الدرس في وقفات مع العام الجديد، وكانت بمسجد الفاروق بالمعيان الجمعة 2 محرم 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع فضائل مجالس الذكر وتلاوة القرآن في بيوت الله، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة والرحمة وحفوف الملائكة. ويشير إلى أن تعلم آية واحدة خير من ناقة عظيمة، مما يحث على الإقبال على هذه المجالس.
يؤكد المقطع أن الدنيا دار امتحان لا يستقر فيها حال، ويتقلب الإنسان فيها بين النعم والنقم، وأن تعاقب الليل والنهار دليل على زوالها. ويحذر من الاغترار بزخارفها الفانية داعياً إلى التفكر في آيات الله والاستعداد للدار الباقية.
يدعو المقطع إلى محاسبة النفس قبل يوم الحساب وإخلاص العمل لله مع مراقبته في السر والعلانية. ويوضح أن أعلى مراتب العبادة هي الإحسان بأن يعبد العبد الله كأنه يراه، فإن لم يبلغ ذلك فمرتبة المراقبة، مما يضمن الفوز بالسعادة والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة في الله، أولاً: بادئ ذي بدء، وقبل كل شيء، نحمد الله عز وجل الذي جمعنا وإياكم في مثل هذا المجلس المبارك إن شاء الله، في حلقة من حلق الذكر، ومجلس من مجالس العلم، نجتمع على كتاب الله عز وجل وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما ينبغي علينا أن نعلم أن مثل هذه المجالس لهي من أعظم ما فنيت فيه الأعمار واستغلت فيه الأوقات، فهي تعتبر من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل. هذه المجالس يا عباد الله التي يحبها ربنا عز وجل ويرضاها لعبيده، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يرغب أصحابه رضي الله تعالى عنهم في مثل هذه المجالس، ويحثهم على الحرص عليها واستغلالها واغتنامها. ومن ذلكم أيها الإخوة في الله ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». أربع مزايا وفضائل ومناقب جعلها ربنا جل وعلا لمثل هذه المجالس: السكينة التي هي انشراح الصدر وطمأنينة القلب، نعم تتنزل على أهل هذه المجالس. وهكذا أيضا الرحمة من الله عز وجل التي لا غنى للعبد عنها ولا يستطيع أن يعيش بدونها، نعم تعم الحاضرين الجالسين المستمعين لمثل هذه المجالس. وهكذا أيضا أيها الإخوة في الله أن الملائكة تحف هذه المجالس بأجنحتها، وما ذاك إلا محافظة وإحاطة وعناية بأصحاب هذه المجالس، كما أنها من تواضعها، نعم تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ورضا بما يطلب. وهكذا أيضا أيها الإخوة في الله أمر وهو أن الله عز وجل يذكر أهل هذه المجالس فيمن عنده، يذكرهم في الرفيق الأعلى عند الملائكة المقربين منه سبحانه وتعالى. هذه فضائل ومناقب لا تجدها أخي في الله في غير هذه المجالس، لو جلست في بيتك أو جلست في السوق أو جلست على أرصفة الطرق وفي غير ذلك من الأماكن والبقاع، لا تجد مثل هذا الخير ولا تجد مثل هذا الفضل إلا في مثل هذه المجالس. ولهذا أيها الإخوة في الله ينبغي علينا أجمع أن نهتم بهذه المجالس، وأن نجعل لها مكانا في قلوبنا، وأن نبذل الغالي والنفيس في ماذا؟ في الحرص على مثل هذه المجالس، فهي والذي نفسي بيده خير لنا من الذهب والفضة، خير لنا من الدور والقصور، خير لنا من الحدائق والمزارع التي يتنافس من أجلها الناس ويتقاتل من أجلها الناس. خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما على أصحابه كما في صحيح مسلم أيضا من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، قال: وكان رجلا من أهل الصفة، وأهل الصفة هم فقراء المهاجرين الذين ليس لهم بيت، وهكذا ليس لهم أموال، وإنما كانوا يأوون إلى المسجد. خرج نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما عليهم فقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم يحب أن يغدو إلى العقيق أو إلى بطحان؟» موضعان قريبان من المدينة، قال: «فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم». ومعنى قوله: «ناقتين كوماوين» أي عظيمتي السنام الذي يكون على ظهرها، والناقة كل ما كان سنامها عظيما وكبيرا كل ما كانت نفيسة، وكل ما كانت نعم باهظة الثمن. قال: «فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم». قال الصحابة رضي الله عنهم: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: «فلا أن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية فهي خير له من ناقة». آية واحدة يا عبد الله تخرج من بيتك فتأتي إلى المسجد فتتعلمها، ليست مثل ناقة، وإنما خير لك من ناقة. كم سعر الناقة اليوم؟ سعر الناقة اليوم أكثر من ثلاثمائة ألف، ويوم أن تتعلم آية واحدة خير لك من أن تعطى ناقة، تذهب إلى السوق مثلا تبيعها بكذا وكذا من الآلاف. قال: «فيتعلم آية فهي خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث يعني آيات خير له من ثلاث يعني نوق، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل». هذا يدلنا يا عباد الله أننا قد تفوتنا أجور عظيمة، ويفوتنا خير كثير، نعم، بسبب تضييع وعدم الحرص على مجالس العلم وعلى حلق القرآن التي تقام في بيوت الله عز وجل. نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له من الجنة نزلا كلما غدا أو راح». النزل الذي يهيأ للضيف إذا قدم على مستضيفه، وربنا سبحانه وتعالى يعد لمن غدا إلى المسجد أو راح نزلا في الجنة، نزلا في الجنة لهذا العبد كلما غدا أو راح. فعلينا أيها الإخوة في الله أن نهتم وأن نحرص، وأن تكون مجالس العلم وحلق القرآن محببة إلى قلوبنا، وهكذا تنشرح لها صدورنا، ونحرص عليها غاية الحرص. ثم كذلك أيضا أيها الإخوة في الله مما ينبغي علينا أيضا أن نعلمه أننا في هذه الدنيا في دار ممر وعبور، وفي دار ابتلاء وامتحان، يبتلي الله عز وجل ويمتحن عباده بأنواع من الابتلاءات، يبتليهم الله عز وجل إما بالخير وإما بالشر، إما بنعمة وإما بمصيبة. يقول ربنا جل وعلا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. هذه الدنيا يا عباد الله هي دار الابتلاء وهي دار الامتحان، هي دار النصب والتعب، دار يا عباد الله لا يستقر فيها العبد على حال، وإنما يتقلب فيها من حال إلى آخر، فهو يتقلب فيها بين صحة ومرض، وبين غنى وفقر، وبين قوة وضعف، وبين نشاط وفتور، وبين شباب وهرم وشيخوخة، بل وبين حياة وموت، فلا يستقر فيها على حال، ولا يدوم فيها على حال واحد، فدوام الحال من المحال كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ونحن في هذه الأيام نستقبل عاما ونودع آخر، نستقبل عاما جديدا ولا نعلم ماذا كتب لنا فيه، وهكذا ودعنا عاما والله أعلم بما عملنا فيه من خير وشر، وهل نحن ممن ازداد قربا إلى الله عز وجل وازداد فيه أجور وحسنات. ذهب العام القديم بما عملنا فيه من أعمال وما فعلنا فيه من خير أو شر. ومع انصرام هذا العام وذهاب هذا العام ينبغي علينا أيها الإخوة في الله أن نتفكر وأن ننظر، وأن لا تمر علينا هذه الأحداث وهذه السنوات مرورا من غير اعتبار ومن غير تدبر. تأمل يا عبدالله فيما يجري من حولك من آيات عظيمة، آيات كونية تراها بأم عينيك، وهكذا تشاهدها. تأمل يا عبدالله في ذهاب الليل والنهار، تأمل يا عبدالله في توالي الليالي والأيام، وهكذا تعاقب الشهور والأعوام. تأمل في ذلك، فإن الله عز وجل قد جعل الليل والنهار خزائن للأعمال ومراحل للآجال، يعمرها الناس بأعمالهم خيرها وشرها، خيرها وشرها، حتى تنتهي بهم الآجال وتنقضي بهم الأعمار، وينتقلوا من هذه الدار إلى دار القرار، إلى دار القرار. تأمل يا عبدالله في الشمس والقمر اللذين هما آيتان عظيمتان من آيات الله عز وجل الكونية، وكيف أن الله عز وجل يدبر هذا الكون من غير اختلاف ولا اضطراب. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. ويقول جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. لقد جعل الله عز وجل مثل هذه الآيات حتى نعتبر بها وحتى نتعظ بها، وهكذا أيضا نستعين بها في معرفة السنين والحساب، فالشمس والقمر يعرف بهم العبد حساب الشهور والأعوام، وهكذا معرفة الفصول، فالشمس يعرف بها الفصول، وهكذا القمر يعرف بها الشهور والأعوام. ولهذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال الإمام الحافظ المفسر أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: قال أي يجريان متفقين بحساب مقنن لا يضطرب ولا يختلف، لا يضطرب ولا يختلف. نعم، ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. أيها الإخوة في الله، نحن في كل يوم نشاهد ليلا ونهارا، نشاهد ليلا ونهارا، وهكذا موتا وبعثا. ولهذا أيها الإخوة في الله نجد أن الله عز وجل سمى النوم بالليل وفاة، واليقظة بالنهار بعثا ونشورا، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فهذه أمور يا عباد الله توجب علينا أن نتفكر في خلق الله عز وجل وفي هذه الآيات العظيمة التي تمر بنا ليلا ونهارا، وهكذا تعاقب هذه الأيام وهذه الأشهر والأعوام. وهذا يدلنا على أمور، منها: أولا أن بذهاب هذه الأيام وهذه الليالي وهذه الأعوام والسنوات والأشهر يؤذن بذهاب هذه الدنيا وأنها دار زوال، وليست الدار إقامة أبدية ولا حياة سرمدية. هذه الدنيا يقضي فيها الإنسان ما شاء الله له أن يقضي ثم تذهب ويذهب، تذهب هذه الدنيا وتزول، وتأتي الباقية، تأتي الآخرة، تأتي دار الإقامة الأبدية والحياة السرمدية. ولهذا وصف الله عز وجل هذه الدنيا بأنها متاع الغرور، فقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وهكذا وصفها ربنا جل في علاه بأنها متاع، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. وضرب الله عز وجل لنا في هذه الدنيا الأمثلة البليغة التي تدل على أنها دار غرور، وعلى أنها يغتر بمنظرها وبزخارفها وبشهواتها وملذاتها كثير من الناس، كثير من الناس. فقال الله عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. وفي الآية الأخرى قال الله عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ * حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ * كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. هذا هو حقيقة هذه الدنيا، هذا هو الذي ينبغي أن يعلمه المؤمن ويعلمه المسلم، فلا يركن إليها ولا يغتر بها ولا ينشغل بها عن الدار الآخرة، عن دار القرار ودار الإقامة الأبدية. ولهذا أيها الأحبة في الله، ربنا جل في علاه يذكرنا دائما وفي كثير من الآيات أن الدنيا لا ينبغي أن تقدم على الآخرة، ولا ينبغي أن ينشغل بها العبد عن الطاعات وعن العبادات وعن عمارة الآخرة. يقول ربنا جل في علاه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. ويقول سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. أيها