التعليق على تقريب التدمرية 106

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 106، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الفرق الضالة وأقوالهم في الصفات والقدر والإيمان

يتناول المقطع آراء الفرق الضالة في مسائل القدر والإيمان والصفات، ويقارن بينها وبين أقوال الكلابية والأشعرية والماتريدية. يُظهر أن الكلابية والأشعرية أفضل في باب الصفات لثبوتها بعض الصفات لله تعالى.

مقارنة بين المعتزلة والجهمية في مسائل الإيمان والقدر

يتناول المقطع آراء المعتزلة والجهمية في مسائل الإيمان والقدر، ويبين اختلافهم في اعتبار مرتكب الكبيرة ومسألة القدر. يُظهر أن المعتزلة خير من الجهمية في بعض الجوانب لاتفاقهم مع أهل السنة في بعض المسائل.

مقارنة شاملة بين المعتزلة والجهمية والمتصوفة

يتناول المقطع مقارنة بين المعتزلة والجهمية والمتصوفة في مسائل القدر والأمر والنهي، ويبين مواقف كل فرقة من هذه المسائل. يُظهر تباينًا في مواقفهم تجاه هذه القضايا.

ختام الدرس وتأجيل البقية إلى الدرس اللاحق

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى تأجيل بعض التفاصيل إلى الدرس اللاحق، مع ختام الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر أن الدرس لم ينتهِ بجميع النقاط المقررة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والنجارية أتباع الحسين بن محمد النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمر، وحفص الفرد يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات. هذه الفرق النجارية والضرارية فرق ضالة، فهم يقربون من جهم فيما يتعلق بمسائل القدر؛ لأنهم يقولون بالجبر، فهذه الفرق جبرية وافقت جهمًا في القدر وفي مسائل القدر. وهكذا هذه الفرق مرجئة؛ فقد وافقت جهمًا في الإيمان وفي مسائل الإيمان؛ لأنها تقول بالإرجاء كما يقول الجهم بن صفوان. وهكذا ما يتعلق بالصفات فهي كذلك معطلة. فإذا هذه الفرق وافقت الجهم بن صفوان في هذه المسائل: في القدر جبرية، وفي الإيمان مرجئة، وفي الصفات معطلة. قال رحمه الله تعالى: والكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، والأشعرية المنتسبون لأبي الحسن الأشعري خير من هؤلاء، أي خير من الفرق التي ذكرت، خير من الجهمية والنجارية والضرارية في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة. وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة. الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وسمي بهذا أو لقب بهذا؛ لأنه قوي في المناظرة كالكلاب، فلقوة مناظرته لقب بهذا اللقب، وليس كلاب جدًا له. وأبو الحسن الأشعري في آخر مراحله كان على مذهب ابن كلاب، فهؤلاء أفضل من الجهمية والضرارية والنجارية؛ لماذا؟ لأنهم يثبتون لله جل وعلا الصفات العقلية، وهي الصفات السبع. والماتريدية يثبتون الصفات ثمان، فإذا هم خير من الجهمية وخير من هذه الفرق؛ لأن تلك الفرق تعطيلها كامل للصفات، وأما هذه الفرق الكلابية والأشعرية فتعطيلها لغالب الصفات، فهم يفضلون تلك الفرق في هذا الباب لإثباتهم الصفات العقلية، بل وأئمة هؤلاء يثبتون الصفات الخبرية: الوجه، صفة اليدين، يثبتها أئمة الأشعرية كأبي الحسن الأشعري، وهكذا كأبي الحسن الطبري، وكأبي بكر الباقلاني. هؤلاء يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، بخلاف المتأخرين ممن انتسب إليهم؛ فإنه لا يثبت الصفات الخبرية كما يثبتها أئمتهم، وإنما وقع في التعطيل، ولم يثبت إلا الصفات العقلية، ولم يثبت شيئًا من الصفات الخبرية. في بعض نسخ التدمرية: يثبتون لله الصفات الفعلية، يثبتون لله الصفات الفعلية، وهذا خطأ؛ لأن الأشعري وهؤلاء الكلابية لا يثبتون الصفات الفعلية، لا يثبتون صفات النزول، ولا صفة الإتيان، ولا صفة المجيء، ولا صفة الرضا والغضب، لا يثبتون هذه الصفات، لكن وقع خطأ في بعض النسخ: يثبتون لله الصفات الفعلية، وهذا خطأ، وإنما يثبتون الصفات العقلية، وهكذا أئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة. قالوا: أما في القدر ومسائل الأحكام فأقوالهم متقاربة؛ يعني هؤلاء الأشاعرة والكلابية في مسائل القدر ومسائل الأسماء والأحكام أقوالهم متقاربة للسابقين: للجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم؛ لماذا؟ لأنه يجمعهم الغلو بالجبر في باب القدر، فهم مرجئة، وفي مسائل الأسماء والأحكام كذلك يجمعهم الإرجاء. فهذه الفرق جبرية مرجئة، لكن هم أفضل من الجهمية وأولئك فيما يتعلق بالصفات في باب الصفات؛ لأنهم ليسوا معطلة كالسابقين ممن عطل التعطيل الكامل، وإنما أثبتوا جملة من الصفات، بل وأئمة هؤلاء كما سمعتم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة. قالوا: أصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي خير من الأشعرية المتأخرين. المراد بالأشعرية هنا المتأخرين؛ لأن الأشعري المتأخرين الذين نسبوا إلى أبي الحسن الأشعري وهو أصلا إنما كان على مذهب ابن كلاب، خير من هؤلاء المتأخرين. ابن كلاب وأبو الحسن الأشعري خير من الأشعري المتأخرين الذين انتسبوا إليه في مسائل الصفات والقدر؛ لأنهم كما سمعتم في مسائل الصفات يثبتاء الصفات الخبرية في الجملة، وهكذا ليسوا كأشعري المتأخرين الذين منهم المضطرب، ومنهم المتوقف، ومنهم المفوض، ومنهم الحائر؛ وذلك أيضًا لأن الإنسان كلما قرب عهده بالسلف كان أسلم ممن تأخر، فابن كلاب وأبو الحسن الأشعري أقرب عهدهما إلى السلف، فكانا أفضل ممن جاء بعدهما ممن تخبطوا وظلوا ضلالًا بعيدًا. فلذلك كان من تقدم من أئمة هذا المذهب كالحارث المحاسبي وابن كلاب وأبي الحسن الأشعري خير ممن تأخر وانتسب إلى منهجهم؛ لكثرة الاضطراب عندهم والتخبط والتعطيل للصفات الخبرية، بل والتوقف في بعض الصفات وعدم القول بها، بخلاف من تقدم يثبتون الصفات العقلية. ووجد في المتأخرين من توقف وفوض ولم يثبت، بل منهم من سكت وتوقف، قال: لا أثبت ولا أنفي، وغير ذلك كالسكوتية والشاكة والواقفة. وكل هذه فرق ضالة نسبت إلى هذه المذاهب وإلى هؤلاء، لكن إذا قارنت بين هؤلاء المتقدمين وبين المتأخرين تجد أن المتقدمين أفضل ممن تأخر؛ لكثرة الضلال الذي حصل عند المتأخرين، وزيادة التعطيل، بل والتناقض والاضطراب في أقوالهم. قالوا: الكرامية أتباع محمد بن كرام، قولهم في الصفات والقدر والوعد والوعيد أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام. يعني منهم الممثلة المشبهة، وهذا أكثر ما عليه الكرامية؛ أنهم ممثلة، ووجد أيضًا منهم معطلة، وأيضًا هم مرجئة. ولذلك قال: فأقوالهم أشبه في أشبه بأكثر طوائف أهل الكلام؛ يعني إما من حيث التمثيل أو التعطيل أو الإرجاء، وكلها أقوال مخالفة للسنة. قال: وأما في الإيمان فقولهم منكر؛ لم يسبقهم إليه أحد. فإنهم جعلوا الإيمان قولًا باللسان فقط، وإن لم يكن معه تصديق القلب، فالمنافق عندهم مؤمن، ولكنهم مخلد في النار. الكرامية أتباع محمد بن كرام، قولهم في الصفات والقدر والوعد والوعيد أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام. وأما في الإيمان فقولهم منكر؛ فعند الكرامية الإيمان قول اللسان فقط، وهذا باطل؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا باللسان فعلى هذا المنافقون مؤمنون؛ لأنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله. والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. قالوا: آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم. لكن عند الكرامية: أن من قال: أنا مؤمن، وأتى بالشهادتين ولم يصدق بذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان. ولذلك أدخلوا المنافقين، ولذلك قال هنا: فقولهم منكر؛ لم يسبقهم إليه أحد؛ فليس هناك أحد من سبقهم قال: الإيمان هو قول باللسان وإنما منهج أهل السنة: قول الإيمان قول وعمل، أو يقولون: قول وعمل واعتقاد. وأما المرجئة فمنهم من يقول: قول واعتقاد، ومنهم من يقول: المعرفة فقط كالجهمية، ومنهم من يقول: قول فقط كالكرامية. وهذه كلها أقوال مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة من إجماع مستنبط من أدلة الكتاب والسنة: في أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. قالوا: فالمنافق عندهم مؤمن، ولكنهم مخلد في النار. وهذا عجب؛ كيف هو مؤمن ومخلد في النار؟ فهم إنما أعطوه اسم الإيمان فقط، أعطوه الاسم وسلبوا عنه الحكم، أعطوه الاسم جعلوه مؤمنًا وسلبوه الحكم، فلم يعطوه حكم أهل الإيمان وهو الجنة، وإنما قالوا: مخلد في النار. وهذا تناقض؛ كيف الإنسان يعطى الاسم ولا يعطى الحكم؟ إذا أعطي الاسم استحق الحكم، إذا هو مؤمن؛ إذن استحق الجنة، إذن هو كافر؛ إذن استحق النار. أما أن تقول: هو مؤمن ومخلد في النار، أو تقول: هو كافر وهو من أهل الجنة، كيف هذا ما يمكن؟ فمن عطي الاسم فلازم ذلك أن يستحق ما يستحقه. قال رحمه الله تعالى: والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، يقاربون قول جهم في الصفات؛ فيقولون بنفيها. وأما في القدر والأسماء والأحكام فيخالفونه؛ ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله، كامل الإرادة، كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير ولا خلق. ففيه منوع من الشرك من هذا الباب. وجهم يقول: إن العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه. وفي الأسماء والأحكام يقول المعتزلة: إن فاعل كبير خارج عن الإيمان، غير داخل فيه، فهو في منزل بين منزلتين، ولكنه مخلد في النار. ويقول جهم: إنه مؤمن كامل الإيمان، غير مستحق لدخول النار. قالوا: المعتزلة هؤلاء في باب الصفات قاربوا الجهم بن صفوان، وإن كان الجهم تعطيله للأسماء والصفات، والمعتزلة تعطيلهم للصفات، فهم عطلوا الصفات؛ فوافقوا جهمًا في تعطيل الصفات ونفي الصفات. وهكذا فيما يتعلق بالقدر فهم قدرية؛ المعتزلة قدرية في القدر، ففارقوا جهمًا في باب القدر؛ جهم في باب القدر جبري، والمعتزلة في باب القدر قدرية؛ أي ينفون القدر، ينفون القدر؛ فغلوهم أنكروا القدر بإنكار العلم والكتابة والمشيئة والخلق. وهؤلاء المعتزلة كذلك هم قدرية؛ لتعطيلهم مرتبتي المشيئة والخلق، ففارقوا جهم هنا؛ فقاربوه في التعطيل، وفي باب الصفات، وخالفوه في باب القدر؛ فجهم جبري، والمعتزلة قدرية. قالوا: أما في القدر والأسماء والأحكام فيخالفونه؛ ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله؛ يعني هم قدرية، جعلوا للعبد جعل العبد يخلق فعله، وفعل نفسه، وهو مستقل بفعله وبمشيئته، لا دخل لمشيئة الله جل وعلا مع مشيئته، فهو مستقل بمشيئة وبفعل، كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير؛ يعني عطلوا مشيئة الله جل وعلا الكاملة والشاملة في العبد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وله مشيئة خاصة به مستقلة، وهو الذي يخلق فعل نفسه؛ فخالفوا جهمًا في هذا كما سمعتم؛ لأن جهم جبري ويقول: العبد مجبور، وأفعال العبد مجبور عليها. وهؤلاء على العكس؛ قالوا: هو مستقل بفعله، لا تابع لمشيئة الله جل وعلا. قال: فيه منوع من الشرك من هذا الباب؛ لأنهم جعلوا الله جل وعلا شريكا في خلق الأفعال. هذا هو النوع من الشرك. قالوا: جهم يقول: العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه. وهذا واضح. قالوا: في الأسماء والأحكام يقول المعتزلة: إن فاعل كبير خارج عن الإيمان، غير داخل في الكفر، هذا قول المعتزلة، فاعل كبير عندهم في منزل بين المنزلتين، لا خرج من الإيمان، ولا هو داخل في الكفر، وإنما بين الإيمان والكفر في برزخ بين الإيمان والكفر، وسط لا داخل في هذا ولا داخل