الدرس في شرح كتاب الطهارة 17، الدرس السابع عشر (باب السواك وسنن الوضوء ... وهو رواية عن أحمد وقاله مالك وغيره). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أهمية السواك ومواصفاته، ويبين أنه سنة مستحبة في جميع الأوقات. السواك يتأكد استحبابه في مواضع معينة مثل عند تغير رائحة الفم وعند النوم وعند إرادة الصلاة.
يستحب السواك في جميع الأوقات، ويتأكد في ثلاثة مواضع: عند تغير رائحة الفم، عند النوم، وعند إرادة الصلاة. كما يستحب للصائم بعد الزوال ولا يكره استعماله له.
يتناول المقطع مسائل فقهية مثل الخلاف في دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح، وحكم الصلاة في الطابق العلوي للمسجد، والزواج من رجل فقير. يُوضح أن الخلاف الاجتهادي مسموح به في المسائل الظنية.
البرنامج ينتهي بتذكير بالصبر على شدة العيش وبالصلاة على النبي محمد وآله. كما يحث على الاعتدال في جميع الأمور وينتهي بالدعاء والصلاة على النبي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، درسنا اليوم هو بعد الانتهاء من كتاب الاستنجاء في باب السواك، سنن الوضوء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب السواك وسنن الوضوء». قال: «السواك بعود لين منق للفم لا يتفتت مسنون كل وقت لحديث: السواك مطارة للفم مرضاة للرب، رواه الشافعي وأحمد وغيرهما». قوله رحمه الله تعالى: «باب السواك» أي هذا مدخل لمعرفة أحكام السواك. وقوله: «السواك» فسره بقوله: «بعود لين منق للفم». الأصل أن السواك عود خاص معروف من شجر خاص، وهو شجر الأراك. وهذا الشجر جذوره يخرج منها عود السواك، وهو عود حار له طعم ورائحة مميزة، أحسن ما يستاك به للفم. وأحيانًا لمن لا يحسن إخراج جذور هذه الشجرة يقطع من غصونها فيكون أخضر، لكن ليس فيه الفائدة والنفع الذي في جذور هذه الشجرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحث على السواك من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي إن شاء الله بيانه. ومناسبة إدخال ما يتعلق بالسواك من أحكام في كتاب الطهارة لأنه نوع من التطهير، ولأنه جاء الحث عليه عند الوضوء، فلهذا قرنا بأحكام الوضوء. وقوله: «وسنن الوضوء» لأن السواك من سنن الوضوء، فناسب أن يذكر معه سنن الوضوء. وقوله رحمه الله: «السواك بعود لين منق للفم لا يتفتت مسنون». عمم المؤلف رحمه الله كما عمم غيره من أهل العلم أن الاستياك يكون بكل عود لين منق للفم. ومر معنا أن الذي ورد به الأدلة هو عود السواك خاصة الذي يكون من شجر الأراك، وهو شجر معروف له شكل معروف ينبسط على الأرض وتطلع له أغصان ليست بالمرتفعة. ويكون غالبًا في أكوام الرمل يكون نمو شجر الأراك في أكوام الرمل، وتحبه الإبل تأكل منه أي من ورقه. فأفضل السواك والذي ورد به الأدلة والذي كان يحرص عليه النبي عليه الصلاة والسلام ويحث هو السواك بعود الأراك. لكن لأن عود الأراك قد لا يتيسر لكل الناس، ذكر العلماء أن المقصود هو تطهير الفم، فإن أمكن تطهيره بغير عود الأراك مما كان قريبًا منه فهو أمر كذلك حسن. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان المقصود هو تطهير الفم وإخراج فضلات الطعام منه تنظيف الأسنان، إذن إذا حصل ذلك بما هو بمعنى عود الأراك فهو أمر حسن. ولكن لأن عود الأراك خاصة له صفات مع نفعها لا تضر، لا تضر الإنسان لا في لثته ولا في بشرة شفتيه ولا غير ذلك، حاول أهل العلم أن يذكروا تلك الصفات حتى ينتبه من يستاك بغير عود الأراك ألا يضر نفسه. فقال: «بعود لين» لأن عود الأراك لين. وقوله: «منق» لأن بعض الأعواد قد لا تنقي، العكس قد تلوث، مثل بعض الأشجار التي اعتاد الناس أن ينقوا بها وهي تنق من جهة وتلوث من جهة، مثل عود شجرة دم الأخوين. هذا موجود عندنا