المحاضرة بعنوان التواضع، ألقاها
يتحدث المقطع عن حث الإسلام على التواضع وترك الكبر مستدلاً بآيات قرآنية تصف عباد الرحمن بالأذلة على المؤمنين وأمر الله نبيه بخفض الجناح لهم. ويضرب مثالاً عملياً بتواضع النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة نفسه بخصف نعله وخياطة ثوبه والعمل في بيته كأي إنسان عادي.
يسرد المقطع مظاهر تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله والمشاركة في الأعمال الشاقة كحفر الخندق وبناء المسجد. ويبين أثر ذلك في صحابته كالتسليم على الصبيان مع أحاديث تحذر من الكبر وتفضل التواضع مع التوازن بقوله إن الله جميل يحب الجمال.
يؤكد المقطع أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى المظاهر وأن أمور الدنيا زائلة مستشهداً بقصة ناقة النبي العضباء وكلام عمر بن الخطاب عند دخوله القدس. ويبين أن التواضع سبب للعزة والرفعة عند الله بينما التكبر عند النعمة ابتلاء وذلة وأن صلاح الباطن وإحسان العمل أساس السعادة والنصر.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم والبركة على النبي محمد وعلى آله وأصحابه مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمحاضرة داعيةً للاقتداء بهدي النبي في التواضع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ففي هذا المقام إخواني في الله نحب أن نتذاكر في الله عز وجل، وأن نتجالس في مذاكرة صفة عظيمة من صفات أهل الإيمان وعباد الرحمن، ألا وهو ما يتعلق بكون المسلم يتصف بصفة التواضع، ويترك الترفع والخيلاء والكبر، إلى غير ذلك من الصفات المذمومة. وإذا نظر الناظر في آيات الكتاب وحديث السنة يجد أنها ملأى بالحث على التواضع وخفض الجناح وعدم الترفع. من ذلكم إخواني في الله قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. فهذه من صفات أولئك القوم الذين يحبهم الله عز وجل، وهم كذلك أيضاً يحبونه سبحانه، فذكر من صفاتهم أنهم أذلة على المؤمنين، وبالمقابل فإنهم أعزة على الكافرين. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. ويقول جل في علاه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. ويقول جل في علاه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. انظروا يا عباد الله كيف يؤدبنا ربنا تبارك وتعالى بمثل هذه الآداب السامية وهذه الأخلاق العظيمة الفاضلة، التي متى ما تحلى بها المؤمن نال الدرجة العالية، وهكذا فاز بخيري الدنيا والآخرة. ولهذا إخواني في الله كان هذا الخلق، وكانت هذه الصفة العظيمة من صفات نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وقد كان خلقه القرآن. فمما أدبه به ربه عز وجل ما جاء في قوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فانظر أخي في الله كيف جمع الله لنبيه عليه الصلاة والسلام هذه الجمل العظيمة وهذه الأخلاق الرفيعة، التي هي كذلك أيضاً آداب لنا، وهي كذلك أيضاً تعليم لنا جميعا معاشر أمة الإسلام. وهكذا يقول ربنا جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم سيرته عطرة، وهكذا الأمثلة عظيمة التي تدل على عظيم أخلاقه وعلى شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم. فمما سأل عروة بن الزبير رحم الله عليه ورضي الله تعالى عن أبيه، سأل خالته عائشة رضي الله تعالى عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ فقالت رضي الله تعالى عنها: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. انظر يا عبد الله هذه أخلاق وهذه سمات من ختم الله به الرسالة والنبوة، الذي آتاه الله الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، الذي هو أول من يستفتح باب الجنة. ومع هذا يا عباد الله انظروا إلى تواضعه: إذا انقطع نعله كان يخصفه، أي يصلح هذا النعل، وهكذا كان يخيط ثوبه، وهكذا كان يعمل في بيته. قالت: كما يعمل أحدكم في بيته. بل لو نظر الناظر إلى حالة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، ونظر إلى أحوالنا اليوم في بيوتنا، يجد الفرق الشاسع والبون العظيم. من اليوم يصلح نعله إذا انقطع، ويخيط ثوبه إذا أصابه شيء؟ وهكذا من اليوم الذي يكنس البيت ويطبخ الطعام ويغسل الملابس؟ قليل من عباد الله عز وجل من هم على هذا الحال. بل كثير من الناس لربما يستنكف عن أن يقوم بخدمة أهله. وقد مر معنا في حديث الأمس حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون في خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. بل كان عليه الصلاة والسلام في يوم الخندق يحفر مع الصحابة الخندق. بل لما اعترضت الصخرة الكبيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عليه الصلاة والسلام وكسرها بيده. بل كان عليه الصلاة والسلام ينقل التراب على ظهره، فلربما اغبرت بطنه وأصابها التراب من آثار حمله على ظهره، وكان يقول مع أصحابه: «اللهم لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إنّا قينا، إن العلا قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا»، قال ويرفع بها صوته ويمدها: «أبينا أبينا». هكذا كان عليه الصلاة والسلام. وهكذا لما بني المسجد وكان بناؤه من اللبن والطين كان عليه الصلاة والسلام ممن شارك في ذلك. وهكذا مما يدل على تواضعه كذلك، والأمثلة كثيرة والنماذج عظيمة، ما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أنه مر على صبيان فسلم عليهم. أنس رضي الله تعالى عنه مر على صبيان فسلم عليهم، ثم قال رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. انظروا كيف أثر تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أثر في أصحابه. كيف لا يا عباد الله وقد كان عليه الصلاة والسلام يحثهم دائماً وأبدا إلى أن يتركوا الفخر والخيلاء، وإلى أن يتركوا التكبر على عباد الله، وهكذا أن يلزموا التواضع في جميع أحوالهم. في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إذا استأذن لم يؤذن له، وإذا شفع لم يشفع». ما يقول: لماذا أنا وضعتموني هناك وفلان وضعتموه هناك؟ لماذا أنا أكلف بكذا وفلان يكلف بأمر آخر؟ لا يا عباد الله، إن كان في الحراسة فهو في الحراسة على ثغرة وعلى موضع يقوم فيه بخدمة الإسلام والمسلمين، وإن كان في الساقة كان في الساقة. قال: إذا استأذن لم يؤذن له، وإذا شفع لم يشفع. وهكذا قال في وصف أولئك الرجال: «أشعث رأسه مغبرة قدماه». كل ذلك يا عباد الله في سبيل الله عز وجل. ولهذا يا عباد الله العبرة ليست بالمظاهر. ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره». رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لا يؤذن له ولا تفتح له الأبواب، قال: لو أقسم على الله لأبره. قال العلماء: معنى ذلك أي أنه لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله عز وجل، أوقعه الله إكراماً له بإجابة سؤاله، وهذا لعظم منزلته عند الله تعالى. وهكذا جاء عند الإمام أبي داود وابن ماجه من حديث أبي أمامة الحارثي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان». ومعنى البذاذة أي رثاثة الهيئة وترك الزينة. فالتواضع في اللباس وترك التبجح به هذا يعتبر من الإيمان، هذا يعتبر من الإيمان. وليس معنى هذا أن لبس الجميل وهكذا الحسن يعتبر ماذا؟ مذموماً. لا، ففي حديث ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال». وأيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وإلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم». ما كان لله هو الذي يبقى، سلامة القلوب وحسن العمل هذا الذي يبقى يا عبد الله. ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم. وأمور الدنيا هذه لا تدوم، الذي ابتلاه الله عز وجل بالأموال نعم يوشك أن يبتليه الله عز وجل بالفقر، فدوام الحال من المحال. فبعد الغنى يأتي الفقر، وبعد الصحة يأتي المرض، وبعد الشباب يأتي الهرم، وهكذا بعد الحياة يأتي الموت. أمور الدنيا هذه لا تدوم. ولهذا جاء في صحيح البخاري من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ناقة تسمى العضباء، تسمى العضباء، قال: وكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود له فسبقها. أعرابي جاء على قعود، على بعير له فسبقها، فشق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: سبقت العضباء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه، إن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه، إلا وضعه». وأثر أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه مشهور في ذلك، وذلك أنه لما خرج من المدينة إلى الشام إلى بيت المقدس حتى يستلم مفاتيحها، فلما قرب من الشام ومن دخول بيت المقدس نزل من على ناقته وخلع خفيه فوضعهما على عاتقيه، وأخذ بزمام ناقته وخاض بها المخاضة. فلما رأى أبو عبيدة هذا المنظر أحب أن لو دخل عمر على غير هذه الهيئة، على هيئة حسنة هيئة الأمراء، بحيث يكون له وقع في نفوس أشراف الشام. فذكر ذلك لعمر رضي الله تعالى عنه، فقال عمر: يا أبا عبيدة، لو قال ذلك غيرك لأوجعته، لو قال ذلك غيرك لأوجعته. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمتى ما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمتى ما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. وهذا يدل يا عباد الله على أهمية صلاح الباطن، وهكذا إحسان العمل. وأما المظاهر وأما الهيئات إذا لم يكن من ورائها صلاح للنيات واستقامة في الأقوال والأفعال فإن ذلك لا ينفع. وينبغي علينا أن نعلم أن الشخص إذا تواضع رفعه الله عز وجل. التواضع ليس سبباً للذل، وليس سبباً للإهانة، بل سبب من أسباب العزة والرفعة. ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزة، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله». اليوم يا عباد الله لربما يبتلى المرء بأمور، لربما أسرع ما تجعله يترك التواضع إذا فتح الله عليه في المال والتجارة، ترفع على عباد الله. إذا آتاه الله عز وجل منصبا ووظيفة لربما جعل مسؤولاً على غيره، ترفع على الناس، لربما لا يسلم عليهم، لربما لا يجلس مجالسهم، لربما لا يناكحهم، لا يزوجهم، إلى غير ذلك من الأمور التي هي في حقيقة الأمر ما هي إلا ابتلاء من الله عز وجل لذلك العبد. ينظر ربنا عز وجل هل يعرف ما لله عز وجل وما لعباد الله من حقوق عليه، هل يتواضع أو لا يتواضع، إلى غير ذلك يا عباد الله. فشاهد من هذا كله أن التواضع خلق عظيم وصفة كريمة من صفات عباد الرحمن وأمة الإسلام، التي يجب على هذه الأمة أن تتصف بها وأن تتحلى بها. ومتى ما اتصف أهل الإيمان بها كان ذلك سبيلاً إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وهكذا طريقاً إلى العزة والنصر والتمكين والسؤدد في الأرض، وهكذا لكي يهابها أعداؤها من اليهود والنصارى وهكذا غيرهم من أعداء الإسلام. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً ممن يوفق للتواضع ولجميل الأخلاق ومحاسن العادات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، والله تعالى أعلم.