في هذا، كأنه في منتصف الطريق، وفي ملتقى الطرق في الوسط، لا إلى هذا ولا إلى هذا. لكن في الآخرة فوافق الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة وبأنه خالد مخلد في نار جهنم. وأما في الدنيا فلم يعطوه اسم الإيمان، ولم يعطوه اسم الكفر، وإنما قالوا: في منزل بين المنزلتين. وأما جهم فإنه يقول: مؤمن كامل الإيمان؛ لأن الجهم في باب الأسماء والأحكام مرجئ، الجهم في باب الأسماء والأحكام مرجئ عنده، فاعل كبير مؤمن كامل الإيمان؛ فاعل كبير عند الجهم مؤمن كامل الإيمان، وعند المعتزلة في منزل بين المنزلتين، مخلد في النار في الآخرة. والخوارج عندهم كافر في الدنيا؛ أي فاعل كبيرة، وفي الآخرة خالد مخلد في النار. وأما الجهم فهو جبري فيقول: مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه عنده لا يضر الذنب الإيمان، لا يضر الذنب الإيمان، بل هو كامل الإيمان ما دام أنه قد عرف بقلبه، فالإيمان عند الجهم أن يعرف الإنسان ربه، فالإيمان عنده المعرفة، المعرفة بالقلب، فمن كان عنده المعرفة فهو مؤمن. قالوا: المعتزلة خير من الجهمية فيما خالفوهم فيه من القدر والأسماء والأحكام؛ فإن إثبات الأمر والنهي والوعد والوعيد مع نفي القدر خير من إثبات القدر مع نفي الأمر والنهي والوعد والوعيد. ولهذا لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد، ووجد في زمنهم القدرية والخوارج الحرورية. قال: المعتزلة خير من الجهمية؛ لماذا؟ لأن المعتزلة في هذا الباب فيما يتعلق بالقدر والأسماء والأحكام فهم يثبتون الأمر والنهي، يثبتون الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ أي أن الإنسان إذا فعل الطاعة فهو فعلها بمشيئته واختياره، وهو مأجور على ذلك، وإذا فعل المعصية والذنب فهو فعلها بمشيئته واختياره، ويعاقب على ذلك؛ فيعظمون الأمر والنهي، فيخافون أن يقعوا في النهي؛ لأنهم يعلمون أنهم يفعلونها باختيارهم، وإذا فعلوه باختيارهم فإنهم سيعاقبون عليه؛ فيعظم عندهم الأمر والنهي، فإذا امتثلوا الأمر عظموه؛ لأنهم يعلمون أنهم يستحقون الثواب عليه؛ فعلوه باختيارهم. وهذا إذا تركوا المعصية فعندهم تعظيم للأمر والنهي والوعد والوعيد: الجنة والنار والثواب والعقاب، بخلاف الجهمية؛ عندهم العبد مجبور على فعله، فإذا فعل الطاعة فهو مجبور، وإذا فعل المعصية فهو مجبور على فعلها؛ إذن لا يعظم المعصية حين يتركها، بل ربما يتهاون في فعلها؛ لأنه يرى أنه إذا فعلها لم يفعلها باختياره وإنما جبر عليها، فإذا كان جبر عليها فيحتج بعد ذلك: كيف أعاقب على شيء لم يفعله باختياره؟ فهذا فيه عدم تعظيم الأمر والنهي، وأن الإنسان يفعله باختياره؛ ولذلك يستحق إما العقاب أو الثواب. قال: لأن إثبات الأمر والنهي والوعد والوعيد مع نفي القدر خير من إثبات القدر مع نفي الأمر والنهي والوعد والوعيد. المعتزلة يقولون بنفي القدر، والجهمية يقولون بإثبات القدر، لكن يثبتون القدر مع غير تعظيم للأمر والنهي؛ لأنهم بزعمهم يفعلون أفعالهم مجبورين عليها. قال: ولهذا لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ ما وجد في عهد الصحابة جبرية، وإنما وجد في عهد الصحابة قدرية؛ فالقدرية هم الذين ظهروا في آخر عهد الصحابة في البصرة، فوجد في عهدهم القدرية، ولم يوجد في عهدهم الجبرية. واستدل بهذا المؤلف رحمه الله تعالى على أن القدرية أفضل من الجبرية؛ لأن البدع إنما يظهر منها أولًا ما كان أخف، أول ما يظهر من البدع ما كان أخف؛ لماذا؟ لقوة من يوجد في ذلك الزمان؛ في ذلك الزمان يوجد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإذا ظهر شيء قمعوه وردوه، فأيضًا ممن يقع في المخالفات ومن يقع في الضلال لا يكون ضلاله كضلال من بعد عهده بالسلف الصالح؛ لأنه يصير في تخبط كثير، فربما يأتي بعجائب وبأمور عظيمة أفضع ممن تقدمه من الفرق الضالة. قال رحمه الله تعالى: والمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع عرضهم على الأمر والنهي شر من القدرية والمعتزلة ونحوهم؛ لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا. والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: إن للعالم خالقين. والمشركون شر من المجوس؛ هذا فيما يتعلق بالمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية؛ يعني عندهم التوحيد توحيد الربوبية، ولا يهتمون بالأمر والنهي، فهم يعرضون عن الأمر والنهي، ويعظمون باب الربوبية والخلق والرزق لله جل وعلا وغير ذلك؛ فيعظمون هذا الباب على باب الأمر والنهي، وإنما دائمًا مثلًا في النظر في ملكوت الله جل وعلا، في التدبر في مخلوقات الله جل وعلا، مع عرضهم عن الأمر والنهي؛ فهؤلاء شر من القدرية والمعتزلة ونحوهم. قال: لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين؛ وذلك أن المشركين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا. وهكذا المتصوفة جبرية؛ المتصوفة كذلك جبرية، فيقولون: أفعالنا قد جبرنا عليها، جبرنا على أفعالنا؛ فنحن مجبرون على أفعالنا، ولو شاء الله ما عصينا ولا فعلنا؛ فشابهوا المشركين من هذا الباب؛ فكان القدرية والمعتزلة الذين لم يقولوا بالجبر وإنما قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، وهو يفعل فعله باختياره ومشيئته، كان أفضل أيضًا من المتصوفة؛ لأن المتصوفة كذلك جبرية كالجهمية، والجميع شابه المشركين؛ شابه المشركين في هذا الباب. قالوا: والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: إن للعالم خالقين. والمشركون شر من المجوس؛ المشركون شر من المجوس، والصوفية شابه المشركين، والقدرية شابه المجوس. والمشركون أفضل من المجوس؛ إذن عندنا مشركون وعندنا مجوس، الصوفية شابه المشركين، وأما القدرية المعتزلة شابه المجوس. من أفضل: الذي شابه المشركين أو الذي شابه المجوس؟ الذي شابه المشركين، ومنهم المتصوفة، المتصوفة شابه المشركين، وأما القدرية المعتزلة شابه المجوس. والمجوس أفضل من المشركين؛ المجوس أفضل من المشركين. قال: أما الصوفية الذين عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر فهم خير من المعتزلة؛ لكنهم معتزلة من وجه آخر؛ حيث جعلوا غاية التوحيد مشاهدة توحيد الربوبية والفناء فيه؛ فاعتزلوا بذلك جماعة المسلمين وسنتهم. وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًا من بدعة أولئك المعتزلة؛ إذن هؤلاء المتصوفة عظموا الأمر وليس عندهم تعظيم الأمر والنهي، وإنما عظموا جانب الربوبية، كما سمعتم عندهم التوحيد توحيد الربوبية، ومنزلة عظيمة يبلغها الإنسان في هذا إذا وصل إلى الفناء الذي يزعمون أنهم إذا وصلوا فيه وصلوا إلى منزلة عظيمة. فهم إن كان عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي؛ يعني هؤلاء الصوفية خلافًا للجبرية الغلاة، لكن هؤلاء مع تعظيم الأمر والنهي مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر فهم خير من المعتزلة؛ فهم خير من المعتزلة؛ لأن المعتزلة قالوا: العبد يخلق فعل نفسه؛ فوقعوا في هذا الأمر الذي فيه مشاركة الرب جل وعلا، مشاركة العبد للرب جل وعلا في خلق الأفعال. وهم أعظم ممن عنده تعظيم الأمر والنهي، ويأتي به، لكنه يعظم جانب الربوبية؛ يعظم جانب الربوبية، فيصل به الحال إلى هذا الفناء الذي يقعون فيه؛ فصار أفضل من المعتزلة في هذا الباب، ولكنهم اعتزلوا جماعة المسلمين فيما يتعلق بهذه البدعة التي أحدثوها، وهي بدعة الفناء التي ربما تكون بعد ذلك أعظم من بدعة المعتزلة؛ لأن منهم كما سمعتم يقع في حال الزندقة والكلام الكفري الذي يأتي به والعياذ بالله، ويزعم أن التكاليف تسقط عليه في هذا الحال. نترك ما تبقى في الدرس اللاحق إن شاء الله، صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.