الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 203، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث عثمان بن عفان في الوقاية من الضرر وتناول معاني الدعاء المذكور فيه. الدعاء يحمي من الضرر إذا قيل ثلاث مرات صباحا ومساء.
تناول معاني الأسماء والصفات الإلهية في الدعاء مثل السميع والعليم. الدعاء يحمل أهمية كبيرة في الوقاية من الضرر.
الله قادر على إبطال الأسباب التي خلقها. يجب أن يأتي الإنسان بالدعاء مع كمال الإخلاص وحضور القلب ليكون له تأثير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا عبد الله، وهو ابن محمد المسندي الجعفي، قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي سليمان بن داود البصري الحافظ، وهو واثقه، واثقه النسائي، وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله: ثقة صدوق، وكان من الحفاظ. قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، قال فيه الحافظ: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، عن أبيه، وهو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، وثقه جماعة من الحفاظ، عن أبان بن عثمان، وهو أبان بن عثمان بن عفان الأموي أبو سعيد، ويقال له أبو عبد الله، وهو ثقة. قال: سمعت عثمان -يعني ابن عفان- قال: هو عثمان بن عفان، الخليفة الثالث من خلفاء الراشدين، رضي الله تعالى عنه، أحد العشر المبشرين بالجنة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال صباح كل يوم ومساء كل ليلة ثلاثا -يعني في الصباح ثلاثا أو في المساء ثلاثا-: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، لم يضره شيء». وكان أصابه طرف من الفالج -يعني أبان بن عثمان- كما جاء في رواية أبي داود والترمذي، وكان أبان أصابه طرف من الفالج، والفالج -قال ابن منظور في لسان العرب- هو ريح يأخذ الإنسان فيذهب بشقه، وهو الظهر، أنه الشلل، فأصابه شيء من الشلل. قال: فجعل ينظر إليه -يعني من سمعه يذكر هذا الحديث، وهو يحدث بهذا الحديث- أن من أتى بهذا الدعاء لم يضره شيء، فجعل ينظر إلى أبان بن عثمان، وهو مصاب بهذا المرض. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذا المرض أصابه قبل موته بسنة. قال: فجعل ينظر إليه، ففطن له -يعني أبان بن عثمان- عرف أنه ينظر إليه تعجبا من إصابته بهذا المرض مع ذكره لهذا الدعاء، فقال: «إن الحديث كما حدثتك، إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله ذلك اليوم ليمضي قدر الله». وفي رواية: أنه نسي أن يقول هذا الدعاء في ذلك اليوم، فأصابه هذا المرض. وهذا الحديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث هو دعاء من أدعية الصباح والمساء التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على المحافظة عليها، وأن يقولها المسلم في صباح كل يوم ومساء كل ليلة. إذا أصبح فأتى بأذكار الصباح، فإنه يأتي بهذا الذكر ثلاثة -يعني ثلاثة مرات- يكرره، وهكذا إذا أمسى ودخل وقت المساء، فإنه كذلك يأتي من ضمن أذكار المساء بهذا الدعاء ثلاثة مرات: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم». «بسم الله» أي أستعين بالله جل وعلا في التحفظ من كل ما يؤذي. «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء» أي لا يضر مع ذكر الله سبحانه وتعالى شيء مما فيه الضرر في الأرض ولا في السماء، يعني مما فيه ضرر في الأرض من الهوام أو الأمراض والأوجاع أو غير ذلك مما يصيب الإنسان، ولا في السماء أي من البلاء الذي ينزله الله سبحانه وتعالى من السماء. وهو -أي سبحانه وتعالى- المستعان به، «وهو السميع العليم» أي المتصف أو المتسمي بهذين الاسمين المتضمنين بهاتين الصفتين، فهو جل وعلا السميع المتصف بصفة السمع، وهو جل وعلا العليم المتصف بصفة العلم، فهو السميع للأقوال، وهو كذلك العليم بالأحوال. ومناسبة الذكر لهذين الاسمين في هذا الدعاء -الله أعلم- أن الله جل وعلا سميع لدعاء من دعاه واستعان به، فإنك إذا استعنت بالله جل وعلا أن يذفي عنك ضرر ما يضر، فإن الله سبحانه وتعالى يسمع دعاك، وهو جل وعلا العليم أي بأحوال خلقه وما يضرهم وما ينفعهم. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فالله سبحانه هو الخالق الأسباب والمسببات، وهو القادر جل وعلا على إبطال ما جعله سبحانه وتعالى سببا، فإنه قادر على إبطال تأثيره. فالله جل وعلا جعل النار سببا للإحراق، وهو جل وعلا قادر أن يجعلها بردا وسلاما كما جعلها لإبراهيم: ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. والنار معروف أنها تحرق وسبب لحصول الإحراق، ومع ذلك أبطل الله سبحانه وتعالى هذا السبب لأنه جل وعلا على كل شيء قدير. وهكذا أيضا غير ذلك من الأمور الكثيرة التي يبطل الله سبحانه وتعالى بها الأسباب لأنه هو الخالق سبحانه وتعالى لها. فكذلك أيضا ما يصيب الإنسان من الأضرار أو ما جعل الله سبحانه وتعالى في بعض المخلوقات من الضرر، فالله سبحانه وتعالى قادر على إبطال هذا الضرر مع وجود سببه. فمثلا معروف أن العقرب أو الحية إذا لدغت الإنسان فإنه يصاب بالسم، فهذا اللدغ سبب لحصول الضرر لهذا الإنسان وانتقال السم إليه، والله سبحانه وتعالى قادر على إبطال هذا السم وإبطال هذا الضرر لأنه سبحانه وتعالى هو الخالق له. فقد يصيب الإنسان بمثل هذا الأمر إذا حافظ على مثل هذا الدعاء فلا يضره شيء، وإن لدغته الحية أو قرصه العقرب، فالله سبحانه وتعالى يدفع عنه شر وضرر هذه الدواب لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وهذا إذا أتى الإنسان بهذا الدعاء مع كمال الإخلاص، وكذلك حضور القلب، فلا يكفي أن يجريه بلسانه بمجرد ألفاظ يتلفظ بها من دون تمعن واستحضار. فقد يقول البعض: ربما آتي مثل هذا الدعاء وأصاب بشيء من الضرر. والجواب: ربما كان قولك له مجرد تلفظ باللسان من غير استحضار لمعانيه في القلب، وكذلك أيضا من غير إخلاص وصدق. فإنك إذا فعلت ذلك وأتيت لمثل هذا الدعاء مع استحضار لمعانيه وصدق وإخلاص، فإن الله سبحانه وتعالى -بإذن الله جل وعلا- يبعد عنك الضرر والشر بإتيانك لهذا الدعاء. فينبغي للمسلم أن يحافظ على مثل هذا الدعاء في كل صباح وفي كل مساء. والله تعالى أعلم.