الإخوة في الله، وهكذا أيضا مضي الليالي والأيام وتعاقب الشهور والأعوام والأعوام يذكرنا بأمر وهو أمر عظيم، وهو أنه في ذهاب هذه الأيام والليالي والشهور والأعوام اقتراب لك من أجلك، وأجلك يقترب منك، وكلما مضى بعض أجلك وكلما مضى بعض أمرك كلما ذهب بعضك يا عبدالله، فما أنت إلا أيام وليالي وسنوات تقضيها في هذه الدنيا ثم بعد ذلك لا بد من الرحيل ولا بد من الانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة، إلى الدار الآخرة. تمر علينا الأعوام عاما بعد عام وشهرا بعد شهر، نعم، أفلا نعتبر بذلك؟ أفلا نفكر فيما ينتظرنا من مستقبل عظيم؟ أيها الأخ الكريم، إنه ينتظرك موت وسكراته، ينتظرك قبر وظلماته، ينتظرك قيامة وأهوالها، ينتظرك جنة ونعيمها أو نار وجحيمها، ينتظرك يا عبد الله صراط وميزان، ينتظرك حساب وجزاء بين يدي الله عز وجل. فقل لي بربك ماذا أعددت لهذا؟ ماذا أعددت لهذا؟ ماذا قدمت بين يديك؟ حاسب نفسك قبل أن تحاسب، حاسب نفسك يا عبد الله قبل أن يأتي يوم لا يكون فيه إلا الحساب وليس هناك مجال للعمل. ولهذا أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، قبل أن توزنوا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل». ﴿غَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ﴾. أعد لنفسك يا عبد الله أعمالا تنفعك يوم تعرض على الله عز وجل، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. هذه الأيام الخالية يا عبد الله التي تمر علينا سريعا وتذهب علينا سريعا، ترى ماذا عملنا فيها وبماذا استغللناها وبماذا عمرناها؟ هل نحن ممن يقال له يوم القيامة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾؟ يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. هذه آية عظيمة يا عبد الله فيها ربنا جل وعلا يأمر عباده بأن يفكروا ويحاسبوا أنفسهم، ماذا أعدوا ليوم عظيم، ومن قرب ذلكم اليوم أن الله عز وجل جعله كالغد، الغد، ولهذا قال التابعي الجليل وإمام التفسير قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى: «ما زال الله عز وجل يقرب لنا الآخرة حتى جعلها كالغد». والغد كما هو معلوم اليوم الذي يلي هذا اليوم، وهذا يدل على أنه قريب وعلى أنه سريع مجيئه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. أيها الإخوة في الله، أمر المحاسبة عظيم، محاسبة هذه النفس على ما عملته من أعمال وما اغترفته من أمور. حاسب نفسك يا عبد الله قبل أن تعمل العمل وبعد أن تعمل العمل. فقبل أن تعمل العمل انظر يا عبد الله وتفكر في هذه الأعمال: أهي مما يحبها ربنا عز وجل ويرضاها لخلقه وعبيده؟ فإن كان الأمر كذلك، أي أنها مما يحبه الله ويرضاه، فانظر أيضا نظرة أخرى وهي في نفسك: هل أنت في عملك هذا تبتغي وجه الله عز وجل وترجو الدار الآخرة؟ هل أنت بعملك هذا ترجو الأجر والثواب من الله عز وجل أم أنه لنيل مآرب أخرى وتقاضي أغراض أخرى من مال أو منصب ووجاهة أو ثناء أو غير ذلك؟ فإن كان من أجل الناس وثنائهم أو من أجل جمع الأموال وتحصيل الوجاهات ونحو ذلك، فاتق الله يا عبد الله، فاتق الله يا عبد الله، وتوب إلى الله سبحانه وتعالى، واعلم أن هذه العبادات لا ينبغي أن تصرف إلا لله عز وجل، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. وإن كان قصدك الله عز وجل والدار الآخرة فأقدم يا عبد الله على هذا العمل وعلى هذه الطاعة والعبادة، فهذا من مقامات المحاسبة، من مقامات المحاسبة. وهكذا بعد أداء العمل حاسب نفسك وانظر: هل أديت هذا العمل على الوجه المطلوب الذي أمرك الله عز وجل به؟ هل أديت هذا العمل بأركانه وشروطه وواجباته ومستحباته حتى يكون مقبولا عند الله عز وجل؟ نعم، فهذا من مقامات المحاسبة بعد أداء هذه الأعمال واغتنامها. وهكذا أيضا أيها الإخوة في الله، يقول ربنا جل وعلا وهو يبين لنا أنه ينبغي على العبد أن يحاسب نفسه وأن يراقب الله عز وجل، فإن المراقبة أيضا من مقامات المحاسبة. قال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ونبينا عليه الصلاة والسلام أيضا يعلمنا أنه ينبغي علينا أن نحاسب هذه النفس وأن نعلمها أن الله عز وجل رقيب علينا فيرى ما نفعل ويسمع ما نقول. جاء عند أصحاب السنن من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». «رفعت الأقلام وجفت الصحف». وجاء عند الترمذي وغيره من حديثي أبي ذر جندب بن جنادة، وهكذا من حديثي أبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». «وخالق الناس بخلق حسن». فهنا لا بد على العبد أن يراقب الله عز وجل في جميع أفعاله وحركاته وسكناته، إذا كان أمام الناس أو كان خاليا لوحده، سواء كان بالليل أو النهار، سواء كان في الفرح أو الحزن، في النشاط أو الفتور: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وفي مسلم من حديث عمر في مجيء جبريل عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا سؤاله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، فكان مما سأل عنه قال: «أخبرني عن الإحسان». قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فهذا أيضا يدل على أن أعلى المقامات وأعلى المراتب هو مرتبة الإحسان، وذلك أن العبد يعبد الله عز وجل ومن شدة عبادته وهكذا أيضا علمه بالله ومراقبته لله فهو يعبد الله كأنه يراه سبحانه وتعالى وكأنه ينظر إلى الله، فإن لم يكن كذلك ولم ينل هذه المنزلة وهذه المرتبة، أي مرتبة المشاهدة، ينزل إلى المرتبة التي بعدها ألا وهي مرتبة المراقبة، قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي أنه سبحانه وتعالى رقيب على خلقه مطلع عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، فيرى ما يفعلون ويسمع ما يقولون، ويسمع ما يقولون. أيها الإخوة في الله، وقفات لا بد منها بين هذا العبد وبين نفسه هذه التي بين جنبيه. حاسبها يا عبد الله ما دمت لازلت في هذه الدنيا. عاتب هذه النفس إذا رأيتها مقصرة، إذا رأيتها تحب المعاصي والذنوب وتميل إلى الملاهي والشهوات، لا تترك لها الحبل على الغارب، لا تتركها يا عبد الله تفعل ما تريد وتصنع ما تشاء، وإنما ألزمها وقيدها بما يحب الله عز وجل فتفعله وتمتثله، وهكذا باجتناب ما يبغضه ربنا جل وعلا، وهكذا ما لا يحبه ربنا سبحانه، فاجعلها تبتعد عنه، واجعلها تكون بعيدا عن ذلك، فإن هذا دليل على السعادة ودليل على التوفيق والفوز عند الله عز وجل. فلا بد من المحاسبة قبل فوات الأوان وقبل أن يندم العبد لكن في ساعة لا ينفع فيها الندم، لا ينفع فيها الندم، وهكذا لا تنفع عندها الحسرات. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا وأن يعلمنا الذي ينفعنا. وأستسمح أخي في الله أبا يوسف حفظه الله تعالى في أني أخذت جزءا لا بأس به من وقت المحاضرة، وما هذه الكلمات إلا مشاركة في محاضرة أخينا في الله ومن نحبه في الله، ونسأل الله عز وجل أن يجمعنا وإياه وإياكم جميعا في مقعد صدق عنده سبحانه في جنة عرضها كعرض السماء والأرض، وأن يجعلنا من عباده المتقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله