الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 60، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يوضح المحور كيف استغل النصارى ورود صيغة الجمع في خطاب الله تعالى (إنا نحن) زاعمين دلالتها على التثليث، مع إعراضهم عن الآيات المحكمات الدالة على الوحدانية. ويبين أن هذا الأسلوب في لغة العرب للتعظيم وإسناد الفعل إلى ذي الكمال لكثرة صفاته لا لتعدد الذوات، وأن ضلالهم ناشئ عن جهل بلسان العرب وفساد الاعتقاد المسبق.
يقرر المحور أن آيات التوحيد محكمات قاطعات، ومن اتبع المتشابه فيها كالنصارى والممثلة والجهمية فقد كفر، بينما من رد المتشابه إلى المحكم زال عنه الإشكال. ويضرب مثالاً بآيتي الهداية في سورة القصص وسورة الشورى مبيناً أن الأولى هداية توفيق والثانية هداية دلالة وإرشاد فلا تعارض.
يبين المحور أن آية (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) لا تدل على وقوع شك من النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي صيغة شرطية تفيد امتناع الشك عنه غاية الامتناع قياساً على آية (قل إن كان للرحمن ولد). ويرد الراسخون في العلم المتشابه إلى المحكم فيثبتون إيمان النبي ويقينه مستدلين بآيات الشهادة له.
تؤكد الآيات في هذا المحور عدم جواز الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتنفي مطلقاً أن يكون لله ولد. ثم يطرح السائل حكمة وجود المتشابه في القرآن فيؤجل الجواب للدرس القادم، ويختتم المحور بالصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وأما أهل الضلال والزيغ، فاتبعوا المتشابه، وجعلوه مثاراً للشك والتشكيك، فضلوا وأضلوا، وتوهموا بهذا المتشابه ما لا يليق بالله عز وجل، ولا بكتابه، ولا برسوله. مثال الأول: توهموا ما لا يليق بالله عز وجل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصفة الجمع. فاتبع النصراني هذا المتشابه، وادعى تعدد الآلهة، وقال: إن الله ثالث ثلاثة، وترك المحكم الدال على أن الله واحد. وأما الراسخون في العلم، فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه للمحكم. في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ويقولون للنصراني: إن الدعوة التي ادعيت بما وقع لك من الاشتباه قد كفرك الله بها. وكذلك فيها: ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، أي: كفروا بقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أهل الزيغ والضلال الذين اتبعوا المتشابه النصارى. فالنصارى اتبعوا المتشابه، فجعلوا هذه الآيات التي نسب الله جل وعلا وأضاف جل وعلا الشيء فيها إلى نفسه بصفة الجمع: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، قالوا: هذا يدل على أن الآلهة متعددة، فليس الإله واحد، وإنما الآلهة متعددة. ولذلك قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. فعندهم عقيدة التثليث، ويقولون بالتثليث: الأب والابن وروح القدس، فضلوا وأضلوا. وهذا من اتباع المتشابه. حتى النصارى اتبعوا المتشابه، وهذا يدلنا على أن المتشابه في كتاب الله جل وعلا إذا أراده الزائغ والضال، فربما يستدل بهذا المتشابه على تعدد الآلهة، وأن الله جل وعلا ليس واحداً، وأن الآلهة متعددة، إذا أراد أن يتبع المتشابه. بل إذا أراد أن يحرم الصلاة على الناس، واتبع المتشابه في هذا، لوجد في هذا متشابهاً في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، وهكذا. وهذا كله من الابتلاء الذي جعله الله جل وعلا في كتابه، حيث جعل هذا المتشابه، ويتميز الصادق من الكاذب، ومن الذي يريد الحق، والذي يريد الزيغ والضلال وإثارة الفتنة والتشكيك، والعياذ بالله. فهذه الآيات فيها أسلوب عربي من أسلوب لغة العرب، أن يذكر هذا اللفظ، فيتحدث العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، فيقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾. هذا أسلوب عربي، العظيم يتحدث به، ومن كان كذلك له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلاً بأمره، أضاف ذلك إلى نفسه، قال: نحن فعلنا كذا. فمثل الملك إذا فتح جنوده البلاد، يقول: نحن فتحنا البلاد الفلانية، وغزونا البلاد الفلانية، وفتحنا كذا وكذا، وفعلنا كذا وكذا. هذا أسلوب عربي، نعم، مستخدم في لغة العرب، أن يتحدث العظيم عن نفسه بهذا اللفظ، فيقول: نحن فعلنا، ونحن فتحنا، إلى آخر ذلك. والله جل وعلا هو العظيم، وله الكمال المطلق جل وعلا، فله صفات الكمال وصفات الجلال. لتعدد صفاته جل وعلا، صفات الكمال والعظمة والعزة والجلال، فهو العظيم سبحانه وتعالى، وقد سمى نفسه جل وعلا بالعظيم. أفليس إذا قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ كان ذلك لعظمته سبحانه وتعالى؟ فهو أولى بهذا اللفظ من عباده. إذا كان هذا يصدق لعباده، من كان عظيماً، ومن كان مطاعاً في قومه، فإذا أمر بأوامر امتثلوا أمره، وفعلوا وفعلوا، ثم قال: نحن فعلنا هذا، كان هذا لا شيء فيه، كان هذا لا شيء فيه. أفليس هذا لله جل وعلا بأولى؟ بلى والله. فالله جل وعلا هو العظيم الذي خلق السماوات والأرض، والذي خلق الملائكة وأمرهم بأوامر، فإذا فعلوا شيئاً بأمره جل وعلا، أضاف ذلك لنفسه، وهو جل وعلا الذي أحيى الموتى سبحانه وتعالى، وهو الذي نزل القرآن ونزل الكتب. لتعدد صفاته جل وعلا، صفات العظمة والكمال، فهو جل وعلا يضيف إلى نفسه هذه الأشياء بصيغة الجمع، وهو أسلوب عربي معروف عند أهل العرب. لكن النصارى أوتوا من جهة العجمة، النصارى أوتوا من جهة العجمة، هم جهل بلغة العرب، جهل بلغة العرب، فلا يعلمون أن هذا أسلوب العربي جائز وسائغ، لا شيء فيه. إذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾، وإذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. لكن العربي لا يشكل عليه ذلك. كفار قريش وهم كفار، ومع هذا لم يقولوا: الله جل وعلا يعني ليس بواحد، بل اعتقدوا أن الله جل وعلا واحد، وأن الخالق واحد، والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، والذي يجير ولا يجار عليه واحد. لكن جعلوا شركاء، جعلوا شركاء لهذا الواحد. فلن يستفيدوا من هذه الألفاظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، ما قال محمد يزعم أنه يعبد رباً واحداً وهو يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، فهذا يدل على أن الرب ليس بواحد. ما استدلوا بهذا لأنهم عرب، والقرآن نزل بلغتهم، ما أشكل عليهم هذا. وإنما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، يعني: أن الله جل وعلا فقط الذي يعبد، الذي يعبد فقط واحد. فكان الجواب: نعم، الذي يعبد هو واحد، الذي يعبد وحده، الذي استحق العبادة من خلق ورزق وأحيا وأمات وأجار، وأنتم تعتقدون ذلك وتجعلونه لواحد، تجعلونه لواحد. فلذلك ذلك الواحد هو الذي يستحق العبادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فالذي خلق والذي رزق فهو الذي يستحق أن يعبد. لكن النصارى لجهلهم بلغة العرب اتبعوا هذا المتشابه، مع أنه واضح البطلان وبين، إلا أنه مع ذلك، إلا أنهم مع ذلك اتبعوه لزيغ قلوبهم والاعتقادهم الفاسد الذي اعتقدوه أولاً في تعدد الآلهة، وأن المسيح عيسى بن مريم ابن الله، جل وعلا تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. والمحكم في هذا قوله جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، والآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في بيان أن الله جل وعلا واحد. وهذا محكم، وهذا محكم في كتاب الله جل وعلا. ولو أرادوا الحق فعلاً، لردوا هذا المتشابه. لو عذرناهم بجهلهم بلغة العرب وبهذا الأسلوب العربي، لا، ما عذرناهم في عدم ردهم هذا المتشابه إلى المحكم الواضح، لبيان مئات الآيات وعشرات الآيات فيها بيان وحدانية الله جل وعلا، وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد جل وعلا. لكن هذا من الزيغ الذي في قلوبهم. وهكذا أهل الزيغ من يهود ونصارى، ومن نحا نحوهم، يتبعون المتشابه في كتاب الله جل وعلا. والله جل وعلا كفرهم، كفر النصارى لهذا الاعتقاد الذي اعتقدوه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، فكفروا بقولهم وباعتقادهم هذا. وهذا يدلنا على أن من اتباع المتشابه ما هو كفر بالله جل وعلا، مخرج من الملة. فهناك من الناس من يتبع المتشابه في كتاب الله جل وعلا ولا يكفر، ومن الناس من يتبع المتشابه في كتاب الله جل وعلا ويكفر. فمن يكفر؟ هؤلاء النصارى الذين اتبعوا المتشابه في كتاب الله جل وعلا، وجعلوا الرب جل وعلا ليس بواحد، وقالوا بتعدد الآلهة. وهكذا أهل التمثيل، الممثلة الذين اتبعوا المتشابه في كتاب الله جل وعلا، فقالوا: سمع الله جل وعلا كسمع المخلوق، وهكذا بصر الله كبصر المخلوق، وهكذا سائر صفات الرب جل وعلا كصفات المخلوقين. فهذا من اتباع المتشابه، وهو كفر بالله جل وعلا. وهكذا الجهمية الذين عطلوا الرب جل وعلا عن صفاته، فقالوا: الرب جل وعلا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا هو بحي، وليس هو جل وعلا بعزيز، وغير ذلك من الصفات التي نفوها عن الله جل وعلا. بل غلاتهم يعطلون الله جل وعلا حتى عن الوجود، فقالوا: ليس بموجود. وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى. ومن الناس من اتبع المتشابه ولم يكفر بذلك، ك بعض الطوائف الذين وقعوا في التكفير مثلاً في تكفير المسلمين، والعياذ بالله، أخذاً بنصوص متشابهة في كتاب الله جل وعلا، أو من اعتقد عقيدة الإرجاء، والعياذ بالله، وغير ذلك مما لم يصل بهم الحال إلى الكفر، أو من قال كذلك بتأويل بعض الصفات، الصفات الثابتة لله جل وعلا، بسبب تأويلهم لم يكفروا. فأهل السنة كفروا من قامت عليهم الحجة، والذين لا دليل لهم سائغ يعذرهم عن القول بكفرهم. وأما من كانت عنده تأويلات سائغة دلت عليها دلالة الشريعة، وعذرتهم، وأنهم لا يستحقون التكفير والحكم بكفرهم، فأهل السنة والجماعة يسيرون وفق الأدلة، أدلة الكتاب والسنة، في التكفير، وفي التبديع، وفي التفسيق. فلا يكفرون إلا من كفره الله في كتابه، أو كفره رسوله عليه الصلاة والسلام، ودلت الأدلة على ذلك. قال رحمه الله تعالى: ومثال الثاني: توهم ما لا يليق بالقرآن، قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ففي الآيتين موهم تعارض، فيتبعه من في قلبه زيغ، ويظن بينهما تناقضاً، وهو النفي في الأولى والإثبات في الثانية، وهو النفي في الأولى والإثبات في الثانية، فيقول: في القرآن تناقض. وأما الراسخون في العلم، فيقولون: لا تناقض في الآيتين، فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده، فلا يملكها الرسول ولا غيره. والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة، وهي تكون من الله تعالى ومن غيره، فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين. هذا أيضاً مما يتوهمه بعض الناس مما لا يليق بالقرآن، وهو من المتشابه. فمن اشتبه عليه وأراد الحق، رد ما اشتبه عليه للمحكم، وسأل الراسخين في العلم، فزال عنه الاشتباه. ومن أراد الزيغ، والعياذ بالله، الباطل والطعن في كتاب الله جل وعلا، لزيغ قلبه، فربما يستدل بهذه الآيات فيطعن في كتاب الله جل وعلا، ويقول: القرآن فيه تناقض، وفيه تعارض، مرة يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾، ومرة يقول: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي﴾، فهذا تعارض، مرة يثبت ومرة ينفي. هذا لزيغ القلب والضلال، والعياذ بالله. أما الذي يريد الحق، وإذا اشتبه عليه ذلك، فإنه سيسأل: كيف هذه الآية ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فيها إثبات أن النبي عليه الصلاة والسلام يهدي، وفي الآية الأخرى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، هذه الآية تنفي أن النبي صلى الله عليه وسلم يهدي أحداً؟ إذا سأل، تبين له الحق، وزال عنه الاشتباه. فالآية الأولى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وهذا يشترك فيها الأنبياء، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وهكذا القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وأما الهداية الثانية في الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فهذه هداية الإلهام، وهداية التوفيق، هذه لا يملكها إلا الله جل وعلا، لا يملك ذلك لملك مقرب، ولا نبي مرسل، لأنه لا يقدر أحد أن يوفق أحداً ويهديه إلا الله سبحانه وتعالى، أي: هداية الإلهام والتوفيق. لكن أرسل الله جل وعلا الرسل هداة مهتدين، دالين مرشدين، وأكمل أرسل نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام، الذي أعظم من أرسل بهذا الهدى، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. فهذه الآية ربما يتوهم الشخص أن فيها التعارض، ولا تعارض بين هاتين الآيتين. لكن من أراد الزيغ والضلال واتباع المتشابه، فربما يأخذ بهذه الآيات، ويقول: في القرآن تناقض واختلاف، لزيغ قلبه، فيطعن في كتاب الله جل وعلا. وأما إذا سار على طريقة الراسخين، برد المتشابه إلى المحكم، وأما إذا سأل أهل الذكر، فإن هذا الاشتباه يزول، لرده برده إلى المحكم. وهذه طريقة الرسل، وورثة الرسل من العلماء الربانيين. قال رحمه الله: ومثال الثالث: توهم ما لا يليق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ففي الآية ما يوهم وقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم مما أنزل إليه، فيتبعه من في قلبه زيغ، فيدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ذلك، فيطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الراسخون في العلم، فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع منه شك، ولم يرَ فيما أنزل إليه، كيف وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ويقولون: إن مثل هذا التعبير: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، لا يلزم منه وقوع الشرط، بل ولا إمكانه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، فإن وجود الولد لله عز وجل ممتنع غاية الامتناع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. فكذلك الشك والامتراء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أنزل إليه ممتنع غاية الامتناع. ولكن جاءت العبارة بهذه الصيغة الشرطية لتأكيد امتناع الشك والامتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه من الله عز وجل. هذا مثال ثالث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وهو توهم ما لا يليق برسول الله عليه الصلاة والسلام. فالذي في قلبه زيغ وضلال، ويريد أن يطعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام، ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يوقن بما أنزل الله جل وعلا إليه، وإنما كان عنده الشك، وكان عنده الريب، وكان عنده الامتراء. فإذا بحث في كتاب الله جل وعلا ليطعن مثلاً في رسول الله عليه الصلاة والسلام، فربما أخذ هذه الآية، وقال: الرسول يعني لم يؤمن، الرسول عنده شك، وعنده شيء من الامتراء، وشيء من الريب، لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فنسب إليه الشك، ونسب إليه الامتراء. فهذا يوهم وقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه، فيتبع ذلك الزائغ وذلك الضال هذا المتشابه، فيطعن في النبي عليه الصلاة والسلام. لكن إذا كان من أهل الحق، ربما اشتبه عليه هذا، بعض الناس ربما يسمع هذه الآية، يسمع هذه الآية وهو يعني مؤمن بالله جل وعلا، ومؤمن برسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن ربما يسمع هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، فربما يقول: كيف؟ كيف الرسول عليه الصلاة والسلام يكون عنده شك؟ كيف الرسول عليه الصلاة والسلام يكون عنده امتراء؟ هذا يطلب الحق، ماذا سيفعل؟ لا شك إما سيذهب ينظر في تفسير أهل العلم عند هذه الآية، أو يسأل أهل العلم، يقول: يا جماعة، يا أيها العالم الفلاني، آية كذا في كتاب الله جل وعلا، فيها ربنا جل وعلا يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، كيف؟ هل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام حصل منه شك، أو وقع في شك، أو وقع في امتراء؟ فيبين له العلماء والراسخون في العلم المراد بهذه الآية، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقع منه شك ولا امتراء، بل ربنا جل وعلا شهد له بالإيمان، وأنه آمن به سبحانه وتعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وهكذا قال جل وعلا: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. إذن شهد الله جل وعلا لنبيه بأنه آمن به سبحانه وتعالى. إذن لا شك عنده في إيمانه، ولا امتراء. بقي إذن: ما معنى هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾؟ الجواب: كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، هذا تعبير، هذا تعبير المراد منه منع وقوع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، وأن هذا ممتنع غاية الامتناع. فهذا التعبير لا يلزم منه وقوع الشرط، لا يلزم وقوع الشرط، بل ولا إمكانه، يعني: أن يكون هذا ممكناً في حق النبي صلى الله عليه وسلم. ألم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؟ هل معنى هذا أن لله جل وعلا ولد؟ هل معنى هذا أن الله جل وعلا ينسب لنفسه الولد؟ الجواب: لا، الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد. لكنه تعبير مراد به امتناع هذا، وعدم حصول هذا. امتناع وجود الولد لله جل وعلا ممتنع غاية الامتناع، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، هذا ممتنع عنه غاية الامتناع، أن يقع في شيء من الشك والامتراء في الله سبحانه وتعالى، أو فيما يتعلق بالله جل وعلا. ولكن هو أسلوب عربي، ولكن هو أسلوب عربي، وتعبير يراد به نفي وقوع هذا، وأنه ممتنع غاية الامتناع. وجود الولد لله جل وعلا، ووجود الشك في النبي عليه الصلاة والسلام فيما أنزل إليه جل وعلا من ربه. وهذه الآيات فيها تأكيد امتناع الشك والامتراء في الرسول عليه الصلاة والسلام في الآية الأولى، وفي الآية الثانية امتناع وجود الولد لله جل وعلا غاية الامتناع. قال: فإن قلت: ما الحكمة من كون بعض القرآن متشابهاً؟ وهذا نتركه للدرس اللاحق، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً.