موقف العلماء من فتنة القبور

الدرس في موقف العلماء من فتنة القبور، وكانت بعد الظهر من يوم الثلاثاء 15 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

موقف الصحابة والتابعين من بدع القبور ووسائل الشرك

أنكر الصحابة رضي الله عنهم كل ما يؤدي إلى تعظيم القبور واتخاذها مساجد، فأمروا بتسويتها ونهوا عن البناء عليها أو شد الرحال إليها. واستمر التابعون في إنكار المحدثات كإدخال القبر النبوي في المسجد والوقوف عنده للتعبد، مؤكدين أن القباب والزيارات الشركية لم تظهر إلا في عهد الدولة الفاطمية بعد القرون المفضلة.

موقف علماء الأمة عبر العصور من بناء المساجد على القبور

يسرد النص مواقف علماء الأمة الرافضة لبناء المساجد والقباب على القبور وللزيارات الشركية، بدءاً من الإمام الشافعي ومروراً بابن تيمية وابن حجر الهيتمي ومحمد بن عبد الوهاب والصنعاني والشوكاني. ويبين أن هذه البدع حدثت متأخرة في عهد الفاطميين ولم يكن لها وجود في عهد السلف، مما ينقض دعوى الإجماع على جوازها.

تفريق أهل العلم بين الحكم على الفعل الشركي والحكم على فاعله

يقرر أهل العلم أن الاستغاثة بغير الله والطواف بالقبور شرك أكبر، لكنهم يفرقون بين الحكم على الفعل بأنه كفر والحكم على فاعله بالكفر، مشددين على وجوب إقامة الحجة وإزالة الشبهة قبل التكفير. كما يفرقون بين الشرك نفسه ووسائله وبدعه كالتوسل بالجاه وبناء القباب، ويؤكدون على وجوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

منهج التعامل مع المخالفين والتمييز بين الشرك الأكبر ومسائل الاجتهاد

يؤكد المقطع على أهمية الحكمة واللين في دعوة أهل البدع، مع ضرورة إتقان طالب العلم للأصول الشرعية قبل الرد. كما يبين الفرق الجوهري بين مسائل الشرك الأكبر كاستغاثة الأموات والبناء على القبور، وبين مسائل الاجتهاد كإهداء ثواب القرآن للميت، محذراً من الخلط بينهما لئلا يهتز حجة الداعي عند المناظرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله. أما بعد، فإن الزيارات البدعية للقبور والمشاهد، وما يجري عندها من شرك وبدع ومعاصي، هذا من المنكرات التي قام أهل العلم ببيانها والتحذير منها، امتثالا لقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾. ونحن في هذا المجلس الذي موضوع حديثه موقف العلماء من فتنة القبور، نبين طرفا من موقف أهل العلم في مواجهة هذه الزيارات البدعية. نبدأ بعصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ثم قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم في المكان الذي توفي فيه، وذلك خشية أن يفتن الناس به، وأن يتخذ عيدا. وكذلك أيضا أنكر عمر رضي الله عنه على أناس كانوا يتحرون مسجدا صلى فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنهاهم عن ذلك. وأيضا ثبت في صحيح مسلم أن عليا رضي الله تعالى عنه بعث أمير شرطته، بعثه من أجل أن يطمس القبور وأن يسويها، فقال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها». وكذلك أيضا ثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يأمر بتسوية القبور، فقيل: هذا قبر أم عمر بنت عثمان، فأمر بتسويته. وتتراجع هذه الآثار في كتاب الشيخ الألباني رحمه الله «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». وكذلك أيضا ما رواه أحمد رحمه الله في مسنده عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه لقي أبا بصرة، أو قال: لقي أبو بصرة أبا هريرة وهو راجع من الطور، قال: من أين أتيت؟ قال: من الطور. قال: لو أدركتك ما رحلت. ثم ذكر له حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وأوصى أبو موسى بوصية، ومن وصيته قال فيها: «لا تجعلوا على قبري بناء». والأثر رواه أحمد في مسنده. ورأى ابن عمر فسطاطا على قبر، والفسطاط هو الخيمة، على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: «انزعه يا غلام، فإنما يضله عمله». رواه البخاري تعليقا. وكذلك أوصى أبو هريرة ألا يجعل على قبره فسطاطا. وهذه الآثار كما أشرنا يرجع إليها في كتاب العلامة الألباني رحمه الله «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». وهذه الآثار تدل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أول عصرهم أنكروا وسائل الشرك، وحاربوا الأمور التي تؤدي إلى الشرك وإلى الافتتان بالقبور، فأمروا بتسوية القبور، وحذروا من اتخاذ أماكن عبادة لأن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم صلى فيها. وفي آخر عصر الصحابة، من بقي منهم وتأخرت وفاته، عمل بعض الناس الفسطاط على القبر، كانوا يضعون خيمة على القبر، وهذا بخلاف القباب المبنية، فإنها ما أحدثت في الإسلام إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة. لكن في آخر عصر الصحابة كان بعض الناس يعمل فسطاطا، أنكره أيضا الصحابة، منهم ابن عمر، وأبو هريرة أوصى أنه لا يجعل على قبره فسطاطا. وهذا الفسطاط قصد به من عمله في ذلك الوقت واحدا من أمور ثلاثة، وقد تجتمع: منها أن يكون هناك ظل للقبر، إضلال القبر، وكذلك أنس الميت، والأمر الثالث: إظهار الحزن والاستئناس بالميت، كحال من يبكي على الأطلال ويأتي إلى بقايا بيوت من يحبه يتذكر ويأنس بذكراه، وكذلك أيضا يجدد حزنه عليه. وإنكار الصحابة رضي الله تعالى عنهم على وسائل الشرك، لم يوجد في عهدهم كما أسلفنا قباب تعبد ويطاف حولها، وقبور استغيث بها، لم يوجد ذلك. يدلنا على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم حسموا هذه المادة، وكانوا ينكرون أي وسيلة وذريعة لتعظيم القبور. أنه لا يعلم قبور كثير من الصحابة، أكثر الصحابة لا يعلم قبور أهلها، مع أن لهم مآثر عظيمة في نشر الدين وفتح البلاد، مآثرهم عظيمة، فلو كانوا يرون استحسان عمل، وكان عمل القباب والبناء على القبور، لعلمت قبورهم، لكن ذلك لم يقع. وقلنا أن البناء على القبور، وكذلك الاستغاثة بها، والطواف بها، وسؤالها من دون الله سبحانه وتعالى، هذا لم يقع في عصر الصحابة، بل لم يقع في عصر القرون الثلاثة المفضلة، وإنما هو شيء أحدث في عهد دولة الشرك، دولة الفاطميين، هي الدولة التي اعتنت ببناء القباب على القبور، وجعلت لهم الزيارات البدعية الشركية. وهذا هو الذي يفسر لنا عدم وجود كلام للسلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم في الاستغاثة بالقبور، وحكم الطواف بها، أو نحو ذلك. لماذا؟ لأن هذه ما حصلت بعد، هذه ما حصلت بعد، وإنما جد حدوثها بعد انقضاء عصور، عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم. وبين عصر الصحابة وقيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب ومصر وأجزاء من الشام، تتابع أهل العلم والمتمسكين بالحق على إنكار وسائل الشرك التي تحدث في وقتهم وفي أزمانهم. فعلى سبيل المثال في عصر التابعين، أنكر سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه، سيد التابعين، إدخال القبر الشريف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في «البداية والنهاية». والقبر الشريف أدخل بعد أن لم يبق أحد من الصحابة في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، كان هناك سعيد بن المسيب فأنكر ذلك. كذلك أيضا علي زين العابدين، الملقب بزين العابدين، علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، وهو من أهل البيت، رأى رجلا يدخل في فرجة إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنكر عليه، وذكر له حديث: «لا تجعلوا قبور أنبيائكم مساجد»، وذكر له هذا الحديث. وكذلك أيضا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى سهيل بن أبي صالح واقفا عند القبر، فدعاه إلى العشاء، فما لبى الدعوة، ثم بعد ذلك سأله: لماذا أنت واقف؟ فقال: أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. قال له: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر له الحديث السابق، وقال له في آخر كلامه: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». والحديث أو الأثر رواه سعيد بن منصور. وهكذا تتابع أهل العلم في إنكار وسائل الشرك التي توجد وتحدث في زمانهم. وممن نذكره في هذا الصدد الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه تكلم في كتابه «الأم» على بعض وسائل الشرك التي جاء عن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم تحريمها، ومن ذلك قوله في كتابه «الأم»: «وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يصلى عليه، أو يسوى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه». قال: «وإن صلى إليه أجزأه»، يعني قبل التسوية، «وقد أساء». وأخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى دينان بأرض العرب». قال: «وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره، والله أعلم، أن يعظم أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجدا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده». هكذا الإمام الشافعي يقول: «ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده». بعد ظهور الفاطميين على مسرح التاريخ، وأحداث البدع العظيمة في دين الله تبارك وتعالى، ومن ذلك إحداث القباب والمشاهد والزيارات الشركية، تكلم أهل العلم على حكم هذه الأمور التي نزلت بالمسلمين وحدثت ووجدت. وقبل ذلك لم يتكلم السلف الصالح عن ذلك، تكلموا في مسائل الصفات، تكلموا في القدر، والخروج، وغير ذلك من الأمور التي خالف فيها أناس في عهدهم، أما في عهدهم ما حصلت هذه القباب، ولذلك لا يوجد كلام للسلف الصالح حول المزارات الشركية ونحو ذلك. وهذا يبين وينقض دعوى عريضة يدعيها القبورية، أن هناك إجماعا من قبل المسلمين على جواز هذه القباب والمشاهد والأضرحة، وعلى صحة هذه الزيارات، وأن هذا كان محل اتفاق بين المسلمين، ما أنكره إلا ابن تيمية، ما أنكره إلا ابن تيمية. وهذا يعني خطأ، ويعني باطل. والسبب في قلة وندرة كلام المتقدمين هو ما سمعتم، أنه لم توجد في عهدهم مثل هذه الأمور. وأيضا من الأسباب التي جعلت هذا الكلام لا يطرق من قبل العلماء، أو ندرة وجود مثل هذا الكلام في الكتب، سكوت بعض أهل العلم عن الكلام بالحق، وبيان مثل هذه الأمور المنكرة. وقد نعى الإمام الصنعاني رحمه الله على العلماء سكوتهم عن هذه المنكرات التي يفعلها. وأيضا أن هذه الأمور كانت تفعل بقوة السلطان، كانت تفعل بقوة السلطان، ولذلك قل المنكرون لها، حتى أن الإمام الصنعاني رحمه الله في «تطهير الاعتقاد» لما تعرض لمسألة بناء القبة على قبر النبي صلى الله عليه وعليه وسلم، ختم كلامه بقوله: «وهذه الأمور دولية لا دليلية، هذه الأمور دولية لا دليلية». فأجل قوة السلطان، وسكوت بعض أهل العلم، وبعضهم لم يظهر في وقتهم مثل هذه المزارات والقباب والأضرحة التي تعبد من دون الله تبارك وتعالى، قل الكلام فيها. من أبرز من تكلم بعد ذلك من العلماء في هذه القضية بعد انتشارها على يدي الفاطميين: ابن تيمية رحمه الله، شيخ الإسلام ابن تيمية، الإمام العلم المعروف، وله في ذلك كتابات ورسائل، ومن ضمنها: الرد على الأخنائي، والرد على البكري، والتوسل والوسيلة. وفي ضمن مجموع فتاواه كلام على هذه الأمور، وبيان أنها من الشرك، الأمور التي هي شرك من الشرك، والتي هي من وسائل الشرك، أن هذه من وسائل الشرك التي جاء الشرع بتحريمها والنهي عنها. وقد أفتى رحمه الله بتحريم شد الرحل إلى قبر النبي صلى الله