الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية الذين توسطوا في النحل فلم يغلوا في الأنبياء كنصارى ولا جفوا كيهود، وآمنوا بعيسى عبد الله ورسوله وكلمته. كما توسطوا في الشرائع بقبول النسخ والتشريع الإلهي دون اعتراض.
المؤمنون لا يحلون ولا يحرمون من عند أنفسهم بل يلتزمون بما شرعه الله، بخلاف الأمم السابقة التي أطاع أحبارها ورهبانها في تبديل أحكام الله. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم حد الله وأحيى سنته مؤكداً أن الطاعة لله وحده.
الإسلام توسط في الصفات الإلهية فأثبت لله الكمال ونفى النقص الذي نسبه اليهود، ونفى رفع المخلوق لصفات الخالق كما فعل النصارى. كما خفف الأحكام في المأكولات والحيض رحمةً بالمسلمين مقابل تشديدها على اليهود عقوبةً على عنادهم.
الله رحم المؤمنين باتباعهم لرسوله، والإسلام دين عظيم مليء بالخير والبركة. يجب على كل مسلم التمسك به والدعاء بالتوفيق والثبات على هذا الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره لحديث الافتراق وأن الناجين من أولئك المفترقين فرقة واحدة وهم أهل السنة والجماعة، وقد فسر الفرقة الناجية بأنهم أهل العلم والحديث، جماعة من السلف منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى وابن المبارك وابن المديني والبخاري وأحمد بن سنان، فقد ذكر هذا العلامة الألباني في الصحيحة تحت حديث مئتين وسبعين. قال رحمه الله تعالى: فإن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنة والمسنِدون كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ألا وهي الجماعة». وهذا في الصحيحة. وفي رواية: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فهذه الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، هي وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل. سيبين رحمه الله تعالى فضيلة هذه الأمة ووسطيتها بين الأمم، وذلك بشهادة الرب سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدلا خيارا. وأهل السنة في هذه الأمة وسط في النحل، أي في الفرق التي تدعي الإسلام. فكما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فأهل السنة والجماعة وسط في النحل، أي في الفرق والمذاهب. فسيبين أولا وسطية أهل الإسلام بين الملل الأخرى، ثم سيذكر ويعقب بوسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق والمذاهب. قال: فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية، ولا جفوا كما جفت اليهود الذين يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا. بل المؤمنون آمنوا بالله وبرسله وعذروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا. يعني أن أهل الإسلام في الرسل عليهم الصلاة والسلام ما غلوا فيهم حتى قالوا هم أرباب وهم آلهة كما فعلت النصارى، غلت في الأحبار والرهبان حتى قالوا هم أرباب أو اتخذوهم أربابا من دون الله، وكذلك المسيح ابن مريم. ولا جفوا أيضا في حقهم بأن سبوهم أو تنقصوهم أو قتلوهم كما فعلت اليهود بأنبياء الله عز وجل وبالصالحين الذين يأمرون بالقصد من الناس. فإذا جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم وقعوا في أمرين: إما القتل وإما التكذيب. فإن لم يستطيعوا يقتلوا كذبوا، ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون، كما أخبر الله عز وجل عنهم. وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وبرسوله، وقاموا ونصروا الرسل، فوقروهم أي عظَّموهم واحترموهم، وأحبوهم وأطاعوهم لله عز وجل، قال: ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ومن ذلك أيضا ومن وسطية أهل الإسلام أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا هو الله أو ابنه أو ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا وقالوا على مريم بهتانا عظيما حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، يعني ولد زنا. فاليهود جفوا في هذا الباب، أي في عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فقالوا هو ولد زنا، والنصارى غلوا فقالوا هو ابن الله أو هو الله أو هو ثالث ثلاثة، وكلا الطائفتين كفار، كفرهم الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾. قال: بل قالوا أي المؤمنون: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه. وهذا قد جاء في حديث المسلمة الذي في الصحيح في قصة جعفر ومن معه من المؤمنين مع النجاشي، حيث أنهم قالوا فيه كلمة الحق التي تعلموها أو التي تعلموها من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى كلمة الله ألقاها إلى مريم، وأن عيسى عبد الله وكلمته، وأن النار حق، وأن الجنة حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». فالمؤمنون يؤمنون بهذا: أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. قال: وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله. سيأتي الآن إلى ذكر أيضا وسطية أهل الإسلام بين الملل، وسطية أهل السنة بين الفرق والمذاهب. وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء كما فعلت اليهود، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، يعني لماذا تحولوا وقد كانوا يصلون إلى بيت المقدس؟ فأجابهم الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أي أنه سبحانه وتعالى فعال لما يريد وهو الذي يحكم لا أنتم. فهم كأنهم يعترضون على الله سبحانه وتعالى في فعله: لماذا هؤلاء تحولوا وقد كانوا يصلون إلى قبلتنا، إلى قبلتهم يعني بيت المقدس، فلماذا تحولوا إلى البيت الحرام؟ فالمؤمنون لا يحرمون ولا يحللون من قبل أنفسهم وأهوائهم، وإنما يلتزمون شرع الله عز وجل. قال بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾، يعني ما يؤمنون بكل ما أنزل الله عز وجل، فهم يتحكمون في شريعة الله تبارك وتعالى. فإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله، أي بكل ما أنزل الله عز وجل على رسله، قالوا: نحن نؤمن بما أنزل علينا فقط، وأما ما أنزل على غيرنا فلا داعي لنا أن نؤمن به. قال: ولا جوزوا أي المؤمنون لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروهم بما شاءوا وينهوهم عما شاءوا، كما تفعله النصارى، كما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال عدي بن حاتم: قلت يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: «ما عبدوهم»، أي ركعوا وسجدوا لهم، «ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم». وفي لفظ قال: «فتلك عبادتهم». في لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألم يحرموا عليهم ما أحل الله ويحلوا لهم ما حرم الله؟» قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». وهذا يسمى شرك الطاعة عند هؤلاء، فإنهم أطاعوا العلماء والرهبان، يعني الأحبار منهم وهم علماؤهم ورهبانهم أي عبادهم، واتخذوهم أربابا من دون الله عز وجل في مسألة التحليل والتحريم، فهم جوزوا لهم أن يحللوا ما شاءوا وأن يحرموا ما شاءوا. بخلاف المؤمنين، فإنهم لا يجوزون ذلك لعلمائهم ولا لأكابرهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، بل الجميع يلتزم دين الله: كبيرا كانوا صغيرا، عالما كانوا جاهلا، وهكذا رجلا كانوا امرأة. فالجميع في شرع الله عز وجل يجب عليهم الالتزام به، وإنما العلماء وظيفتهم أن يبينوا دين الله عز وجل للناس، فما جهله الناس بينه العلماء. والحديث الذي ذكره رحمه الله حسنه العلامة الألباني في صحيح الترمذي برقم ثلاثة آلاف وخمسة وتسعين. وفي إسناده أي هذا الحديث غضيف بن أعين، قال الترمذي: ليس بمعروف في الحديث، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف، وضعفه الدوسري في النهج السديد، وهو إلى الحسن أقرب والله أعلم. ومعناه صحيح، فإن هؤلاء قد ظهر منهم وقد علم منهم أنهم اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، فكانوا يسمعونهم ويطيعونهم، حتى أنهم اتفقوا جميعا على أمر عظيم في مسألة رجم الزاني، كما في حديث ابن عمر: لما جيء بيهودي ويهودية قد زنيا، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أو قال لهم: ماذا تجدون من شأن الرجم في كتابكم؟ قالوا: نجد الجلد والتحميم، وقد كذبوا في ذلك، يعني نجلدهم ونحممهم. والتحميم هو التسويد، يحممونهم بالفحم، يعني يجعلون صورتهم مشوهة أمام الناس ويظهرون أمام الناس هكذا، وربما أركبوهم على حمار وجعلوا هذا وجهه لهذا الشق وذاك للشق الآخر، يعني مختلفين ظهورهم لبعض، من أجل أن يفضحوهم أمام الناس، الفضيحة، يكتفون بهذا مع أنه موجود الرجم في كتابهم. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتوا بالتوراة». فلما أتوا قرأوا، وكان عبد الله بن سلام حاضرا، قرأ القارئ ذلك، ما فوق، ووضع يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. ألا فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فإذا فيها آية الرجم. فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فرُجموا عند باب المسجد، اليهودي واليهودية، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أول من يحيي أمرك إذ أماتوه، أماتوا سنة الرجم». وأمر الرجم من الله سبحانه وتعالى. فهكذا يتلاعبون بالدين. ولما سألهم رسول الله عليه الصلاة والسلام عن سبب ذلك، ما الذي يجعلهم يلجؤون إلى التحميم والجلد؟ قالوا: قد كثر ذلك في أشرافنا، فاتفقنا على أمر، يعني أكثر من يفعل الزنا الأشراف، تفقوا على أمر يكون للأشراف ولغير الأشراف، يعني للسادة ولغير السادة منهم، أنه الذي يزني يفعلون به هكذا. فيجوزون لأنفسهم، لكبرائهم، التحليل أو التحريم على حسب الأهواء وعلى حسب المصلحة، فيجتمعون ويتفقون ويسكت العامة على ذلك، فما ينكرون على علمائهم هذه المسألة، لأنه كثير في أشرافهم وفي أمرائهم وكبرائهم. فلما حصل ذلك سكتوا عن هذا الأمر، فيميتون شرع الله عز وجل. وأما المؤمنون لا يفعلون ذلك مع علمائهم ومع كبرائهم ومع صالحيهم أبدا، وإنما يحترمونهم ويوقرونهم وينصرونهم في طاعة الله عز وجل، ما يسوغون لهم أنهم يحلون ما حرم الله أو يحرمون ما أحل الله عز وجل أبدا، فهم بينهم جميعا التناصح في دين الله عز وجل. قال: والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد. وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما. بل عند المؤمنين أن من بدل شرع الله سبحانه وتعالى فإنهم يقيمون عليه الحجة ويناصحونه، فإن أبى بعد ذلك، يعني أن يلتزم بشرع الله عز وجل وأصر على تبديله للشرع، فإنهم يحكمون عليه بما يستحقه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فليسوا مقلدين، ليسوا مقلدين، لأن التقليد قد نهي عنه في دينهم، بخلاف غيرهم من الأمم السابقة الذين قلدوا هؤلاء واتبعوهم في غير طاعة الله عز وجل. قال: وكذلك في صفات الله تعالى، وسطية أهل الإسلام في الصفات. ماذا قالت اليهود في صفات الله وماذا قالت النصارى؟ قال: فإن اليهود وصف الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقال: هو فقير ونحن أغنياء، وقال: يد الله مغلولة، وقال: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك. وصف الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، وليست حتى بصفات المخلوق التي هي من صفات الكمال، وإنما صفات النقص. كل ما في المخلوق من نقص وصف الخالق به. فالفقر وصف الخالق به، وكذلك الشح والإقتار وصف الخالق به، وهكذا أيضا التعب والأعياء وصف الخالق به. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ولهذا لما قالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وغير ذلك من صفات النقائص التي نسبوها لله عز وجل، رد الله عز وجل عليهم، وقال: إنهم كاذبون مفترون على الله سبحانه وتعالى. وأما المؤمنون فإنهم وصفوا الله تعالى بما أخبرهم به من صفاته العلى وأسمائه الحسنى في الكتاب والسنة، فوصفوه بما وصف به نفسه سبحانه وتعالى، لا يجاوزون الكتاب والسنة. وأما النصارى بخلاف اليهود، قال: وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختص به، عكسوا الأمر. النصارى جعلوا المخلوق بمثابة الخالق، رفعوه فجعلوا لصفات المخلوق التي تليق به جعلوها عظمى وعليا كصفات الخالق سبحانه وتعالى. فقالوا: أي في المخلوق إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب. وهذه كلها من أفعال الله سبحانه وتعالى ومن صفاته، لأن الذي يخلق هو الله، والذي يرزق هو الله، والذي يغفر الذنوب هو الله، وهكذا أيضا الرحمة والتوبة على الخلق من الله، والإثابة والعقاب من الله، لا من المخلوق. فالمخلوق ضعيف لا يملك لنفسه ضرا ولا رشدا. قال: والمؤمنون آمنوا بأن الله سبحانه ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفوا أحد، وليس كمثله شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه. هذا الذي ينبغي أن يوصف به الخالق سبحانه وتعالى: أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وأن العباد جميعا فقراء محتاجون إلى الله عز وجل. قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ۗ لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. ومن ذلك أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، عقبهم الله عز وجل فحرم عليهم سبحانه وتعالى بعض الطيبات التي أحلت لهم لأنهم صدوا عن سبيل الله كثيرا، يصدون عن السبيل، فكانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون الصالحين، وكانوا كذلك يغيرون ويبدلون ما شاءوا من شرع الله عز وجل. قال: فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل، ولا البط، ولا شحم الثربي والكليتين. ويقول: شحم الثرب هو شحم رقيق يأتي على الكرش والأمعاء كما في المصباح المنير. يعني حرم الله عز وجل عليهم الشحوم وحرم عليهم اللحوم، والكليتين، ولا الجدي في لبن أمه، إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا، والواجب عليهم أي مما حله الله لهم مئتان وثمانية وأربعون أمرا. وكذلك شدد عليهم في النجاسة، حتى لا يأكلون الحائض ولا يجامعونها في البيوت، كما جاء في حديث أنس: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسألوا عن الحائض، قال: «يصنعوا كل شيء إلا النكاح»، يعني إلا الجماع. فاليهود كانوا لا يأكلون الحائض، يعني لا يأكلون معها ولا يجالسونها ولا يضاجعونها، يعني واحد ما يضاجع زوجته، يجلس معها يأكل معها، لأنه عندهم الظاهر أن هذه المرأة نجسة، فالحائض عندهم أنها نجسة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سبحان الله، إن المؤمن» في رواية المسلم: «لا ينجس حيا ولا ميتا». فالمؤمنون فعلوا شرع الله عز وجل مع المرأة الحائض، أنهم يصنعون كل شيء إلا النكاح، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. لما سمعوا بهذه المقالة قالوا: هذا الرجل ما يريد يترك لنا شيئا من أمرنا، يعني يخالفهم عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور. فهم يفعلون من هذا من عند أنفسهم. فبسبب عنادهم وسبب استكبارهم عن شرع الله وصدهم، عاقبهم الله عز وجل بعقوبات كثيرة، حتى أن التائب كان يقتل نفسه: ﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾، توبة تكون بقتل نفسه. انظروا كيف التشديد على هؤلاء الذين هم معاندون وأيضا مكابرون. وأما المؤمنون الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الله عز وجل رحمهم بهذا الدين العظيم، فواجب على كل مسلم أن يتمسك بدين الإسلام، فهو دين عظيم، خير وبركة من الله سبحانه وتعالى لعباده. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله.