دروس مستفادة من مدرسة رمضان

المحاضرة بعنوان دروس مستفادة من مدرسة رمضان، ألقاها

مدرسة رمضان: التقوى غاية الصيام والاستمرار على الطاعة

يوضح الدرس أن رمضان مدرسة تربوية كبرى غايتها تحقيق التقوى كما دلت الآيات، محذراً من انقضاء الشهر دون مغفرة أو تغير حال. ويؤكد أن ثمرة الصيام الحقيقية تتمثل في الاستمرار على الطاعات وترك المعاصي بعد رمضان.

الصبر وأقسامه الثلاثة في مدرسة الصيام

يستعرض المقطع أقسام الصبر الثلاثة التي يربيها الصيام: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار، مستدلاً بالحديث القدسي «الصوم لي وأنا أجزي به». ويبين أن الحلم الحقيقي يظهر عند الغضب اقتداءً بهدي النبي ﷺ في قول «إني صائم» وصفات المتقين.

الحلم العملي والمسارعة للخيرات والجود النبوي

يبرز المقطع التحلي بالحلم العملي اقتداءً بالله ورسوله من خلال مواقف عملية من السيرة، ويؤكد على وجوب المسارعة إلى الخيرات والاجتهاد في الطاعات. ويستعرض جود النبي ﷺ في رمضان وحثه على الصدقة حتى بالقليل لاستغلال الشهر قبل فوات الأوان.