في اليمن، شجرة في سقطرة مميزة هي من نوادر أشجار الدنيا، وعودها يكون فيه احمرار إذا استاك به الإنسان أثر على ثمه حتى صار أحمر يميل إلى السواد، وأسنانه كذلك مع أنه ينقي الأسنان يجعل لها بياضًا، لكن يخلف خلفه هذه الحمرة، فهذا غير منقي. وقوله: «منقي للفم» لأنه المقصود بالسواك. وقوله: «لا يتفتت» لأن الذي يتفتت التفتت يعني التمزق، تتمزق شعيرات العود لأنه إذا كان يتفتت سيشغل المتوضئ والمصلي في صلاته، يصير كل قليل وهو يخرج من فمه عيدان عود الأراك أو غيره مما يتفتت. وقوله: «مسنون» لأنه ورد من قوله عليه الصلاة والسلام وفعله الحث على السواك كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله. وقوله: «لحديث» وأشار إلى الحديث: «حديث السواك مطارة للفم مرضاة للرب» وهو حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن معناه صحيح تدل عليه أدلة كثيرة. كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا أن نشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» وفي رواية: «مع كل وضوء». والحديث أصله بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فسيأتي إن شاء الله بعض الأحاديث لأجل هذا كان الحث عليه في أول هذا الفصل. أضيف أولًا بالنسبة لحديث عائشة: «السواك مطارة للفم مرضاة للرب». قلنا أن الراجح هو ضعفه، مع التنبيه أن بعض أهل العلم يحسنه. وقد ذكروا شيخًا للباني رحمه الله في الصحيحة، لكن الراجح ضعف هذا الحديث، ففيه علة في مسألة اتصاله. وقد شارك الحافظ ابن حجر في التلخيص إلى ذلك فيرجع إليه. ولهذا البخاري رحمه الله لما ذكره في صحيحه ذكره معلقًا لم يذكره مسندًا. قال رحمه الله تعالى: «ويسن السواك في جميع الأوقات لحديث عائشة رواه مسلم، ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع: عند تغير رائحة الفم، وعند النوم لحديث حديثة متفق عليه، وعند إرادة الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: لولا أنا شق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة متفق عليه». قوله رحمه الله: «ويسن السواك في جميع الأوقات لحديث عائشة» يعني أنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يحب السواك ويستاك به في كل أحيانه وفي أكثر أوقاته عليه الصلاة والسلام. فقد جاء معناه في حديث عائشة كما أشار المؤلف رحمه الله رواه مسلم، بل جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرض موته دخل عليه أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك الرطب، فأبده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره يعني ثبت بصره على السواك. فعرفت عائشة أنه يريده لأنه كان عليه الصلاة والسلام يحب السواك، وهو في ذاك الوقت قد اشتد عليه المرض عليه الصلاة والسلام فلا يستطيع أن يتكلم، فقالت له: أخذه لك؟ أشار برأسه: نعم، أي النبي عليه الصلاة والسلام. فأخذت السواك فقضمته وطيبته وأعطته إياه، فقالت: فما استنى استنانًا قط أحسن منها. الحديث الشاهد هذا وغيره من الأحاديث الأخرى تدل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب السواك في جميع الأوقات. وهذا يدل على استحبابه، يعني أن السواك يكون مع الإنسان في كل وقت يستاك به ويحرص الإنسان قدر المستطاع. مع أن بعض الناس قد يقول: السواك ما يتيسر؟ يقال: يحرص عليه قدر المستطاع. وقوله: «ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع» لأنه ورد تأكيد استحبابه في هذه المواضع الثلاثة. أولها قال: «عند تغير رائحة الفم» يعني في المواضع التي هي مضان تغير رائحة الفم، مثل إذا قام الإنسان من النوم. وذلك لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعله، كما جاء في الصحيح في حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نومه فابتدأ بالسواك، قام فتوضأ واستنى عليه الصلاة والسلام. