الدرس في شرح السياسة الشرعية 22، الدرس الثاني والعشرون:من( فإن مدار الشريعة على قوله تعالى:فاتقوا الله ما استطعتم ... الذين يحشرون في توابيت من نار هم وأعوانهم وأشباههم ثم يقدفون في النار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك مفهوم التعاون على البر والتقوى وتخفيف المنكر، ويبين أن ذلك مشروط بعدم مخالفة الشرع. كما يستدل بقول الله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التعاون على الإثم والعدوان يكون عندما يعين الإنسان الظالم على ظلمه، أما إذا كان التعاون لتخفيف الظلم عن المظلوم فهذا جائز شرعا. هناك فرق بين إعانة الظالم وإعانة المظلوم.
يُناقش كيفية التعامل مع الظالمين وتخفيف الظلم، ويُشدد على أهمية عدم إعانتهم على ظلمهم. يُوضح أن من يعمل مع الظالمين يجب أن يخفف الظلم دون مقابل أو رشوة.
ينفي صحة خروج الشيخ محمد عبد الوهاب عن طاعة الدولة العثمانية، ويشير إلى وجود تفاصيل حول هذا الموضوع في ترجمة شيخ الإسلام. يُشير إلى أن هناك كلامًا طيبًا في هذا الباب يوضح ما وقع في زمان الشيخ محمد عبد الوهاب مع الدولة العثمانية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ثم لما سبق مر معنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مما لا يدخل في التعاون على الإثم والعدوان، وأنه مما قد يلتبس على بعض الناس ويظنه كذلك وليس كذلك. ما ذكره رحمه الله، قال: «وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كانت لعانة على إنفاقها بمصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وأصحابها وعلى المسلمين». ويضاف إلى ها هنا أن تخفيف الشر، وكذلك التعاون على الخير مشروط بأن لا يكون فيه ما ينافي الشرع، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: «فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، المفسر لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، ومعناه أن قول الله جل وعلا: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ مقيد بقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، فمن تقوى الله تخفيف الشر، وكذلك التعاون على الخير». فإذا كان لا يستطيع أن يفعل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا في حدود محدودة، فلا يعني أن يترك ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا صار من النهي عن المنكر تخفيف المنكر، وإن لم يزل بالكلية. قال: «وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». أخرجاه في الصحيحين. والشاهد منه في قوله: «فأتوا منه ما استطعتم». فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، كل ذلك مقيد بهذه النصوص». فالمعروف والأمر يؤتى منه ما استطاع، والمنكر يجتنب ما نهيت عنه، فاجتنبوه، وما أمرت به فأتوا منه ما استطعتم. وفرق بين قوله عليه الصلاة والسلام في المنكر والنهي: «فاجتنبوه»، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». فالمنكر في نفسك تجتنبه بالكلية، وفي غيرك فأنت تحاول إنهاءه بالكلية، فإن لم يستطع فلا أقل من تخفيفه. قال: «وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها». وفي نسخة: «وتعطيل المفاسد وتقليلها»، وهي بمعنى ذلك. بل الشرع يطلب تحصيل أعلى المصلحتين، كما سيأتي. قال: «فإذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع». وهذه كذلك قاعدة دلت عليها النصوص الشرعية. قال الله عز وجل: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾. سب آلهة المشركين من النهي عن الشرك، ومن النهي عن المنكر، لكن إذا كان ذلك سيؤدي إلى سب الله عز وجل والتطاول على حرمات الله، فتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. وهذا مثال ودليل لهذه القاعدة. وهكذا تحصيل أعلى المصلحتين، فإن استطاع المسلم أن يصل إلى أعلى المصلحتين فهو المطلوب، فإن لم يستطع فلا أقل أن يدرك الأدنى إن فاته الأعلى. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. قال رحمه الله: «والمعين على الإثم والعدوان منع الظالم على ظلمه، فهذا لا يجوز لما تقدم، ولا تعاون على الإثم والعدوان، والظلم ظلمات يوم القيامة». قال: «أما منع المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة فهو وكيل المظلوم، لا وكيل الظالم». منع المظلوم على تخفيف الظلم عنه، فهذا مطلوب شرعي، ولو كان الظلم لا يزول بالكلية، فكما سبق يخفف هذا الظلم. وقوله: «أو على أداء المظلمة»، يعني بأن يؤديها عن المظلوم ليخف الظلم عن المظلوم، فهو وكيل عن المظلوم، لا وكيل الظالم، لأنه لو كان وكيلا للظالم لم يجوز له ذلك. ولهذا كان تخفيف الظلم مشروط بشروط تجمل هذه الشروط بثلاثة شروط: الشرط الأول أن يتحقق من حصول الظلم وكون هذا المظلوم مظلوما حقا، لأنه قد يعين المظلوم يظنه مظلوما وهو ظالم. والشرط الثاني أن لا يؤدي إلى مفسدة وظلم أعظم. والشرط الثالث أن لا يكون علاج هذا الظلم بما حرم الله، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام. وليس من هذا الباب تخفيف المنكر، فتخفيف المنكر مطلوب شرعا. قال شيخنا رحمه الله معلقا على هذه العبارة: «قال: هذه العبارة تكتب بماء الذهب». المعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه فهذا ليس معينا على الإثم والعدوان. مثال ذلك الجمارك المكوس، لو قال إنسان: «أنا أريد أن أتوظف فيها من أجل التخفيف على الناس، لا من أجل ظلم الناس». قلنا: «لا بأس، إذا كنت تريد أن تتوظف من أجل التخفيف على الناس، فبدلا من أن يجعل الضريبة عشر في المئة، تأخذ أنت خمسة في المئة مثلا، أو تسمح عن بعض الأشياء التي يمكنك أن تسمح عنها، فهذا ليس معينا للظالم على ظلمه، بل معينا للمظلوم على تخفيف الظلم عنه». وكذلك أداء المظلمة إذا عان على أداء المظلمة أيضا لا بأس. وصورة أداء المظلمة تحتمل وجهين: الأول إذا عرفت أن هذا الشخص لا بد أن يؤخذ منه هذا الشيء، فهو مظلوم على كل حال، ويريد هذا المظلوم أن يمتنع، فقيل: «اذهب خذ منه كذا وكذا، وأنا أعرف أنه إذا ماطل سوف يعذب ويعاقب ويحبس، وفي النهاية سوف تؤخذ منه». فأنا أعينه على أداء المظلم عنه، ودفعها عنه بقدر الإمكان، هذا لا بأس به. قال: «والوجه الثاني أن يكون عند السلطان أموال ظلمها، وأنا أعينه على أدائها ولو بعضها، فهذا كأنه وكيل للمظلوم في أخذ حقه، لا للظالم». وكثير من طلبة العلم تخفى عليه هذه المسألة، يقول: «لا تفعل ولو كان ذلك لمصلحة المظلوم». وهذا في الحقيقة قصور نظر، فيقال: «لا تنظر إلى الشيء من جانب واحد، بل انظر إلى الشيء من الجانبين». صحيح أنك لا تحب أن يظلم الناس، ولا بدرهم واحد، لكن إذا بدونك سيظلم الناس بعشر الدراهم، وبوجودك بخمسة، صار في هذا تخفيف للظلم. ثم هو في الواقع مصلحة للمظلوم والظالم، فالظالم تخفف عنه الإثم، والمظلوم تخفف عنه المظلمة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا: «يا رسول الله، كيف يكون نصر الظالم؟» قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصر له». وهذا الباب له نظائر كثيرة، وأدلة من الكتاب ومن السنة فيما يتعلق بجميع أرباب الولايات والرعايات. فمن استطاع أن يخفف الشر فبقاؤه مطلوب شرعي. فمن القرآن مثلا قصة الخضر عليه السلام، قال الله عز وجل في قصة نبي الله الخضر حين خرق السفينة، وكانت لمساكين يعملون في البحر... إلى آخر القصة. أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا. فكونك تخفف الشر هذا مطلوب شرعي. وفي السنة له نظائر كثيرة، منها قصة النجاشي، فإنه ملك عادل، اشتهر عند الناس عدله قبل إسلامه وبعد إسلامه، فلم يترك الملك، ولو كان ترك الملك عليه واجبا كما قال العلماء لأمره به النبي عليه الصلاة والسلام، بل بقي ملكا يستتر بإسلامه وإيمانه، وهو ملك لأنه علم أنه لو أظهر إسلامه ربما قتل، وحصل للناس ظلم أكبر وأكثر. قال رحمه الله تعالى: «قال: فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم، بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم». يعني حتى لو أرسلك الملك أو السلطان أن تأخذ المال الظلم من هذا المظلوم، فأنت أنظر هل ذهابك سيكون فيه إذا كان فيه إعانة الظالم على ظلمه، أم فيه تخفيف الظلم عن المظلوم؟ فإن كنت لا تستطيع أن تخفف الظلم عن المظلوم، فإذن لا تتعاون على الإثم والعدوان. ننتبه لهذا، إن كنت لا تستطيع أن تخفف الظلم عن المظلوم، فلا تعين على الإثم والعدوان، لكن إذا كنت استطيع فتأتي مثلا المظلوم وتقول له: «أنا سأقف معك وسأعينك، فتأخذ منه بعض المال وتذهب به إلى هذا الملك الظالم، وتجعله يقنع به». هذا تخفيف للظلم، وهو مطلوب شرعي. قال: «مثال ذلك ولي اليتيم، الوقف إذا طلب ظالم منه مالا، فاجتهد في دفع ذلك بمال أقل منه إليه أو إلى غيره، بعد الاجتهاد التام في الدفع، فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل». يقول: وكيل اليتيم ووليه، والمسؤول عن الوقف، وأمثال هؤلاء إذا جاء من الظلم من يريد أخذ المال منهم بغير حق، فخفف فدفع القليل بدل من الكثير، فليس هو آثما لكونه دفع للظالم، لأنه لو امتنع بالمرة ربما أخذ الظالم كل المال. وننتبه هنا لمعنى وهو أن يبذل الجهد الحقيقي في دفع الظلم، ليس أن يسارع ويستجيب في تحقيق مطالب الظالم في ظلمه. فرق بين الأمرين. فرق بين إنسان يجتهد بالصدق بلسان الحال والمقال فيخفف الظلم، فهذا مأجور ومحسن، وما على المحسنين من سبيل. وآخر متساهل مضيع، وربما يعين على الإثم بتحقيق مطالب الظلمة، ثم يقول: «ما على المحسنين من سبيل»، ويقول: «أنا حاولت»، وهو بالحقيقة لم يحاول. قال: «وكذلك وكيل المالك من الدلالين والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يطلب منهم، لا يتوكل للظالمين في الأخذ، ولكن يجوز أن يتوكل عن المظلومين، حتى ولو كان موظفا عند الملك الظالم». فكونهم موظف عند الملك الظالم يخفف الظلم، هو مأجور إن شاء الله على هذا. وأما أنه يحقق الظلم ولا يخففه، فلا يجوز. طيب يأتي ها هنا سؤال، وهو: «إن قال قائل: أنا أعمل عند رجل ظالم، أخفف الظلم أحيانا، وأقع في إعانة هذا الظالم على ظلمه أحيانا، فهل بقاء معه صواب أم خطأ؟» الجواب: اجتمع الآن هنا حاضر ومبيح وحسن وسيئة، وإذا كان كذلك فيجب عليه أن يدرأ عن نفسه السيئة. فيقال: «كونك تخلط بين هذا وهذا، ولا تستطيع أن تمتنع من الظلم، هذا مانع لك من البقاء في مكانك». لأنك بهذا تعين الناس وتضر بنفسك بكونك تظلم وناس آخرين، فلا تكن كالشمعة تضيء لغيرها وتحرق نفسها. ولكن افعل ما أذن لك الشرع بفعله. قال رحمه الله: «كذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة، فتوسط رجل محسن بالدفع عنهم بغاية الإمكان، وقصتها بينهم على قدر طاقتهم، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء لا من المظلومين ولا من الظالم». ليس عنده رشوة لا من الظالم ولا من المظلوم، فإذا كان كذلك فهو محسن. قال: «لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد وآخذا ممن يريد، وهذا من أكبر الظلمة الذين يحشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم أشباههم، ثم يقذفون في النار». وقوله رحمه الله: «لكن الغالب كما ذكر رحمه الله، قل أن يسلم من يكون مع الظلمة من الظلم، حتى لو أراد أن يخفف الظلم، فالغالب ماذا يصنع؟» الغالب أنه يأخذ عوض على هذا التخفيف. وهذا حال أكثر الناس، إلا من رحم الله. يأتي فيخفف بعض المظالم، لكنه ليس بدون مقابل، لابد من مقابل. يأتي إنسان عنده ويقول: «أنا فرضت علي كذا وكذا»، يقول: «أنا أستطيع أأتي لك بأمر تخفيف، لكن كملي». قوله: «كملي»، يلحقه بما قال شيخ الإسلام: «أن يكون من أكبر الظلمة الذين يحشرون في توابيث من نار، هم وأعوانهم أشباههم، ثم يقدهون في النار». أما رجل محتسب يريد ما عند الله، يخفف عن الناس، لا يريد جزاء ولا شكور ولا منة ولا غير ذلك، إنما احتسب هذه الوظيفة، وهذا المكان الذي هو فيه، فهو من أعظم المجاهدين في سبيل الله، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، له أجر عظيم عند الله. وفرق بين الرجلين كالفرق بين السماء والأرض. هذا همته الآخرة، وهذا همته الدنيا. ولذلك الذي همته الدنيا لا يبالي يخفف أحيانا ويظلم أحيانا، ويأخذ من الملك أحيانا ويأخذ من المظلومين أحيانا، وهكذا تكون له صور وأوجه، وهو متخبط. قال: «نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم». يقول: «لو تعيد لنا شروط تخفيف الظلم». نعم، ثلاثة شروط: أن يتحقق كون المظلوم مظلوما، الثاني ألا يؤدي إلى مفسدة وظلم أعظم، الثالث ألا يكون علاج الظلم بما حرم الله، إنما عند الله لا ينال بالحرام. يقول: «هل يجوز الكلام بعد أذكار النوم؟» الأفضل أن يكون آخر شيء. يقول: «قوله: فعليه هو أن يفعل بها ذلك، هل المراد به السلطان أو ذلك الظالم؟» ننظر أين هذا: «فعليه». قال: «وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها ذلك». فعليه هو أن يفعل بها ذلك، يعني إذا كان غير السلطان كما وضح في الشرح، فعليه أي على السلطان أن يردها، فإذا لم يردها السلطان، فعلى من يستطيع أن يردها من صاحب المعروف والإحسان، فهذا مطلوب. يقول: «هل صحيح أن الشيخ محمد عبد الوهاب خرج عن طاعة الدولة العثمانية؟» لا، ليس بالصحيح، وهناك كلام طيب في هذا الباب في ترجمة شيخ الإسلام، ذكرت محمد عبد الوهاب وتفصيل ما وقع في زمانه رحمه الله مع الدولة العثمانية. إلى هنا والله تعالى أعلم.