الختام بالصلاة على النبي والدعاء للحضور

يختتم المتحدث درسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين. ويدعو للحضور بالخير والجزاء الحسن والتوفيق لما يحب ويرضى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: فكما يعلم الجميع أن هذا هو مقام درس أخينا الفاضل أبي هاشم حفظه الله تعالى، وكنا نحب جميعًا أن نستمع لدرسه، لكن هذه مشاركة وكذلك أيضًا تلبية لدعوة إخواننا حفظهم الله تعالى. حديثي معكم أيها الإخوة في الله حول مذاكرة عن بعض الدروس المستفادة من مدرسة رمضان، دروس مستفادة من مدرسة رمضان. أولًا: ينبغي علينا أن نعلم أن من نعمة الله تبارك وتعالى علينا جميعًا أن وفقنا وبلغنا لإدراك هذا الشهر العظيم، ومتعنا بالصلاة والصيام والقيام، وهكذا غيرها من الطاعات والعبادات في هذا الموسم المبارك. وهذه النعمة هي كغيرها من النعم التي نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله تبارك وتعالى. ولهذا فإن الموفق هو الذي يستغل هذه الأوقات وهذه الأيام والليالي فيما يُقرِّبه من ربه تبارك وتعالى، يزداد فيها أجره، وهكذا يتخلَّص من الذنوب والخطايا التي لربما كان قد جناها في أيامٍ سابقة. وأما الذي يدخل عليه رمضان ويَخْرُجُ رَمَضَان وَلَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ وَلَمْ يَتَحَسَّنْ وَضْعُهُ وَلَمْ يَزْدَدْ عَمَلُهُ الصَّالِحِ، لم يتخلَّص من الذنوب والسيئات، ألا فليعلم أن هذا يُعتبر علامةً على الخسارة، وهكذا الهوان والذل الذي يعيشه ذلكم المفرِّط. ودليل هذا ما جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رغم أنف امرئن دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يُغفر له، ورغم أنف امرئن دخل عليه رمضان ثم خرج أي رمضان ولم يُغفر له». أيها الإخوة في الله، رمضان مدرسة عظيمة يتعلم فيها المسلم الدروس النافعة والخصال الحميدة. في رمضان فرصة عظيمة كي نتخلَّص من الذنوب، وكي نتخلَّص من العيوب، فيخرج هذا المسلم من رمضان صافيًا خالصًا نقيًا. وهذه ثمرة عظيمة يُوفَّق لها من شاء الله تبارك وتعالى من خلقه وعبيده. ودروس الصيام كثيرة، والخصال المستفادة من خلال أيام وليالي رمضان عظيمة، لكن حسبي في هذا المقام أن أشير بعض الإشارات إلى بعضها، على الله عز وجل أن يجعل لها آذانًا سامعة، وهكذا قلوبًا وعيَّة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. فمن هذه الدروس العظيمة: أولاً التحلِّي بتقوى الله عز وجل، التحلِّي بتقوى الله عز وجل. وكلنا يعلم أن التقوى هي الغاية أو هي الحكمة من فرضية الصيام. وربنا تبارك وتعالى قد قال في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. بدأ آيات الصيام بالتقوى، وهكذا أيضًا ختمها بالتقوى. وبهذا نعلم أن الحكمة من فرضية الصيام أن نتحلَّى بهذه الصفة العظيمة التي عليها مدار سعادة الدنيا، وهكذا نعيم الآخرة. والتقوى كما عرفها أهل العلم بعبارات متنوعة وتعاريف متقاربة، ومن أجملها وأجمعها ما جاء عن طلق بن حبيب رحمه الله تعالى قال: «أن تعمل بطاعة الله عز وجل على نور من الله ترجو ثواب الله، وتجتنب معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «أبدع وأوجز، كلام بديع». وهكذا أيضًا بعبارات أو بعبارة موجزة: فإذًا مدار التقوى العمل بأوامر الله تبارك وتعالى واجتناب نواهيه عز وجل. ولعل أكثرنا أو لعل أكثرنا يلاحظ هذه الخصلة التي لربما توجد عند كثير من الصائمين: الشر يقل في أيام الصيام. بل بعض الناس لربما يستغرب من حاله، يقال: يا أبا فلان أين الشر؟ أين المصائب التي كنت تفعلها؟ يقول لك: عيب رمضان، أنا صائم. إلى غير ذلك مما يدل على وجود تقوى عند ذلك الصائم. والناس في هذا الباب بين مستقل ومستكثر، كلاً بحسبه، كلاً بحسبه. وهذه خصلة عظيمة تستفاد من مدرسة رمضان. وكذلكم أيضًا من مدرسة الصيام: الإقبال على الطاعات والعبادات. تجد أن الذي كان مفرطًا لربما في شعبان في إدراك التكبيرة، تكبيرة الإحرام مع الإمام، لربما في أيام رمضان لا يؤذن المؤذن إلا وهو في المسجد، إلا وهو في المسجد. الذي كان بعيداً عن القرآن، بعيداً عن ذكر الله تبارك وتعالى، تجد أن نفسه مقبلة على هذا الخير خلال أيام وليالي هذا الشهر العظيم. وليس معنى هذا أنه إذا ولّى رمضان وانتهت أيامه ولياليه يترك ما كان عليهم من الخير ويعود إلى حاله الأول. لا يا عبد الله، ليس هذا المقصود. وإنما المقصود أن رمضان يعتبر كمحطة تتزود فيها، ومن أعظم ما تتزود فيها أنك تتزود بتقوى الله عز وجل. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. آذى الزاد لعلّه يكفيك إلى رمضان القادم، إذا جاء رمضان الثاني تزودت لمثله، وهكذا تمر عليك السنوات وأنت في خير مع الطاعة وبعيداً عن المعصية، وبعيداً عن المعصية. وليس كحال ذلكم القائل: «رمضان ولّى فهاتها يا ساقي، مشتاقة تدعى أو ماذا تدعى إلى مشتاقي». لا، قد يبطل بعض الناس بعض الأمور السيئة: كان ممن ابتلي بأكل القات، جاء رمضان قال: خلاص شهر عبادة، شهر صيام، شهر صلاة. لكن بمجرد ليلة العيد أو يوم العيد سرعان ما يعود إلى ما كان عليه قبل رمضان. هذا عاجز يا إخوان، وهذا ما استفاد من رمضان حق الفائدة. أيضًا آخر لربما كان مبتلى بالسجائر، ثالث مبتلى بالتمباك، رابع مبتلى بحلق اللحى، خامس مبتلى بسماع الغنى، سادس لربما قلبه معلق بالأفلام والمسلسلات وغيرها. لا يا عبد الله، رمضان يعتبر محطة كي تتزود منها لما بعد رمضان، لما بعد رمضان. وهكذا أيضًا إخواني في الله من هذه الدروس العظيمة المستفادة من مدرسة الصيام، مدرسة رمضان: الصبر. الصبر والصبر يظهر جلياً في هذا الشهر المبارك، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر، بشهر الصبر. والصيام مداره كذلكم على الصبر. ولهذا ربنا عز وجل قال في الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وفي حديث أبي هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». قال العلماء: هذا الأسلوب الذي في الصوم والذي كذلكم أيضًا في الصبر يدل على عظيم الجزاء وكثرة الثواب عند الله تبارك وتعالى. رمضان يتعلم فيه الصائم أنه يصبر، والصبر بجميع أقسامه الثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله تبارك وتعالى، على أقدار الله تبارك وتعالى. الصلاة تحتاج منك إلى صبر، وأمر أهلك بالصلاة واستبر عليها، سواء كانت الصلوات الخمس المفروضة أو كانت صلاة التراويح، أو كانت صلاة التراويح، ولا سيما مع هذا الحر الذي نعيشه، وهكذا تقطع الكهرباء الذي نعانيه إلى غير ذلك. لا بد أن نتحلى جميعاً بالصبر، لا بد أن نتحلى جميعاً بالصبر: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على قدر الله تبارك وتعالى. وبالنسبة للصبر على الطاعة: فكم الواحد إذا أخذ المصحف كي يقرأ لربما نفسه تنازعه، ولربما كذلكم أيضًا شياطين الإنس أيضًا ينازعونه، فلربما أرادوا أن يحولوا بينه وبين استمراره في الخير، فهو يصبر نفسه، وهكذا يقوي عزيمته على أن يستمر على الخير وأن يتزود من هذه الأعمال الصالحات. أيضًا لربما مع الحر ومع الجوع والعطش قد تكون نفسية هذا المسلم سريعة الانفعال وشديدة الغضب، وشديدة الغضب. ولهذا بعض الناس سرعان ما ينفعل، ما لك يا أبا فلان؟ قال: صائم. لا يا عبد الله، الصوم يهذب هذه النفوس، وهكذا أيضًا يحسن هذه الطباع التي عند هذا المسلم. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعلمنا فيقول: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، في بعضها: ولا يجهل. فإن سابه أحد أو قاتله، ماذا يصنع؟ هل يرد السباب بالسباب والمخاصمة بالمخاصمة والمضاربة بالمضاربة؟ قال: فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». وهذه كلمة عظيمة يا إخوان، ومفادها أن الصوم هو الذي يمنعني من أن أقابل السباب بالسباب والخصام بالخصام. وهذا يصحح مفهوم عند كثير من الناس: أن الشخص إذا كان صائمًا ما في أحد يتعرض له، ولا في أحد يزعله، ولا في أحد يستفزه لأنه سريع الغضب وسريع الانفعال. أبداً يا عباد الله، وإنما الصوم يدعونا إلى التحمل وإلى ضبط النفس. وهذا يجرنا إلى فائدة أخرى ودرس ثالث: ألا وهو ما يتعلق بالحلم، أن يكون المسلم حليمًا. وهذه الخصلة يا إخوان اليوم لربما قلت عند كثير من الناس: العافين عن الناس، وهكذا الذين عند الغضب يغفرون لإخوانهم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَى وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ﴿فَمَنْ عَفَى وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ما صفاتهم وما حالهم؟ قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذه هي صفات المتقين، هذه هي أخلاق الصائمين، هذه هي أخلاق الصائمين: الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ. قد يستفزه غيره، لربما خرج إلى السوق يستفز من قبل سائق سيارة، أو من قبل بعض الباعة، أو من قبل غيرهم ممن يلقاهم في السوق، بل لربما في المسجد يستفز، في البيت يستفز. فماذا؟ فربنا عز وجل يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. ليس كظما للغيظ فحسب، بل وزد على هذا عفو وصفح عمن أساء إليهم وأخطأ في حقهم. والعلماء يعرفون الحلم بأنه: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب. إذا هاج الغضب، ولربما إن فعل الشخص هنا يأتي دور هذه الصفة وهذا الخلق: هل يضبط نفسه أم لا يضبط نفسه؟ وأما في أحوال الرخاء فلربما الكل لا يسمع منه إلا الكلام الطيب والعبارات الحسنة. لكن إذا أردت أن تختبر أخاك وما عنده من خلق وحلم، فانظر إليه في حالة الغضب: إذا غضب كيف يتصرف وكيف يتعامل مع الآخرين؟ لهذا ذكر عن لقمان رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «ثلاث لا تعرف إلا في ثلاث: لا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا يعرف الحليم إلا عند الغضب، إلا عند الغضب، ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة إليه». أخوك معك يمشي، يذهب، يخرج إلى غير ذلك، فيوم من الأيام تحتاج إليه، تقول له: يا أبا فلان عندك حاجة كذا، هنا تظهر مدى عظيم الأخوة التي بينك وبينه، التي بينك وبينه. قال: «ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة إليه، عند الحاجة إليه». لهذا مسألة أهمية أن يكون الشخص حليماً هذه ظاهرة في كتاب الله تبارك وتعالى وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. فربنا عز وجل سمى نفسه، سمى نفسه بالحليم. فربنا عز وجل ماذا يحلم عن عباده؟ انظر إلى هذا العبد كيف يعصي ويتمرد، بل من العباد من يسب الرب والدين، وربنا عز وجل يرزقه ويعافيه، مع أنه تبارك وتعالى قادر على أن يعجل له العقوبة في الدنيا: تنزل عليه صاعق من السماء، أو يأمر الأرض أن تبتلعه، أو بعض السباع أن تفترسه، أو غير ذلك. الله تبارك وتعالى قادر، لكنه حليم، يؤخر العقوبة لعله يتوب، لعله ينيب، لعله يندم، لعله يستغفر. فإذا ندم وعاد وتاب واستغفر فإن الله تبارك وتعالى يقبل هذه التوبة ويغفر الذنوب جميعا، بل أعظم من ذلك أنه يبدل هذه السيئات إلى حسنات، إلى حسنات. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته العظيمة أنه كان حليماً، أنه كان حليماً. ولا أدل على ذلك مما حصل في يوم الفتح، يوم أن ملكه الله تبارك وتعالى رقاب قريش: آذوه، أخرجوه، قاتلوه إلى غير ذلك، ثم لما وقفوا بين يديه عام الفتح عفى عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما وقع في حديث عائشة في قصة مخاطبة ملك الجبال للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال له: «إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعثني إليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». فهذه خصلة إخواني في الله: أن يكون المسلم حليماً، هذه ينبغي أن ننميها في نفوسنا. ليس الشديد بالصرعة، أي الذي يصرع الرجال، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، عند الغضب. سواء كان في عملك كإخواننا الصيادين، صيادون موصوفون بماذا؟ حرارات، مثلا وصرعة الانفعال أحياناً، وغير ذلك. الله قد يبتليك، يذهب عليك حوت قيمته ثمانون ألف أو أكثر أو أقل، وهو قاب قوسين أو أدنى أن يكون بين يديك، تنظر إليه وتقلبه، وماذا تنتظر ثمنه؟ كن حليماً، صبر وتحمل. وهكذا غيرهم من أصحاب المهن: البناء، وهكذا الموظف في دائرته الحكومية، وهكذا غيرها من المجالات. أيضًا إخواني في الله من هذه الدروس: ما يتعلق ببيئة المسارعة إلى الخيرات والجد والاجتهاد في الطاعات. فربنا عز وجل يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. وفي الآية السابقة أمرنا ربنا عز وجل ببيئة المسارعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أمرنا ربنا عز وجل ببيئة المسابقة: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ربنا عز وجل لما ذكر نعيم الجنة قال: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ولما ذكر أيضًا نعيم الجنة وعذاب النار قال ربنا عز وجل: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. لتكن همتنا الآخرة والفوز بالجنة والنجاة من النار. هذا كله يا إخوان لا ينال بالنوم والكسل واللعب والمرح، وهكذا تضييع الأوقات فيما لا ينفع، وإنما ذلك يكون بالجد والاجتهاد، وهكذا المسارعة والمبادرة والمسابقة إلى فعل الخيرات. كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام، في حديث ابن عباس في الصحيحين قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». ذكر العلماء أن وجه تشبيه جود النبي صلى الله عليه وسلم بالريح المرسلة: أن الريح المرسلة نفعها عميم للأرض الميتة، وهكذا للأرض الحية. وهكذا جود النبي صلى الله عليه وسلم يعم المحتاجين، وهكذا أيضًا غيرهم، لربما ممن هم ليسوا من ذوي الحاجة وليسوا من الفقراء. فكان عليه الصلاة والسلام أجود بالخير من الريح المرسلة. والصحابة رضي الله تعالى عنهم كان من حرصهم على الخير وعلى الصدقة وعلى الجود أنهم كانوا يحاملون، يعني يكري أحدهم ظهره يعمل حمالاً، كي إذا تقاضى الأجرة قام وتصدق بها، قام وتصدق بها. ورمضان يا إخوان شهر الجود، رمضان شهر الرحمة، رمضان شهر التعاون، رمضان شهر الصلة بين الأرحام وبين الجيران وبين الأقارب. قد يقول قائل: الظروف صعبة والأحوال كذلكم أيضًا شديدة. يقال: الصدقة لا يشترط أن تكون بالألوف والمئات، بل قد تكون بعشر ريال يتصدق بها هذا المسلم، فيتقبلها ربنا عز وجل بيمينه فينميها لك كما ينمي أحدنا فلوة، أي جمله الصغير، فسرعان ما يكبر، فتصير هذه الصدقة اليسيرة مثل الجبل، مثل الجبل. الصدقة قد تكون عند الإفطار بإناء من الشربة أو حبات من السامبوسة أو وعاء صغير فيه أرز أو غير ذلك، تأتي به إلى بيت جارك: يا أبا فلان تفضل، هذا إيش؟ هذا الله، هذا هدية، هذه صلة. هو قد يكون عنده أحسن من هذا، لكن لها أثر عظيم في نفسه. بل لا أقل يا عبد الله من أنك تتصدق على إخوانك بالسلام، إذا لقيته فسلم عليه، بطيب الكلام: كيف حالك يا أبا فلان؟ كيف عيالك؟ كيف أموركم؟ تحتاج خدمة، مساعدة إلى غير ذلك. بل قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي ذر الذي أخرجه مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». هذه صدقة منك على أخيك. بل أن تكف أذاك وشرّك عنه هذه صدقة منك على نفسك، كما أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فدروس الصيام ومدرسة الصائمين مليئة بالفوائد العظيمة والخصال الكريمة التي ينبغي أن نكون أحرص ما نكون على التحلي بها وجمعها والاستفادة منها قبل فوات الأوان، وقبل أن تذهب علينا الأيام والليالي، وماذا يتحسر المسلم على فواتها من غير ما فائدة ونفع؟ فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً، والتفرق من بعده معصوماً، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً. ونسأله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ووالدينا ووالديكم من عتقائه من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيراً.

شاركنا على