عليه، وقد كذبوا عليه أنه يحرم زيارة القبور، وقد بين ودافع عن نفسه رحمه الله أنه لا يحرم زيارة القبور، وإنما ينهى ويحرم شد الرحل. ورد كما سمعتم في هذه الكتب التي ذكرناها على الأخنائي والبكري، رد فيها ودافع عن قوله رحمه الله، وبينا الزيارة الشركية الممنوعة، والزيارة الشرعية التي أجازها الشرع رحمه الله. وقد أوذي في ذلك، وتكلم في عرضه، وبعض من لم يجر على الكلام عليه وانتقاده، تكلم عليه بعد وفاته، وهو علي بن عبد الكافي السبكي، في كتاب صنفه يرد فيه على شيخ الإسلام ابن تيمية: «شفاء السقام في زيارة خير الأنام». هذا الذي رد عليه ابن عبد الهادي رحمه الله، تلميذ ابن تيمية، وانتصر فيه لقول شيخه بالأدلة الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكتاب السبكي هذا من أعظم الكتب عند القوم في الشبه، من جاء بعده يعتمد عليه، وممن اعتمد عليه كثيرا محمد علوي المالكي في كتابه «مفاهيم يجب أن تصحح». أيضا من العلماء الذين أنكروا البناء على القبور والقباب، وأيضا حذروا من الاستغاثة: ابن حجر الهيتمي، وابن حجر الهيتمي هو من ألد أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من الأشاعرة، وهو ممن يجيز شد الرحل، لكنه يخالف القبورية في مسألة الاستغاثة، ومسألة البناء على القبور. وهذا يعني لطيف، من حيث أن طالب العلم ممكن أنه يخاصم بكلامه من ينتسب أو يعظم ابن حجر الهيتمي، وهو من المعظمين في الفقه الشافعي، من أكبر رجال المذهب الشافعي في وقته، وله كتاب مشهور هو «الزواجر عن اقتراف الكبار»، يقول فيه: «الكبيرة الثالثة والتسعون، والرابعة والتسعون، والخامسة والتسعون، والسادسة والتسعون، والسابعة والتسعون، والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها». ومن العلماء أصحاب الصولة والجولة في هذا الموضوع: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، فإنه وأولاده وأحفاده كانوا دعاة إلى التوحيد ومحذرين من الشرك ووسائله، وبسبب دعوته صفت بلاد السعودية من هذه الزيارات الشركية، صفت هذه البلاد السعودية من الزيارات الشركية ومن القباب والمشاهد. وكتبه في التوحيد، يعني رد شبه القبورية كثيرة، من أشهرها مثلا كتاب «التوحيد»، وكتاب «كشف الشبهات». وتكفي شهادة من معاصر له في وقت، وهو الإمام الصنعاني رحمه الله، شهد له بالدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك، وفي ذلك يقول في القصيدة النجدية: لقد جاءت الأخبار عنه بأنه *** يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ومبتدع *** منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما مشاهد *** ظل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث *** وود بئس ذلك من ودي وقد هتفوا عند الشدائد باسمها *** كما يهتف المضطر بالصمد الفردي وكم عقروا في سوحها من عقيرة *** أهلت لغير الله جهرا على عمدي وكم طائف حول القبور مقبل *** ومستلم الأركان منهن بالأيدي ومن هؤلاء العلماء أيضا الذين أنكروا الزيارات الشركية والبناء على القبور والاستغاثة بها، ونحو ذلك من أعمال القبورية: الإمام الكبير محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله، وله في ذلك مصنف شهير «تطهير الاعتقاد» الذي رد فيه على شبهات القبورية. ومن هؤلاء أيضا الإمام الشوكاني رحمه الله، وله كتاب «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد»، وغيرهم من أهل العلم. وينبغي أن يعلم للفائدة أن الذين أنكروا مثل هذه الأمور لم يكونوا يعني من فئة واحدة، ولا من جنس واحد، بل كانوا فئات متعددة. فالمنكرون لهذه الزيارات والاستغاثة بغير الله تبارك وتعالى، مثلا منهم من أهل البيت، ومنهم من غيرهم، ومنهم مثلا الحنفي، ومنهم الشافعي، ومنهم الحنبلي، ومنهم المالكي، بل منهم أيضا من هو