الدرس في من هم القبورية ؟، وكانت بعد الظهر من يوم الأحد 13 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تؤكد الخطبة أن الله خلق الثقلين لعبادته وحده لا شريك له، وأن دعوة جميع الأنبياء قامت على التوحيد والتحذير من الشرك. وتستعرض أدلة من القرآن والسنة على خوف الرسل - ومنهم إبراهيم ويعقوب ومحمد صلى الله عليهم وسلم - على أممهم من الشرك، مع تركيز خاص على تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد والغلو في الصالحين.
بيّن المقطع أن أصل الشرك في الأمم هو الغلو في الصالحين، بدءًا بقوم نوح الذين عبدوا أصنامًا سميت بأسماء رجال صالحين، ثم انتقلت عبادة القبور إلى الفلاسفة والهنود والبوذيين وأهل الكتاب والعرب في الجاهلية. وقد طهر الإسلام جزيرة العرب من ذلك، لكن القبورية عادت في المسلمين على يد الباطنية الذين أسسوا المشاهد والقباب، وبنوا ضريحًا مكذوبًا للحسين في مصر.
يرى المتحدث أن الاحتفال بالموالد بدعة أحدثها العبيديون الفاطميون الذين حكم عليهم العلماء بالكفر، وأن القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية شجعتها لإحياء عبادة القبور والتصوف. كما يعتبر أن منظمات التراث مثل اليونسكو تُستخدم للتجسس ونهب الموارد وإحياء الوثنية والفرقة بين المسلمين. ويحث على التمسك بالتوحيد ونبذ الغلو في الأولياء والبدع الشركية.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وأصحابه والتابعين، ثم يحمد الله رب العالمين، ويقر بعلم الله تعالى بكل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71]. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إننا بادئ ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله عز وجل الذي جمعنا على هذا الخير، وأعَاننا على هذه الطاعة، على مجالس الذكر وحلق العلم. نجتمع على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نجتمع على النصيحة، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يعتبر من أعظم الواجبات ومن أكبر المهام التي ينبغي على أهل الإسلام أن يهتموا بالقيام بها والعمل بها. كيف لا يا عباد الله، وموضوع هذه المجالس وهذه الدورة العلمية المباركة إن شاء الله عز وجل هو الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، والتحذير من الشركيات والبدع والخرافات التي تعتبر صميم دعوة الأنبياء والمرسلين، تحذير من الزيارات الشركية والبدعية التي عمت وطمت وانتشرت في أوساط كثير من المسلمين. أيها الإخوة في الله، مما ينبغي علينا أن نعلمه أن الله عز وجل ما خلقنا عبثًا، ولن يتركنا سدى، وإنما خلقنا لحكمة عظيمة ولغاية بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. يقول ربنا جل في علاه: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]، ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ [المؤمنون: 116]. ويقول سبحانه: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ [القيامة: 36-40]. لقد خلق الله عز وجل الخلق لحكمة بالغة ولغاية عظيمة، ألا وهي أن يعبدوه ولا يشركوا به ولا معه أحدًا من خلقه كائنًا من كان. ولهذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56-58]. أيها الإخوة في الله، إن الدعوة، إن الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإفراده سبحانه بالعبادة، وهكذا تحذير الخلق من الشرك بالله عز وجل، لهو صميم دعوة الأنبياء ودعوة المرسلين من أولهم إلى آخرهم. يقول ربنا جل في علاه: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]. ولأهمية التوحيد وهكذا خطورة الشرك، فإن الأنبياء والمرسلين قد خافوا الشرك على أنفسهم وهكذا على أتباعهم. فهذا أبو الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل عنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 35-36]. وهذا يعقوب عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل عنه: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133]. هكذا خافه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمته، على أمته. ومما يدل على ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله من حديث محمود بن لبيد رضي الله تعالى عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر». فسئل عنه، قال: «الرياء». صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. بل ولقد عظم خوف نبينا صلى الله عليه وسلم على أمته من أن تقع في شرك القبور والغلو في الصالحين وأهل المقابر. ولهذا يا عباد الله كثر تحذيره من ذلك، ولا سيما قبل موته عليه الصلاة والسلام، مستعملاً في ذلك أشد أنواع التحذير، من لعن اليهود والنصارى على صنيعهم ذلك. فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به ما نزل، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث: «قال: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام، كما كان السبب في عبادة الأصنام». وهكذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة، كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وذكرتا ما فيها من الصور. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك» - والخطاب هنا لهاتين المرأتين والزوجتين أم سلمة وأم حبيبة - قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: فهؤلاء جمعوا بين فتنتين، فتنة القبور وفتنة التماثيل، فتنة القبور وفتنة التماثيل». وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول قبل موته بخمس، ومن ذلك، أو من ذلك الذي قاله عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وبهذا إخواني في الله نعلم أن أساس الشرك الذي وقع في الأمم هو بسبب الغلو في الصالحين، هو بسبب الغلو في الصالحين. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين، أكثره عن أصلين: أولهما تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي ابتدعها الآدميون، وهو شرك قوم نوح، وهو شرك قوم نوح». انتهى كلامه رحمه الله. ولا يخفى عليكم أيها الإخوة في الله ما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: «صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعده. أما وَدٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاعٌ فكانت لهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يَعُوقُ فكانت لهمدان، وأما نَسْرٌ فكانت لحمير لآل ذي الكلاع». ثم قال رضي الله تعالى عنهما: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا. قال: فلم تُعبد حتى هلك أولئك، ونُسِيَ العلم». في رواية: «ونُسِخَ العلم، عُبِدَتْ»، أي عُبِدت بعد ذلك، وأصبحت آلهة تُعبد من دون الله عز وجل. وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ﴾ [نوح: 23-24]. وهكذا أيضًا إخواني في الله، فإن المتتبع لتاريخ البشرية بعد قبورية قوم نوح إلى بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم، يجد أن عبادة القبور هي الأساس، وأما ما عُبد من الأشجار والأحجار فإنما هي تبع لها، فإنما هي تبع لها. وهكذا أخي رعاك الله، نبذة مختصرة لبعض ما كان في حال الأمم والأقوام من بعد نوح، وهكذا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء الفلاسفة قد ذكر عنهم أهل العلم، ومنهم الرازي، وهكذا غيرهم، أن فلاسفة اليونان كانوا يستمدون الفيوض من القبور وأهلها، إذا اعترتهم مشكلة من المشكلات، فإنهم ماذا يلجأون؟ إلى أصحاب تلك القبور. وهكذا ذكر عن الفلاسفة من أصحاب أرسطو، أنهم كانوا إذا دهمتهم نازلة ذهبوا إلى قبره للحصول على المدد، وعلى الفيض الذي يعتقدونه فيه، وهكذا في غيره ممن يعتقدون فيه. وهكذا أيضًا الهنود، فقد ذكروا أنه في بعض مناطق الهند قبر لآدم أبي البشر، ولزوجته حواء، ولأمه، وجميعها تُعبد بالطواف حولها والتمسح، وهكذا بذل الأموال والنذور. قبر لآدم، ولزوجه حواء، ولأمه. والعجب كل العجب: من أين جاءت أم آدم، مع أن أصل البشرية هو آدم، ومنه خلق الله عز وجل زوجه حواء، زوجه حواء؟ لكن هكذا تصنع الخرافة، ويصنع الانحراف عن دين الله عز وجل وعن منهجه سبحانه. وهكذا البوذية، الذين هم يعبدون بوذا، قال العلماء: بوذا عندهم معناه العالم، وهكذا أيضًا لهذا المعبود عندهم معنى آخر وهو المعتكف. ذكروا أنه ترك زوجته، وأنه انصرف إلى الزهد والتقشف، ودعا إلى تخليص الإنسان من آلامه. البوذية تعتقد في بوذا أنه ماذا؟ أنه إله يُعبد، وتعتقد أنه ابن الله. وقد عملت التماثيل العظيمة والمعابد الضخمة، فيصلى له فيها. وهكذا يعتقدون أنه سيدخلهم الجنة، وأنه سيتحمل أخطاءهم، وأنه ينزل عليه الوحي في آخر عمره. ولهذا قالت البوذية: «ما هذا بشرًا، إن هو إلا إله عظيم، إن هو إلا إله عظيم». ولهذا عبدوه. وهكذا اليهود والنصارى، وقد تقدم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من صنيعهم ذلك، وأنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلكم الصور. وهكذا العرب، فقد كان العرب في الجاهلية يعبدون الأصنام، وهذا أمر معروف عنهم. ولهذا جاء في حديث أم سلمة عند أحمد، صححه العلامة الألباني رحمه الله، في قصة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي ملك الحبشة، قال جعفر رضي الله تعالى عنه: «أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الأرحام، ويأكل القوي منا الضعيف، ويأكل القوي منا الضعيف. قال: فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وآمانته وعفافه. قال: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان». إلى آخر ما ذكره من تعداد محاسن الإسلام. فبهذا نعلم أن هذه القبورية الحاصلة بين أوساط المسلمين، ما هي إلا وارث لأصحاب الديانات المذكورة آنفًا. وقد يقول قائل: فماذا عن أول القبورية التي ظهرت في الإسلام وبين المسلمين، ومن هو أول من ابتدعها وأنشأها؟ لا شك إخواني في الله أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتوفاه الله عز وجل إلا بعد أن طهر القلوب وطهر المجتمعات من عبادة غير الله عز وجل، من عبادة غير الله عز وجل، ولا سيما في المناطق التي بلغها الإسلام وفتحت على أيدي المسلمين. وظل الحال على هذا الأمر، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث جابر: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وهكذا في مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه، أن نبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ما لم أنزل به سلطانًا». واستمر الأمر على هذا الحال حتى انقضت العصور المفضلة والقرون المفضلة، التي قال فيها نبينا عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». حتى ظهر دعاة الخرافة، وهكذا الداعون إلى الغلو في أضرحة الصالحين، وهكذا تعلق العباد بأصحاب المقابر. وكان أول من باشر تأسيس ذلك هم الباطنية، فإنهم قد أقاموا لهم دولة بالمغرب، ومن ثم زحفوا إلى بلاد مصر، فأقاموا فيها كذلك مقرًا لهم ودولة لهم. ومن خلال ذلك أقاموا المآتم، أقاموا المآتم والمزارات، وبنوا المشاهد والقباب. وهكذا أيضًا هم أول من أسس ضريحًا للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وذلك في بلاد مصر. وهذا يدل على كذبهم الصريح، وذلك أن الحسين ما قُتل إلا بكربلاء من أرض العراق. لكن هكذا الكذب، وهكذا الدجل. فهؤلاء الباطنية العبيديون، الذين تسموا زورًا وبهتانًا بالفاطميين، نسبة إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها، أسسوا وأنشأوا الموالد. من أين جاءت الموالد؟ هل كانت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، أو خلافة أبي بكر الصديق، أو عمر الفاروق، أو عثمان ذي النورين، أو علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟ هل كانت أيام الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، أو أحمد، أو غيرهم من أولئك القرون المفضلة؟ لا، وإنما أتت من قبل أولئك العبيديين، الذين حكم عليهم العلماء بأنهم أكفر من اليهود والنصارى، أكفر من اليهود والنصارى، وذلك لما عندهم من البدع العظيمة التي تسبب هدم هذا الدين من الداخل. وهكذا إخواني في الله، الناظر في أحوال أعداء الإسلام يجد أنهم يشجعون على إنعاش وانتشار هذه القبورية بين أوساط المسلمين. فقد ذكر المؤرخون أن القائد الفرنسي المدعو نابليون بونابرت، قائد الحملة الفرنسية على مصر وما حولها، ذكروا عنه أنه كان يحضر حفلات المولد، يحضر حفلات المولد، وهكذا كان يشهد حلقات الذكر مع المتصوفة، مع المتصوفة. وهكذا ذكروا أنه فعل مثل ذلك من بعده من المندوب السامي البريطاني في بلاد مصر. وهكذا أيضًا في غيرها من البلاد. وهذا يدل على تأييد ومساندة أعداء الإسلام لهذه القبورية. وهكذا لو تذكرون بالأمس القريب، أيام ما كان الحزب الاشتراكي في هذه المحافظات الجنوبية، كان في أول الأمر قام هؤلاء الاشتراكيون وحاربوا المتصوفة، فقتلوا من قتلوا، وسحبوا من سحبوا. لكن بعد ذلك فوجئ الجميع أن تلك الحكومة أصبحت تقرب هؤلاء المتصوفة، وتعطيهم مجالات الإفتاء، وهكذا المناصب في وزارة الأوقاف وغيرها. ذكر بعض أهل العلم أن سبب ذلك هو أن الأوامر جاءت من قبل الروس بماذا؟ تحذير الاشتراكيين من مثل هذه الأفعال، وأن هؤلاء القبورية إنما يهدمون الدين، وهكذا يمنعون الناس من معرفة العقيدة الصحيحة، وهكذا يمنعونهم من العلم والتعليم. وهكذا أيضًا من ذلك، ذكر الدكتور موسى الموسوي في كتابه «الشيعة والتصحيح»، ذكر رحمه الله تعالى قال: «ولكن الذي لا أشك فيه أن ضرب السيوف على الرؤوس، وشج الرؤوس حدادًا على الحسين في يوم العاشر من محرم، تسرب إلى إيران والعراق من الهند، إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد، وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام الحسين، فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس. قال: وحتى عهد قريب كانت السفارة البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع، وهكذا أيضًا في الأزقة، وهكذا أيضًا في الأزقة». وهذا يدل على ماذا؟ يدل على مساندة وتأييد أعداء الإسلام لهذه القبورية، سواء كان عند الشيعة وهم الأصل، أو كان عند أذنابهم وأفراخهم من المتصوفة عباد القبور. وهنا كذلك أيضًا أمر ينبغي أن نتنبه له، وهو أن من خطط أعداء الإسلام في المحافظة على الأصنام وعبادة القبور، أنهم ماذا؟ نشروا بين المسلمين الاهتمام بما يسمى بيئة تراث وحضارات الأمم. فتجد أن هذه القضية جاءتنا من قبل اليهود والنصارى، ومرادهم بالآثار والتراث هو ما خلفته الحضارات السابقة من آثار، ويدخل في ذلك الأصنام، وهكذا الأهرام، وهكذا الأضرحة والمشاهد والقباب. وقد حرص أعداء المسلمين على أن يحيوا هذه الجاهلية في أوساط المسلمين، فلا تكاد تجد دولة من دول المسلمين إلا وهي تطالب بالاعتناء بالآثار وتشييد، وهكذا المحافظة على هذا الميراث وهذا التراث. وما هذا إلا استجابة لدعوات اليهود والنصارى وغيرهم. ولهذا جعلت هناك منظمات تقوم بالاهتمام بذلك ومساندته، ومن تلك المنظمات ما هو موجود عندنا في بلاد اليمن من تلك المنظمة المسماة بـ «اليونسكو». هي في الأصل أنها تهتم بجانب التعليم، فلأجل ذلك أنشأوا مدارس باسم التراث، أو مدارس باسم الآثار. وهذا من ذاك، واليهود والنصارى لهم أغراض عديدة في تلكم الخطة باسم الآثار وكذلك التراث وحضارات الأمم السابقة. ونذكر هذه الآثار أو هذه الأغراض على سبيل الاختصار: منها أولاً: التجسس على المسلمين ومعرفة أحوالهم بدقة، وذلك عن طريق ما يسمى بالسياحة، سواح يدخلون القرى والمدن ويتجسسون على المسلمين. الأمر الثاني: التعرف على مناجم الذهب والفضة وغيرها من الكنوز الأرضية في بلاد المسلمين. الأمر الثالث: إحياء عبادة الأصنام والأوثان بحجة أنها حق الآباء والأجداد. ولهذا الآن تنعش كثير من الزيارات القبورية، زيارة الشهداء السبعة، وهكذا غيرها من هذه الزيارات، وتنفق لأجلها الأموال الباهظة. زيارة سالم بن عمر، وهكذا زيارة الشيخ فضل، وغيرها من هذه الزيارات في هذه البلاد، ما هي إلا من ذلك. وهكذا من هذه الأغراض: إحياء النعرات الجاهلية، من فرعونية أهل مصر يفتخرون بالأهرام. ما هي الأهرام؟ عبارة عن أصنام، عبارة عن أصنام. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر عليًا بأن لا يدع تمثالًا إلا طمسه، إلا طمسه، وأن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه. اليوم أهل حضرموت يفتخرون ببعض القباب، وبعض القبور والمشاهد. وما بقاء هذا إلا مخالفة لأمر وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم. وهكذا أهل العراق يفتخرون بالحضارة البابلية والآشورية، وهكذا أهل الشام لهم الحضارة الأشورية، وهكذا. ما من قوم إلا ولهم ماضٍ وتاريخ، فيدخل التمزق والتفرق على المسلمين: اليمن، العراق، مصر، الشام، فكل واحد يريد أن يعلو على غيره بحُز زعمه. وهكذا من هذه الأغراض: الاختلاط بين الرجال والنساء، سواء كان في مجال الدراسة، أو كان في هذه الزيارات الشركية البدعية. والواقع من الأدلة والشواهد على ذلك، فقل ما تحصل زيارة شركية قبورية بدعية إلا ويحصل اختلاط الرجال بالنساء، والمعاكسات والمغازلات، بل وبعض الملابسات والاشتباكات بين الرجال والنساء. وهكذا غير ذلك من هذه الأغراض وهذه المفاسد التي لا تعود على أهل الإسلام إلا بالضرر والشر. فهذا إخواني في الله نبذة ولمحة حول ما يسمى بأهل القبورية وتاريخهم في القديم، وهكذا في الحاضر الحديث. فيجب على أهل الإسلام، وهكذا على أهل الإيمان، أن يحذروا كل الحذر من أن يقعوا في مغبة ذلك، وفي مزلة ذلك، وأن يحذروا البدع وأسبابها، والشركيات وخرافاتها، وأن يهتموا بالدعوة إلى التوحيد، وتنبيه المسلمين إلى خطورة الغلو في الأولياء والصالحين على حسب ما زعموا. ورحم الله الإمام المعلم اليماني حيث قال كلمة عظيمة تستحق أن تكتب بالذهب لا بمائه، ألا وهو قال: «إن من أوسع أوذية الباطل الغلو في الأفاضل، إن من أوسع أوذية الباطل الغلو في الأفاضل». فنسأل الله عز وجل أن يبصرنا، وأن يهدينا، وأن يوفقنا والمسلمين لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى يعلم.