التعليق على كتاب الوصية الكبرى 24

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

واجب ولاة الأمر والتعاون على إقامة شرائع الإسلام

يؤكد النص وجوب قيام الأمراء والعلماء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شعائر الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج، مع دعوة المسلمين للتعاون مع ولاة أمورهم لنبذ الكبائر كالشرك وقتل النفس وأكل المال بالباطل وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين.

تحريم الكذب على النبي ورد أقوال الجهمية والمعتزلة والصوفية الغلاة

يشدد المقطع على تحريم نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون تحقق، ويبين أن أسماء الله وصفاته توقيفية، ويرد على طوائف الجهمية والمعتزلة والصوفية الغلاة الذين نفوا صفات الكمال أو أثبتوا التمثيل والحلول والاتحاد.

عقيدة الحلولية عند غلاة الصوفية

يشرح المقطع عقيدة الحلولية المنحرفة التي يزعم فيها غلاة الصوفية أن الله حال في مخلوقاته أو أن السماوات تحيط به، مبيناً أن معنى "سار" لديهم هو حلول الله في خلقه وهو قول باطل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى: وكذلك من كفر المسلمين واستحل دماءهم وأموالهم لبدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو بالقتل أو القتال. وهذا كبدعة الخوارج لما خرجوا على المسلمين واستحلوا دماءهم، فإن عليا رضي الله تعالى عنه ومن معه من الصحابة قاتلوا الخوارج. قال: فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف وأكرم المتقون من جميع الطوائف، كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله وتصلح أمر المسلمين. ويجب على أولياء الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراءها؛ لأن ولي الأمر هم العلماء والأمراء، يعتبرون أولياء أمور الناس. قال: وأمراءها ومشايخها أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فيأمروهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله. هذه وظيفة الأمراء والعلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن لهم ولاية، فما دام لهم سلطة وولاية على الناس فهم يقومون بهذا الواجب العظيم: تقويم العامة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يحصل الخير في الناس. قال: فالأول مثل شرائع الإسلام، وهي الصلوات الخمس في مواقيتها، وإقامة الجمعة والجماعات، من الواجبات والسنن الراتبات كالأعياد وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وغير ذلك. وكذلك الصدقات المشروعة والصوم المشروع وحج البيت الحرام. ومثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره. ومثل الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومثل سائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة، مثل إخلاص الدين لله، والتوكل على الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، وخشية عذاب الله، والرضا بحكم الله، والتسليم لأمر الله. ومثل صدق الحديث، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى اليتيم والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك، والعدل في المقال والفعال. ثم نذكر إلى مكارم الأخلاق، مثل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. هذه الأمور الطيبة وأمور الخير وشرائع الإسلام ينبغي على ولاة الأمور أن يأمروا الناس بها، ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الأوامر كلها موجودة في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى المسلمين جميعا أن يتعاونوا مع أولياء أمورهم من الأمراء ومن العلماء، يتعاونوا في إقامة شرائع الإسلام. وقد امتدح الله عز وجل هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. هذه من مزايا هذه الأمة جميعا يجتمعون على إقامة أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما ما نهى الله عز وجل عنه فإنها أشياء كثيرة، ولهذا قال: وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلها آخر. وكما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». هذا أعظم الذنوب، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ولهذا من واجب أيضا أولياء الأمور من الأمراء والعلماء أن ينهوا ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ينهوا الناس عن ذلك، يقومون بهذا الواجب