أشعري، كما ذكرنا كمثال ابن حجر الهيتمي، ومنهم أيضا الصوفي، الصوفي لكنه أنكر هذا الغلو في القبور وبناء المشاهد عليها. أيضا مما نذكره في موقف أهل العلم من هذه الزيارات الشركية: أن أهل العلم، وقد ذكرنا أنهم ينكرون هذه الأمور، وأثبتوا وقرروا ذلك بالأدلة الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم، وكلام السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم، أنهم يفرقون بين العمل والعامل. يذكرون مثلا: الاستغاثة بغير الله هذا شرك، اعتقاد النفع والضر في غير الله هذا شرك، ونحو ذلك من هذه الأمور الكفرية، لكنهم يفرقون بين يعني هذا العمل والحكم عليه بأنه شرك، وبين العامل له. فما كل من دعا غير الله تبارك وتعالى واستغاث به، أو طاف بقبر، أنه مشرك كافر، أنه مشرك كافر. وهذا من المسائل التي بينها أهل العلم، وينبغي لطلبة العلم أن يتنبه لها. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «اعلم أني عرفت بأربع مسائل»، ذكر هذه المسائل، ثم قال: «الثالثة: تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه، ونفر الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول فيه، ومن عرف الشرك وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره، وأغر بذلك ليلا ونهارا، ثم مدحه وحسنه للناس، وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، هذا هو الذي يكفره». قال: «وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالعين والموالاة، أني أكفر بالعين نعم والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله». ويقول ابن تيمية رحمه الله: «ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع السجود لميت ولا غير ميت، ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم». بل ذكر، ولعل المقام لا يتسع، الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ابن الشيخ محمد عبد الوهاب، نفس أو معنى هذا الكلام، غريب منه، بل ذكر أنه لا يكفر بعض يعني العلماء الذين فيهم شيء من هذا. ومن كلامه: «فإن قلت هذا، فمن ذهل، فلِمَ لم ينتبه في القول في من حرر الأدلة واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرا على ذلك حتى مات، يعني هل هذا أيضا ممكن أن تعتذر له؟ قال: قلت: ولا مانع من أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ، وإن استمر على خطأه لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه حجة، ولا وضحت له المحجة». وبعد ذلك ذكر على سبيل المثال ابن حجر الهيتمي، قال: «فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله، لأنه من جملة علماء المسلمين». وهكذا نقل ابن سحمان، وهو من علماء الدعوة المشاهير، قوله: «أما تكفير المسلم فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم، إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها». قال في بعض رسائله: «وإن كنا لا نكفر من عبد قبة الكواز لجهلهم وعدم تنبيههم، فكيف من لم يهاجر إلينا؟». والغفلة عن مثل هذا الأمر هو أول شيء قد يؤدي إلى نفور الناس، عندما يقال: هذا مشرك، من فعل كذا كافر مشرك، ومن دون أن يبين هذا التفريق، قد يؤدي إلى تنفير بعض الناس وعدم قبول الدعوة، لأنه سيرى أن هذا الداعي يكفره أو يضلله أو يكفر أهله. وقد قال الشيخ محمد أو عبد الله بن محمد في أول كلمته: «تلك أمة قد خلت»، وهذا أمر إلى الله سبحانه وتعالى في من مات على هذه الأمور، مع أننا نعتقد أن من كان جاهلا لم تقم عليه الحجة أنه لا يكفر، حتى وإن وقع في هذه الأمور الشركية، حتى تقام عليه الحجة. وأيضا قد يؤدي إلى تشويش، وكذلك أيضا قد يؤدي هذا إلى يعني ضرر بالداعي وبإخوانه، لا سيما في هذا الوقت الذي يعني أجمع العالم سياسيا على تهجين فكر الذين يفجرون