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينام والسواك إلى جنبه عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يعتني بالسواك في المواضع التي يحصل فيها تغير رائحة الفم، فكل موضع يكون مظنة لذلك يستحب استعمال السواك فيه. فإن كان مثلًا أكل طعام فيه رائحة فيستحب عند ذلك إزالة فضلاته بالسواك. وقوله: «عند النوم لحديث حديثة» يعني كذلك كما ذكره صاحب العمدة وغيره، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله. وهذا كذلك حتى يكون أنقى للفم. وقوله: «وعند إرادة الصلاة» كذلك قال لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن نشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وجاء في رواية أنه: «عند الوضوء». وقد جاءت هذه الرواية في مسلم. وبعض أهل العلم حكم عليها بالشذوذ، لكن معناها صحيح يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم وهو في الصحيح. ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أنا شق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» أي لم يأمرهم خشية أن يكون ذلك شاقًا عليهم. واستدل به العلماء أن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب، فلذلك، لم يأمرهم فيكون المعنى أنه يحثهم حتى شديدًا على المحافظة على السواك عند كل صلاة. فيسن مؤكدًا، تأكيدًا مؤكدًا، تأكيدًا زائدًا عن سائر استعمال السواك في الأوقات الأخرى. فهو مستحب في كل الأوقات، لكنه عند الصلاة يشتد هذا التأكيد. طيب قال رحمه الله تعالى: «ويستحبه في سائر الأوقات ولو لصائم بعد الزوال». قال في الاختيارات: «وهو رواية عن أحمد، وقاله مالك وغيره». قوله رحمه الله: «ويستحب في سائر الأوقات» أي السواك كما تقدم أنه يسن في جميع الأوقات. فمر معنا حديث عائشة في صحيح مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أول ما يبدأ إذا دخل إلى بيته بالسواك. وهكذا كذلك حديث عائشة الآخر الذي في الصحيحين، قصة عبد الرحمن وتقدمت. وهكذا كذلك حديث حذيفة في الصحيحين: «كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك». وهكذا حديث أبي موسى: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل أبو موسى على النبي عليه الصلاة والسلام وطرف السواك على لسانه» هو يقول: «كأنه يتهوع». وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي تدل على استحباب السواك في سائر الأوقات: في المشي، في القعود، عند الوضوء، عند الصلاة، عند الوضوء مثل حديث ابن عباس الذي تقدم، ورواية في حديث أبي هريرة: «لولا أنا شق على أمتي». حديث ابن عباس: «أنه بات عند ميمونة، فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام من الليل ليصلي أول ما بدأ به السواك ثم توضأ». فهذه الأحاديث وغيرها أخرى كثيرة تدل على استحبابه في سائر الأوقات. ثم قال: «ولو لصائم بعد الزوال» يعني كذلك يستحب السواك حتى للصائم. وقوله: «بعد الزوال» لأن بعض أهل العلم كرهه بعد الزوال. ووجه الكراهة بعد الزوال أن الصائم بعد الزوال في الغالب تكون له رائحة في فمه من أثر الصيام. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن «خلوف فم الصائم أحب عند الله من طيب المسك». فظن بعض أهل العلم أن السواك يزيل الرائحة، وأن إزالة الرائحة معناها ذهاب هذا الفضل. وهذا ليس بصحيح من أوجه، نختصرها في ثلاثة أوجه: الوجه الأول أن هذه الرائحة في الحقيقة تخرج من البطن والجوف، وليست من الفم، فسواء استاك الإنسان أو لم يستاك، فالرائحة باقية، الرائحة باقية، فلا حاجة لأن يقال: يكره لأن السواك لا يزيلها أصلا. والوجه الثاني أن المقصود من الحديث هو حصول الأجر بما ينال هذا الصائم من مشقة، ومنها حصول هذه الرائحة، وليس معناه أن من لم تحصل له هذه الرائحة نقص أجره لا. وثالثًا لو قدر أن هذه الرائحة تزول بالسواك، هل معناه أننا نفضي الرائحة الكريهة، وأن الإسلام يرضى بذلك؟ هذا لا يتصور، وليس بصحيح. بل الأدلة تدل على أن التطهر والتطيب مطلوب، قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله جميل يحب الجمال». وهل سنة السواك إلا لإزالة الرائحة الكريهة؟ ولكن يفهم من هذا أن ما يبتل به الإنسان يكتب له به الأجر، وليس معناه أن الإنسان يترك ما يبتل به لا. ولهذا وضع البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الجهاد بابًا ذكر فيه أجر من اغبرت قدماه في سبيل الله. ومن فقهه رحمه الله أتبع هذا الباب وذكر أحاديث الباب: «أن لا تمسهم النار» يعني قدمان اغبرت. ثم ذكر بعده بابًا آخر في غسل الغبار. سبحان الله، انظر إلى فقهه، يعني معناه: كون أن الأجر ورد في حصول الغبار ليس معناه أن نبقي الغبار نحافظ على الغبار ونتركه. وذكر الأحاديث الأخرى التي فيها مشروعية غسل مثل هذا الغبار. وإلا للزم على فهم هؤلاء العلماء أن الغبار يبقى حتى يبقى الأجر إلى متى يبقى؟ إلى ما شاء الله، وهذا ليس بصحيح. بل الصواب أن الأجر قد ثبت بحصول هذا الغبار، ويزال هذا الغبار، ولو أزيل ليس معناه أن الأجر ذهب لا، الأجر ثبت. وهنا يأتي التنبيه على قاعدة حصل بها اللبس عند بعض الصوفية بسبب عدم فهمهم لمثل هذه المسألة، وهي أن الأجر على قدر المشقة، وليست المشقة لأجل الأجر. يعني أن الإنسان إذا ابتلي في عمل من الأعمال وعبادة من العبادات بشيء من المشقة، فأجره على قدر مشقته. لكن ليس معناه أنه يبحث عن المشقة لأجل أن يحصل على أجر لا، هذا من التكلف. الأول جائز والثاني غير جائز، الثاني مذموم. فإجاعة النفس للحصول على الأجر هذا مذموم، ولبس الرث من الثياب للحصول على الأجر هذا مذموم لأنه تكلف. لكن الرجل فقير ابتلي وصبر له أجر. إنسان حج وتعب في حجه بسبب فقره بسبب الزحام له أجر. لكن إنسان يحج وهو يستطيع أن يحج بحال أحسن فيحج مثلًا ماشيًا ما يريد أن يركب يريد زيادة الأجر؟ يقال له: لا، ما لك زيادة أجر، أنت بهذا تتكلف. وهكذا نقول في هذا الموضع، فالخلاصة: السواك بعد الزوال لا شيء فيه، لا ينافي فضل خلوف فم الصائم والأجر ثابت والفضل ثابت، ولم يرد حديث صحيح صريح يدل على النهي عن السواك بعد الزوال. وقوله: «قال في الاختيارات» يعني شيخ الإسلام في كتاب الاختيارات، وهو رواية عن أحمد يعني جواز السواك بعد الزوال، وهي الرواية الصحيحة عنه. رواية أخرى بالنهي عنه، وهي إما رواية ضعيفة أو أنه تراجع عنها، كأن الصحيح المشهور عن هذا الذي ذكره شيخ الإسلام. وقوله: «وقاله مالك وغيره» يعني بجواز السواك بعد الزوال، خلافًا لما يروى عن الشافعي رحمه الله. والصحيح هذا لعدم ورود النهي في ذلك. طيب نكتب بهذا إن شاء الله هذا اليوم، وما بقي من وقت يسير نجعله لما يتيسر من الأسئلة. والله تعالى علم. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا سائل يقول: هل الخلاف بين العلماء في جواز دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح يعتبر من الخلاف الاجتهادي؟ وهل له حق من يقول أنه شبهة إذا استدل بفتوى الشيوخ أن دعاء الختم جائز؟ المسائل الخلافية كثيرة، وقسم العلماء الخلاف كما أشرت: منه ما يسوغ فيه الخلاف، ومنه ما لا يسوغ فيه الخلاف. ومما يسوغ فيه الخلاف ما يكون في المسائل الاجتهادية الظنية. فالعلماء فيه بين الأجر والأجرين، لكن ليس معنى ذلك أن مثل هذه المسائل تترك هكذا ولو علم الصواب من هذين القولين. العالم المجتهد الذي لم يتبين له الصواب هو بين الأجر والأجرين، لكن من بلغه الصواب فليس له أن يقول: أنا إن شئت أخذت بهذا وإن شئت أخذت بهذا. فالأمر واسع يقال: الأمر واسع لمن لم يتبين له أو لمن ظن أن هذا هو الصواب، فله بحسب ما تبين له. أما بعد العلم بالصواب فالواجب هو الرجوع للحق. ولهذا كان الأئمة يقولون: إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط. كما نقل عن الشافعي وغيره، أي معناه: فهم يعلمون أنهم قد يجتهدون أحيانًا ويخالف قولهم الصواب، فهم معذورون لأنهم بذلوا الوسع. لكن من تابعهم بعد علمه بالصواب هذا غير معذور. والمراد من هذا أن من تبين له الصواب لا ينبغي أن يستخدم الخلاف عكازًا يتكئ عليها لا. من تبين له الصواب وجب عليه أن يتابع الصواب في ذلك. ومع ذلك من لم يتبين له الصواب ورأى أن ما هو عليه والصواب ما نشدد عليه. وهذه المسألة من هذا الباب، دعاء ختم القرآن لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكل ما ورد فهو ليس بصحيح. فإذا اجتهد إنسان وقال: والله فلان من الناس صحح هذا، وفلان عنده دعاء ختم وكذا وكذا، وربما ذكر بعض الأحاديث الموقوفة عن أنس أو غيره، فهذا الذي لم يتبين له معذور، ما نشدد عليه. لكن إنسان تبين له أنه ليس هناك حديث صحيح، وفهم القضية تمامًا، فهذا يقال له: لا يصح لك بعد علمك بالصواب أن تهمش ما علمت وتساير الناس على حساب العلم الذي تعلمت، ما دمت علمت الصواب فاعمل بما هو صواب. اعمل بما هو صواب، والله تعالى أعلم. وهذا سائل يقول: ما حكم الصلاة في الطابق العلوي للمسجد، علما بأننا لا نرى الإمام المصلين في الدور الأرضي؟ إذا كان هناك ضرورة للصلاة في هذا الدور، فالضرورات تبيح المحظورات لضيق المكان ونحوه، فلا بأس. والأفضل والأكمل لا شك والأحوط أن يكون المأموم يرى الإمام حتى يحصل له تمام المتابعة له، خصوصًا وأنه قد يحصل أحيانًا انطفاء الكهرباء. فإذا لم يكن يرى المأموم الإمام، يحصل بذلك مشقة في مسألة المتابعة، بل يتعدر فيضطرون إلى الانفصال من الإمامة. لكن ما دام أن هناك وسائل تؤدي الغرض فإن شاء الله جائز، خصوصًا عند الضرورة. والله تعالى أعلم. وهذا السائل يقول: هل الشيعة كلهم كفار؟ وإذا لم يكون كلهم كفار، هل بعضهم كفار؟ وهل يدخلون في الاثنتين وسبعين الفرقة الهالكة؟ الجواب: الشيعة فرق كثيرة، وبعض هذه الفرق حكم عليها العلماء بالكفر بما في عقائدها ومنهجها من الكفر. والبعض والبعض والآخر والآخر هم ليسوا من الكفار، ولكن يدخلون في الفرق الضالة الاثنتين وسبعين التي وردت في الحديث أنها هالكة. والله تعالى أعلم. وهذه سائلة تقول: أخ فقير يريد أن يتزوج من أخت فهل توافق بالزواج منه لحسن خلقه؟ وهل كونه فقيرًا هذا عيب فيه؟ الجواب: الفقر ليس بعيب، فقد كان الكثير من الصالحين فقراء. لكن لابد أن يكون هذا الفقير عنده صدق في القيام بالمسؤولية، ليس فقيرًا عاجزًا وكسولًا يضيع هذه المرأة. فإن كان فيه معنى الرجولة والديانة التي معها يقوم بما يجب عليه مع هذه المرأة، فليس الفقر بعيب. وأما إذا كان رجلًا قليل الإحساس ضعيف القيام بالمسؤولية، فمثل هذا أصلا خلقه ناقص. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه فزوجوه». فمن ارتضي خلقه ودينه فيزوج. فالأصل أن الفقير إذا كان خلقه حسن فهو إن شاء الله سيقوم بما يجب عليه، يعني سيعمل لينفق على هذه المرأة بقدر ما يستطيع. وهي تصبر، والفقر ليس بعيد، لكن المشكلة أن بعض الناس ربما يكون عنده قلة استشعار للمسؤولية، فيقول مثلًا: هذه المرأة رضيت تتزوجني وأنا فقير، إذن ماذا معناه؟ تتركها بلا بيت بلا طعام بلا شراب بلا كسوة؟ لا، هذا غير صحيح. لكن تصبر على شدة العيش، تصبر مع زوجها، ودين الله وسط بين الغالي والجافي. والله تعالى أعلم. وبهذا ننتهي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.