التعليقات على كتاب الأدب المفرد 235

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 235، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الدعاء وعبودية العبد لربه

الدعاء هو عبادة يحبها الله عز وجل، ويعتبر من أعظم العبادات التي تقرب العبد من ربه. يبين الحديث النبوي أن الدعاء هو أكرم شيء على الله.

أهمية الدعاء وخطورة الشرك

الدعاء هو جزء أساسي من العبادة الحقيقية، ويحذر من خطر الشرك بالله الذي قد يخفى على الإنسان. أمر الله سبحانه وتعالى عباده بدعائه.

التعوذ من الشرك وأهمية الاستغفار

أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من الشرك وأخذ الحذر منه، والاستغفار من الله سبحانه وتعالى لما قد يقع من الإنسان دون علمه. يعتبر الاستغفار وسيلة لتدارك الأخطاء.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب فضل الدعاء، قال: حدثنا عمر بن مرزوق، وهو الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة فاضل، له أوهام، قال: أخبرنا عمران، وهو من داور العمي، أبو العوام القطان، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، قال: عن قتادة، وهو من دعام، أبو الخطاب السدوسي، عن سعيد من أبي الحسن، وهو سعيد بن أبي الحسن البصري، وهو أخو الحسن، ثقة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». والحديث حسن. وفي هذا الحديث بيان فضل الدعاء، وأنه من أكرم الأشياء على الله سبحانه وتعالى، ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، وذلك لأن الدعاء عبادة، وكذلك أيضا فيه بيان حاجة العبد لربه سبحانه وتعالى، فإن العبد فقير وضعيف، فهو لا يستغني عن الله سبحانه وتعالى، فلذلك يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى فيدعوه. وفيه كذلك أيضا يظهر عبودية العبد لربه بما يكون من هذا العبد من الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا فيه بيان عظيم فضل الله وغناه، وأن الله عز وجل هو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، فلذلك يلجأ إليه العبد فيدعوه، ويطلب من الله عز وجل من فضله. وكذلك أيضا بيان كرم الله عز وجل وعظيم عطائه، وأنه مهما دعا العبد ربه جل وعلا، فإن الله عز وجل لا يعجزه شيء. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يده شيئا». وقال: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». وغير ذلك من المعاني العظيمة التي يشتمل عليها هذه العبادة، وهي عبادة الدعاء. فلذلك فإن الله عز وجل يحب من عبده أن يدعوه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فأمر الله سبحانه وتعالى بدعائه، وهذا مما يدل على أنه عبادة، وأن الله عز وجل يحب من عباده أن يدعوه. وكما ثبت كذلك في الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه». فالله عز وجل يغضب من عبده إذا لم يسأله ولم يدعوه. قال رحمه الله: حدثنا خليفة، وهو ابن خياط، ابن خليفة العصفري، أبو عمر البصري، صدوق ربما أخطأ، قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي سليمان بن داود، ثقة حافظ، قال: حدثنا عمران، قال: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أشرف العبادة الدعاء». وظاهر السند الصحة، ففيه كذلك بيان شرف الدعاء، وأنه كذلك من العبادات العظيمة. وصح كذلك بلفظ «أفضل العبادة الدعاء»، وهو في «الصحيحة» للعلامة الألباني رحمه الله. قال رحمه الله: وحدثنا أبو الوليد، وهو هشام بن عبد الملك، أبو الوليد الطيالسي، حافظ إمام حجة، قال: حدثنا شعبة، وأبو الحجاج، أبو بصطام، أمير المؤمنين في الحديث، عن منصور، وهو أبو المعتمر، عن ذر، وهو أبو عبد الله، عن يزيد بن الأصم، وهو من معدان الحضرمي، ويقال الكندي، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. والحديث صحيح. وفي هذا الحديث كذلك بيان لفضل الدعاء، بل جعله النبي عليه الصلاة والسلام هو العبادة، وهو ضمير فصل، ومن فوائد الاتيان بضمير الفصل إفادة الحصر، فكأن العبادة ليست غير الدعاء، العبادة ليست إلا الدعاء. وهذا مبالغة في بيان عظمة الدعاء، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، كأن الحج كله في عرفة، والمقصود بيان عظمة، بيان أمر الوقوف بعرفة، فهو أعظم أركان الحج. وكذلك أمر الدعاء، فهو من أعظم أمور العبادة. وذلك أن العبادة التي تستحق أن تسمى بلفظ العبادة هو ما اجتمعت على الإقبال على الله سبحانه وتعالى، والإعراض عما سواه، وما يكون فيها كذلك من الذل والخضوع والتذلل بين يد الله سبحانه وتعالى، وذلك مما يكون في الدعاء، فهو اعتراف بحاجة العبد إلى ربه، وضعفه، وعجزه، وعدم استغنائه عن الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا احتقار للعبد لنفسه. فكل هذه المعاني مما تشتمل عليها العبادة، بل مما ينبغي أن يحققها العبد في عبادته لربه سبحانه وتعالى. قال: حدثنا عبيد الله، عن مبارك بن حسان، وهو السلمي، لين الحديث، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العبادة أفضل؟ قال: «دعاء المرء لنفسه». وهذا الحديث ضعيف لضعف مبارك بن حسان. قال: حدثنا عباس النرسي، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا ليث، وهم، نبي سليم، مختلط، قال: أقبرني رجل من أهل البصرة، قال: سمعت معقل بن يسار يقول: انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا بكر، «للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟ قال: قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». والحديث بهذا السند ضعيف، والشيخ الألباني رحمه الله صححه، لعله بشواهده. ففي هذا الحديث بيان عظمة الشرك بالله وخطورته، وأن الشرك من الأمور الخفية التي ربما تخفى على الإنسان، فيقول قولا أو يفعل فعلا يقع فيه بالشرك وهو لا يعلم، لأنه أخفى من دبيب النمل. فلذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعى بهذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»، تستعيذ بالله عز وجل، وتلجأ وتعتصم بالله أن تشرك به شيئا وأنت تعلم، أي أن هذا من الشرك، وتستغفر الله سبحانه وتعالى لما لا تعلم، ربما يقع منك شيء من الأقوال أو الأفعال التي تكون من الشرك وأنت لا تعلمها، فتستغفر الله سبحانه وتعالى من ذلك. إلى هنا والله تعالى أعلم.