والذين يكفرون. وكذلك علم كثير من الناس أن هؤلاء مخطئون، وأول من حذر من أفعالهم وأفكارهم علماء أهل السنة. فلما يعني يقول الداعي إلى الحق، ويتكلم عن مثل هذه الأمور ببيان الشرع والحق، ولكنه لا يفرق هذا التفريق، فيأتي دعاة القبورية ويخلطون الأوراق كما يقال اليوم، فيقولون: تعالوا، هؤلاء هم الذين يكفرون، وهؤلاء هم أهل التفجير، تعالوا، هؤلاء هم الذين يعني حذر واجتمع العالم كله على التحذير منهم ومن أفكارهم. وهذا لا شك أنه غفلة. كذلك أيضا من مواقف أهل العلم: أنهم يفرقون بين الشرك ووسائله، فلا يأتي مثلا داع يتكلم، يجمع مثلا أمور هي من الشرك، ومن وسائل الشرك، أو بدع ومعاصي، ثم يخلطها كلها وهو يتكلم على الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى. ومن ذلك على سبيل المثال: التفريق بين الاستغاثة والتوسل. فالتوسل بجاه الصالحين هذا من البدع المحدثة التي لم تثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن ليس شركا. نعلم أن من القبوريين من يستعمل التوسل يريد به الاستغاثة، لكن هذا لا يمنع صاحب الحق أن يفرق بين هذا الذي هو بدعة ومحدث، وبين ما هو شرك. وكذلك ما هو وسيلة إلى الشرك، مثل بناء القباب على القبور وتجصيصها ونحو ذلك. وخاصة في مسألة التوسل، الشيخ الألباني رحمه الله يؤكد على التفريق في هذا الموضوع. أيضا من مواقف أهل العلم في هذا: أن هذا الأمر يحتاج إلى قوة علمية، وجرأة على الصدع بالحق، ومع ذلك لا يمنع أن يكون ذلك بالحسنى. فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾، ويقول الله تبارك وتعالى آمرا موسى وهارون: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾. وكثير من يعني بعض، أو بعض يعني من كان من أهل القبور ومن أهل الطرق الصوفية، اهتدوا. وعلى سبيل المثال أذكر الشيخ تقي الدين الهلالي، الذي كان مدرسا في الجامعة الإسلامية، أيام كان يدرس فيها شيخنا مقبل رحمه الله، وهو من علماء السنة، هذا كان تيجانيا في بلاد المغرب، يسر الله عز وجل له من يدعوه بالتي هي أحسن. كذلك أيضا من يعني هذا يجر أيضا إلى الحكمة واستعمال اللين، كما نبه على ذلك الشيخ ربيع في رسالته: «الألفة تأتي إلى أصحاب طريقة مثلا، يرون أن ابن تيمية كافر، والشيخ محمد عبد الوهاب كافر، فلا تأتي إليهم وتذكر لهم الشيخ محمد عبد الوهاب، قل: اذكر لهم علماء يتفقون معك في احترامهم». وقبل ذلك على طالب العلم أن يتقن الأصول التي هي من الكتاب والسنة وكلام السلف، التي بنى عليها ابن تيمية كلامه في التحذير من هذه الأمور. كذلك أيضا من المواقف: أن لا يخلط طالب العلم بين هذه الأمور، وبين ما هي من مسائل الاجتهاد التي قد يكون بعض دعاة القبورية مصيبا فيها. فمثلاً مسألة إهداء ثواب القرآن للميت، ليست قراءة القرآن عند الميت، لكن من يعني قرأ القرآن بإخلاص وليس في المقبرة، ثم أهدى ثوابه إلى الميت، هل يصل أم لا يصل؟ هذه مسألة اجتهادية، قال بعض أهل السنة والحجة بها، فلا نخلط بين هذه المسألة، وبين الاستغاثة، وبين البناء على القبور، ما هو من مسائل الشرك الأكبر، من الشرك، وبين ما هو من مسائل الشرك، وبين ما هو من أمور اجتهادية قد يكون القول فيها يعني مع أولئك. المهم أن الأمر يرجع فيها إلى الدليل. الخلط بين مثل هذه الأمور قد يشوش، وقد يعني يجعل دعاة القبورية عندما يبينون أن مثل هذه المسألة قد قال بها من علمائهم، تعالوا انظروا، من علمائهم من يقول كذا وكذا، فيهتز بعد ذلك كلامك الذي تأتي به بعد ذلك في التحذير من الاستغاثة، والتحذير من عبادة غير الله، واعتقاد النفع والضر، يهتز، لأن هذه المسألة استطاعوا أنهم يهزوا يعني معلوماتك فيها، وأن يبينوا أنك يعني غير مصيب فيها. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. صلى الله على نبينا محمد.