الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 146، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
قام السفاح عبد الله بن محمد بتأسيس الدولة العباسية نسباً إلى العباس بن عبد المطلب، وغدر بأمراء بني أمية بعد إعطائهم الأمان، ثم تولى أخوه المنصور الخلافة. دامت الخلافة العباسية نحو ستة قرون، وظهرت فيها فتنة فكرية كقول خلق القرآن.
تتابع الخلفاء العباسيون من وفاة المنصور حتى المأمون، مع ذكر صلاح زبيدة ومناقبها، وقتل الأمين، ثم فتنة المأمون بخلق القرآن وامتحان الإمام أحمد. حذر المتحدث من خطر الانفتاح على ثقافات الضلال عبر وسائل التواصل الحديثة، داعياً للتمسك بالقرآن والسنة.
حذر المقطع من مخاطر الاطلاع على كتب أهل البدع والضلال مستشهداً بحالات ارتداد، مؤكداً أن ذلك لا يجوز إلا للعلماء الراسخين للرد عليها. ثم استعرض تاريخ بدء تأليف الكتب وتصنيفها في عهد عمر بن عبد العزيز والعصر العباسي على يد أئمة الحديث والتفسير والسيرة.
أتم الناسخ سليمان بن سحمان نسخ الكتاب في 11 رجب 1339هـ، واختتم القارئ دورة القراءة والتعليق على هذا الكتاب. أعلن عن نية اختيار كتاب جديد للقراءة في يومي الثلاثاء والأربعاء بعد صلاة العصر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول": وفي آخر هذا الكتاب قال: "دولة بني العباس". وتقدم معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر سيرة الدولة الأموية والدولة العباسية بعد مختصر سيرة الرسول تتميماً للفائدة، وإلا كما هو من عنوان هذا الكتاب أن هذا الكتاب في مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا من باب تتميم الفائدة، ومن باب كذلك ذكر شيء من سيرة الخلفاء الإسلاميين في الدولتين الإسلاميتين: دولة بني أمية ودولة بني العباس. وإلا فقد كتب بالتفصيل في تاريخ هاتين الدولتين لعلماء كثر، ولكن المؤلف ذكر سيرة مختصرة لهاتين الدولتين، يعني سيرة مختصرة لهاتين. قال: ثم قامت دولة بني العباس، ونسبت إلى بني العباس لأن من قام بها ينتسبون إلى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمؤسسها عبد الله بن محمد السفاح العباسي، فنسبة إلى أعلى نسبهم سميت هذه الدولة بهذا الاسم. قال: وفي هذه السنين وقعت الفتنة الثالثة التي لم يرفع الخرق بعدها إلى اليوم، ويريد بهذه الفتنة فتنة توسع ثقافات المسلمين، فقد جلبوا إلى بلاد أهل الإسلام كتب الكفار والفلاسفة، مما نتج عن ذلك دخول بعض العقائد الفاسدة، ومن أعظم تلك العقائد القول بخلق القرآن. فهذه المحنة وهذه البدعة ظهرت في زمن بني العباس، فبعد هذه الفتنة توالت فتن الأفكار المنحرفة والعقائد كذلك المنحرفة التي ابتليت بها بلاد المسلمين. قال: فأول من قام من بني العباس السفاح، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولقب بالسفاح. قيل: بعدما سقطت الدولة الأموية وأسس دولة بني العباس استدعى أمراء بني أمية، استدعاهم وأعطاهم الأمان، يعني أنه لا يمسهم بسوء، فاجتمعوا له ثم غدر بهم وقتلهم واستباح دماءهم، فلقب بالسفاح. قال: فبقي نحو ست سنين ثم مات، وعهد إلى أخيه المعروف بالمنصور، يعني استخلف بعده أخاه المنصور. قال: فبقي فيها اثنتين وعشرين سنة ثم توفي. وقد ذكر العلماء أن أطول الدول الإسلامية بقاء هي هذه الدولة، دولة بني العباس، إذ أنها أقيمت على يد السفاح في سنة ثلاثين ومئة للهجرة، ودامت هذه الخلافة قرابة ستة قرون، فهي أطول دولة بقيت من الدول المسلمة. قال: ثم توفي، أي المنصور، وعهد إلى ابنه المعروف بالمهدي، يعني استخلف ابنه، فبقي نحو عشر سنين ثم مات، وقام بعده ابنه موسى المسمى بالهادي، فبقي سنة وشهراً ثم توفي، وقام بعده أخوه هارون المسمى بالرشيد، فبقي أكثر من عشرين سنة ثم مات، وقام بعده ابنه المسمى بالأمين، وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور. وذكر أمه والله تعالى أعلم لأن هذه المرأة زبيدة كانت امرأة صالحة، كانت امرأة صالحة محبة للخير، ومما حفظ من خيرها أنها بنت طريقاً من العراق إلى مكة للحجاج، بنت أو أقامت طريقاً يوصل من العراق إلى مكة وهو موجود إلى الآن، وأجرت في هذا الطريق ماء يُسمى الآن باسمها "ماء زبيدة" يُسمى باسمها ماء زبيدة، وكانت تعتني بحفظ القرآن وتشجيع حفظته، فكانت امرأة صالحة، وكأنه ذكر اسمها لما جاء من خيرها وصلاحها. قال: وبقي، أي الأمين، نحو ثلاث سنين ثم قتله عسكر أخيه المأمون. لو نظرت في تاريخ الدولة العباسية لرأيت أن كثيراً من أمرائها إما أن يُقتل وإما أن يُخلع، إما أن يُقتل وإما أن يُخلع. نعم، فممن قتل الأمين واسمه محمد، والأمين إنما هو لقبُه. قال: وقام بعده المأمون، وهو الذي جر على المسلمين كثيراً من الفتن في العقائد، فترجم كتب اليونان في الفلسفة، يعني من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، وأظهر القول بخلق القرآن وألزم الناس القول به، واشتدت الكربة على علماء الإسلام، فإنه دعا الجميع إلى القول بخلق القرآن، فمنهم من هرب واختفى، ومنهم من وَرَى وبقي، ومنهم من أبى وأصر على الحق والقول بالحق، ومن هؤلاء العلماء الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال: وامتحن الإمام أحمد وغيره من الأئمة رحمهم الله في ذلك، وهذا فيه خطر استجلاب الثقافات الأخرى غير الثقافة الإسلامية. ولذلك في هذا الزمان لما ظهرت فتن الارتباط بالثقافات الأخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي الموجودة اليوم، كثرت الفتن العقائدية والفتن كذلك المنهجية بين أوساط المسلمين، دخلوا في قنوات تعتني بنشر الإلحاد ربما ونشر الكفر، فمن يتصور أن من المسلمين من يرتد عن دينه؟ وما ذاك إلا بسبب التوسع في هذا الباب، باب القراءة لأهل الإلحاد وأهل البدع وأهل الشر. بل من المسلمين من اعتنق المذهب الرافضي بسبب استطلاعه على بعض قنوات الرافضية، وهكذا منهم من ربما نهج نهج الفرق الضالة من المعتزلة ومن العقلانيين. فالحذر الحذر من التساهل في قراءة كتب أهل الكفر والضلال والباطل. ولم يكفهم أن أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم. اعتني بقراءة القرآن والسنة وكتب أهل العلم المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج، ففي هذا الثبات على الحق وعلى المنهج الحق. أما إذا الواحد منا أصابه الفضول وبدأ يطلع في ثقافات الغرب والشرق فيخشى عليه من التأثر بتلك الثقافات. اليوم كم نسمع من أناس كانوا مسلمين وكانوا في بلاد المسلمين فإذا بهم يلفظون بكلمات الكفر والعياذ بالله، كعلي البخيتي وتوكل كرمان، في هذه الأيام ظهرت منهما عبارات الزندقة والكفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذاك إلا بسبب توسعهم في القراءة والاختلاط بهؤلاء الضلال. فكانت هذه النتيجة، فيحذر العلماء من التساهل في القراءة في كتب أهل البدع والضلال، ولم يجيز ذلك إلا لعالم متمكن يستطيع أن يميز وأن يرد على هؤلاء الضلال، يقرأ كي يرد عليهم من كتبهم، ولا يكون ذلك إلا لعالم متضلع وعالم راسخ من علماء الأمة. أما أمثالنا طلاب العلم فلا ينبغي لنا أن نشتغل بغير كتب العلماء والقراءة فيها. فالحذر من هذا المسلك، فما ظهرت فتنة خلق القرآن إلا بسبب التوسع في الثقافات والقراءة في ثقافات الكفار والملحدين والمشركين والمنحرفين. قال: بدء تأليف الكتب. قال: في أيام عمر بن عبد العزيز هو أمر بهذا قبل أن يتولى الخلافة، فلما تولى الخلافة اعتنى بهذا الأمر عناية عظيمة، وهو الأمر بجمع الكتب وكتابة الكتب المصنفة. فكان قبل هذا العهد يكتب العلماء لكن في أوراق متفرقة، ليس في كتب مجموعة ومرتبة. نعم، ففي أيام عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة: «انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعه، فإني خفت دروس العلم». ومعنى دروس العلم: أي ذهاب العلم، درس بمعنى عفى واندثر. نعم، قال: وذهاب العلماء. فبدأ أهل العلم يجمعون ويصنفون في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: وفي أيام المنصور شرع العلماء في تصنيف كتب التفسير والحديث، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة، ولعله يريد الموطأ، نعم موطأ الإمام مالك، وابن عمر الأوزاعي بالشام، وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، ومعمر، عندي هنا ابن المثنى والصواب الله أعلم معمر بن راشد، معمر بن راشد، قال: باليمن. إذن في كل أنحاء الدولة العباسية في ذاك الزمان انبرأ العلماء للتأليف في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تفسير القرآن. قال: وصنف محمد بن إسحاق المغازي ومنها السيرة، وصنف أبو حنيفة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، الرأي، كان من أهل الرأي. وقبل هذا كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، ويرون العلم صحفاً غير مرتبة، يعني متفرقة غير مرتبة في مصنف واحد. والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من شهر رجب سنة تسع وثلاثمائة وألف على يد الفقير إلى ربه سليمان بن سحمان، آفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من القراءة والتعليق على هذا الكتاب، وإن شاء الله بعد الدورة نختار كتاباً مناسباً نقرأ فيه في هذين اليومين: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء بعد العصر.