنا إن الآية معناها "كل" -أي "بعض" بمعنى "كل"- للزم تحليل كل شيء، وهذا غير مراد من الآية. وإنما المراد أن عيسى عليه الصلاة والسلام أحل لهم بعض ما حرم عليهم في التوراة أو على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، وليس معناها أنه حل لهم حتى القتل أو الفواحش أو نحو ذلك. قال: وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة، يعني أن "بعض" يأتي بمعنى "كل" لكن بقرينة، لا بد من قرينة في السياق تدل عليه إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه، كما قال الشاعر -والمراد بالشاعر هنا هو طرفة بن العبد-: «يَا أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانِيكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِي» «يَا أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانِيكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِي» طرفة بن العبد يخاطب أبا المنذر وهو عمر بن هند، وقد أمر بقتله، فجاء يستعطفه ويستلطفه. فقال: «يَا أَبَا مُنْذِرٍ» -كنية عمر بن هند- «أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا حَنَانِيكَ» أي: تحنن عليَّ، «بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ» قال: يريد: بعض الشر أهون من كله. "بعض الشر أهون من بعض" أي: أن "بعض" هنا الثانية في البيت بمعنى "كل". هذا ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية. وهنا الشاهد من الآية أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكر وسطية أهل الإسلام بين الملل. قال: وأما المؤمنون كما نعتهم في قوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾ [الأعراف: ١٥٦-١٥٧] إلى آخر الآية. المؤمنون وصفهم الله عز وجل بأنهم يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يحللون ولا يحرمون إلا بنص، يعني: لا يحللون من قبل أهوائهم ولا يحرمون كذلك، وإنما شأنهم أنهم يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام ويتبعونه، النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائف. صفة النبي عليه الصلاة والسلام: تحليل الطيبات وتحريم الخبائف، والمؤمنون يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، في باب أسماء الله وصفاته، وسط بين أهل التعطيل الذين يجحدون أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهوه بالعدم والمواد، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. هنا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وسطية أهل السنة، وأنهم وسط في الفرق، كما أن أهل الإسلام وسط بين الملل من يهود ونصارى وغيرهم، فهم أيضًا -أي أهل السنة والجماعة- وسط في الفرق، وإن كانت هذه الفرق داخلة في أهل الإسلام، أي: تتسمى بالإسلام. فذكر أنهم وسط في باب الأسماء والصفات بين أهل التعطيل الذين عطلوا الأسماء والصفات فنفوها وألحدوا فيها، وهكذا أيضًا بينهم وبين أهل التمثيل والتشبيه الذين شبهوا الله عز وجل أو مثلوه بالمخلوقات. فذكر رحمه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم في باب خلقه وأمرهم أيضًا -في الباب الثاني: باب الخلق والأمر- وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل. هناك طائفتان ضلتا في باب الخلق والأمر: فمنهم من كذب بقدرة الله جل وعلا، وأنه سبحانه وتعالى ليس على كل شيء قدير، وأن العبد يخلق فعله نفسه. وهكذا أيضًا بين الطائفة الأخرى الذين لا يؤمنون، أو الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا اختيار ولا إرادة، وهم المسمون بالجبرية. قال: فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب. فلماذا خلق الله عز وجل للخلق؟ هم يعطلون الآن التكاليف الشرعية، فما فائدة أن الله عز وجل أمر بالصلاة وأمر بالصيام والزكاة والحج؟ ليس هناك فائدة إذا كان على ما قالوا، ليس هناك فائدة. فهؤلاء يكذبون بهذا الباب، فعطلوا الأمر والنهي، وأيضًا الثواب والعقاب الذي يلزم من فعل الطائع الذي يطيع ربه بالأوامر، ليس له هناك ثواب، وأيضًا العاصي ليس له هناك عقاب، فالكل في هذا الباب عندهم سواء. ولهذا قال الشيخ رحمه الله: فيصيرون بمنزلة المشركين، هؤلاء الذين عطلوا الأمر والنهي وحكمة الله عز وجل من خلق الخلق وابتلائهم عز وجل لهم، صاروا مثل المشركين أو منزلة المشركين. ماذا قال المشركون؟ قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. هكذا عطلوا مشيئة الله سبحانه وتعالى: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا»، وهنا «آبَاؤُنَا» معطوفة على الضمير، أي: كذلك لم يشرك آباؤنا، «وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ». هذا ما قاله كفار قريش للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فرد الله عز وجل عليهم في نفس الآية. هؤلاء كلهم عطلوا الله سبحانه وتعالى من حكمته من خلق الخلق، وأنه عز وجل خلقهم لحكمة ولغاية وهي عبادته سبحانه وتعالى، فأمرهم ونهاهم: أمرهم بالعبادة له وحده، ونهاهم عن الشرك به سبحانه وتعالى، فأثاب الموحد والطائع، ويعاقب سبحانه وتعالى العاصي. قال: فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الأمر والنهي والخلق لله سبحانه وتعالى، بأنه عز وجل على كل شيء قدير، قادر أن يهدي العباد، ولو شاء لجعلكم أمة واحدة، وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ [يونس: ٩٩]، وأيضًا أنه لا يجري شيء في هذا الكون إلا بمشيئته سبحانه وتعالى وتدبيره وتصرفه وعلمه وقدرته. قال: فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. هذا الذي ينبغي لكل مسلم أن يعتقد في الله سبحانه وتعالى أنه خالق كل شيء، بقوله عز وجل: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر: ٦٢]، سواء كان من الأعيان أو الصفات أو الحركات، فالله عز وجل خالقها. وأن العبد غير مجبور على ذلك الفعل، بل الله عز وجل جعل له مشيئة، وجعل له قدرة، وجعل له اختيارًا. وكل واحد منا يحس ذلك، سواء كان بالحس أو كان بالعقل أو كان بالشرع، يعلم ذلك من نفسه أنه غير مجبور على شيء، بل هو الذي يقبل على الطاعة ويفعلها بمحض إرادته وقدرته واختياره ومشيئته، وكذلك المعصية. والله سبحانه وتعالى له المشيئة التامة، له المشيئة التامة، ومشيئة العبد هذه داخلة تحت مشيئة الله جل وعلا. ولهذا قال: ويؤمنون بأن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورًا، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره. والله سبحانه وتعالى جعل العبد مختارًا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله تعالى خالقه وخالق اختياره أيضًا. اختيارك هذا وإرادتك هذه ومشيئتك هذه، الله عز وجل هو الذي خلقها لك، هو الذي خلقها لك. وأيضًا الله عز وجل هو الذي خلق فعلك، وأنت تفعل ذلك الفعل بإرادتك واختيارك ومشيئتك. قال: وهذا ليس له نظير، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو حكيم سبحانه وتعالى. وأيضًا هو جل وعلا رحيم بعباده، فهو الذي جعل لهم هذه الحواس التي يحسون بها من سمع ومن بصر ومن لمس ومن فؤاد ونحو ذلك. ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: ٧٨]. ما الفائدة من خلق هذه الحواس وهذه الأعضاء في هذا الإنسان؟ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، أي: لعلكم تقومون بشكر الله عز وجل باستعمال ما أعطاكم ووهبكم في طاعة الله جل وعلا. وقليل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: ١٣]، أي: أن أكثر الناس لا يشكرون نعمة الله جل وعلا على ما أعطاهم ووهبهم من هذه النعم العظيمة. فالجبرية خالفوا، والقدرية خالفوا. والقدرية طوائف كما ذكر أهل العلم، منهم نفاة العلم وقد انقرضوا، الذين يقولون: إن الله عز وجل لا يعلم الشيء إلا بعد حصوله، أو لا يكفر كما قال الشافعي: «خاصمت أو قال: ناظرت القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا». وهذا كما ذكر النووي رحمه الله تعالى والحافظ أيضًا في الفتح، أن هذه الطائفة انقرضت، ولم يبق من القدرية إلا أنهم يقولون: إن الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء، أن يصفونه بالعلم، لكنهم خالفوا في الباب الآخر وهو باب الخلق، فقالت الطائفة الأخرى منهم: إن الله عز وجل خلق الخير ولم يخلق الشر، فجعلوا مع الله عز وجل خالق آخر يخلق الشر. وهذا الذي جاء فيهم ذلك الأثر الذي هو مختلف في صحته: «القدرية مجوس هذه الأمة». جاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. وهؤلاء ما زالوا، هذه الطائفة لم تنقرض، الذين يقولون: إن الله خلق الخير ولم يخلق الشر. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. فأهل السنة أثبتوا لله عز وجل ما أثبته لنفسه، خلافًا للقدرية وخلافًا للجبرية في هذا الباب، فهم وسط بين هاتين الطائفتين. قال: وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وهؤلاء هم الخوارج وتبعتهم المعتزلة في التخليد في النار بالكبيرة. وأما في الدنيا فإن عندهم أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، لكن في الآخرة مثل الخوارج يحكمون عليه بالخلود في النار. هذه طائفة ضلت في هذا الباب. وأيضًا الخوارج كذبوا بالشفاعة، أي: بشفاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، كما في حديث أنس عند الترمذي، وهو في صحيح الجامع. قال: وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. طائفة أخرى ضلت في هذا الباب، وهم من يسمون بالمرجئة. والمرجئة كما ذكر أهل العلم أنهم ثلاث فرق: الفرقة الأولى: مرجئة الجهمية، الذين يقولون في الإيمان: يكفي فيه معرفة القلب، يكفي فيه المعرفة، إذا عرف أن الله موجود يكفي هذا أنه مؤمن. وهؤلاء يكفرون. الإيمان عندهم هو المعرفة. وهناك مرجئة يقال لهم: مرجئة الكرامية، وهؤلاء يقولون: الإيمان نطق باللسان، نطق باللسان، فمن قال: لا إله إلا الله، يكفي فهو مؤمن، وإن لم يعتقد ذلك بجنانه، وإن لم يعمل شيئًا من الأعمال الصالحة. المرجئة الثالثة: من يسمونهم بمرجئة الفقهاء، هؤلاء الذين قالوا: هو التصديق بالجنان والقول باللسان على الإيمان، تصديق وقول، ولا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. وهم سموا بمرجئة الفقهاء لأن هذا القول نشأ من بعض الفقهاء، نسب إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأيضًا الطحاوي، الطحاوي نسب إليه هذا القول. وكل أو كل الطوائف الثلاث في ضلال، على خطأ عظيم، خطأ من القول. وأهل السنة يقولون: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، عمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال: فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ومثقال خردلة من إيمان. وأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. صح هذا من حديث أنس وحديث جابر أيضًا، عند الترمذي حديث أنس، وعند أحمد حديث جابر. قال: وهم أيضًا وسط بين الغالية الذين يغلون في علي ويفضلونه على أبي بكر وعمر، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا الأمة بعدهم، كذلك وربما جعلوه نبيًا أو إلهًا، وهؤلاء هم الروافض الاثنا عشرية ومن تبعهم في هذا الباب. أهل السنة وصفوا بين الروافض والنواصب، كما هم أيضًا وصفوا فيمن تقدم من الفرق. قال: وبين الجافية الذين يعتقدون كفر علي، وكفروا عثمان، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحلون سبهما، ويقدحون في خلافة علي وإمامته. فلا هؤلاء أصابوا ولا هؤلاء أصابوا. لا الروافض قبحهم الله، ولا غيرهم من النواصب أو الخوارج الذين كفروا عثمان رضي الله عنه واستحلوا دمه، وهكذا أيضًا قدحوا في علي وإمامته رضي الله عن الجميع. قال: وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط، لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم أجمعين. بهذا يكون انتهى هذا الفصل، فينبغي على كل مسلم أن يسلك مسلك أهل السنة في باب الاعتقادات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا بما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.