العظيم وهو النهي عن الشرك، وأن يتعاون الناس معهم على طمس معالم الشرك من المساجد التي تبنى على القبور، ومن القباب التي تبنى على القبور، ومن الزيارات التي تكون للقبور في مواسم وفي أيام معلومة محدودة من السنة. فهذا مما نهى الله عز وجل عنه، على جميع الناس أن يتعاونوا على البر والتقوى. قال: وهو أن يدعو مع الله إلها آخر، إما الشمس أو القمر أو الكواكب، أو ملكا من الملائكة، أو نبيا من الأنبياء، أو رجلا من الصالحين، أو أحدا من الجن، أو تماثيل هؤلاء، أو قبورهم، أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى، ويستغاث به أو يسجد له. وكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله. هذا من المنهيات، والشرك أعظم ما نهى الله عز وجل عنه. وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها، كذلك مما نهى الله عز وجل عنه: قتل النفس بغير الحق، وأكل أموال الناس بالباطل، إما بالغصب وإما بالربا أو الميسر، كالبیوع والمعاملات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. أيضا يدخل في ذلك الرشوة، السرقة، كل هذا من أكل أموال الناس بالباطل. وكذلك قطيعة الأرحام، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق. وكذلك مما حرم الله تعالى أن يقول الرجل على الله ما لا يعلم، مثل أن يروي عن الله أو رسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها. يعني بعض الناس أيضا يتقول على الله سبحانه أو على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يروي حديثا ويقول: هذا حلال وهذا حرام، أو ينسب ذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو لا يعلم صحة هذا الحديث من ضعفه. فلا يجوز لك أن تحدث بحديث لا تعلم صحته من ضعفه وتقول للناس: هذا صحيح. فهذا لا يجوز؛ لأنه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ليس ككذب على سائر الناس، فما قال عليه الصلاة والسلام: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم». لأن الكذب على الرسول معناه نسبة ذلك الأمر إلى الشرع، وأن هذا من الدين، بخلاف ما كان الكذب على سائر الناس فإنه محرم أيضا، لكن الكذب على رسول الله أشد تحريما وأعظم تحريما. ولهذا قال عليه صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وقال: ويصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من السماء ولا فيها آثار من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل. يعني بعض الناس يصف الله عز وجل بصفات لم تأت في الكتاب والسنة، فيقول: من صفات الله كذا، أو كذلك من أسماء الله كذا. هذا الأمر توقيفي، ما يجوز لأحد أن يتقول على الله سبحانه وتعالى ويصفه أو يسميه بما لم يسم به نفسه سبحانه وتعالى. فالأمر توقيفي على الكتاب والسنة، هذا الأمر باب الأسماء والصفات على ما ورد به الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم مثلا رحمه الله بقول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات، أو أنه لا يرى في الآخرة. هذا أيضا من قول المعتزلة، ولا يتكلم، ويحب، أي ولا يحب، يعني ينفون عن الله عز وجل صفة الكلام، وأنه لا يرى، وأنه لم يستوي على العرش، وأنه لا يحب. سبحانه وتعالى ينفون ذلك عن الله عز وجل مع أن الأدلة ثابتة من الكتاب والسنة. قال: نحو ذلك مما كذبوه على الله ورسوله، أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل، مثل من يزعم أنه يتمشى في الأرض، أن الضمير عائد إلى الله، أي أن الله يتمشى في الأرض، أو يجالس الخلق، أو أنهم يرونه بأعينهم. وهذه بعض مقالات غلاة الصوفية الذين بعضهم يقول بالحلول والاتحاد. وهذا مذهب كما تقدم: ابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، وابن سبعين. هؤلاء غلاة الصوفية ممن كفروا بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا يجوز لأحد أن يجعل هؤلاء أئمة من أئمة الإسلام والدين، بل هم زنادقة، قالوا بهذا القول العظيم الذي لم تقله النصارى. فهم يجعلون الله سبحانه وتعالى يحل في المخلوقات أو يتحد معها، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ومنهم من يزعم أنه يرى الله عز وجل في الدنيا بعينيه، فقد تقدمت هذه المسألة. وهذه كما ذكروا عن أهل التصوف الذين غلوا في الإثبات، أو أن السماوات تحوي وتحيط به، أو أنه سار في مخلوقاته، ومعنى سار أي حال، أنه سبحانه حال في مخلوقاته، عقيدة الحلولية. إذا