شرح فتح الوهاب 1 5

الدرس في شرح فتح الوهاب 1 5، الدرس الخامس ( وقال في رسالته إن إله وضع للمفهوم الكلي ... وفي آخر كلامه اضطراب ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد شبهة المفهوم الكل في لفظ الإله وأصل ضلال الجهمية

يوضح الشيخ أن لفظ "إله" موضوع للمعبود حقاً أو باطلاً لا للمفهوم الكل الذهني، وينتقد المتكلمين لخلطهم بين المعاني الكلية الذهنية والمعاني الخارجية الحقيقية مما أوقعهم في التمثيل أو التعطيل، ويذكر أصل ضلال جهم بن صفوان في مجادلته للزنادقة من السمنية بالهند.

مناظرة جهم بن صفوان مع السمنية وحيرته في إثبات وجود الله

جادل جهم بن صفوان السمنية (السفسطائية) بعلم الكلام لا بالكتاب والسنة، فطلبوا منه إثبات وجود الله بالحواس الخمس، ولما عجز تحير أربعين يوماً لا يدري من يعبد. ثم رد عليهم بحجة باطلة شبه فيها الله بالروح التي لا تُدرك بالحواس، وبيّن الشيخ أن الصواب كان في التفريق بين ما لا يُحس أصلاً وما لا يحسه جهم شخصياً، إذ الله يُرى يوم القيامة ويسمع كلامه الأنبياء، فالحجة على جهم كانت فاسدة لجهله بالنقليات والعقليات.

الرد على شبهة الجهمية في نفي رؤية الله وكلامه

يوضح المقطع فساد حجة الجهمية القائلة باستحالة رؤية الله أو سماع كلامه لمجرد عدم إحساس البشر بهما في الدنيا، مستدلاً بالقرآن والعقل على أن الله يكلم من يشاء من خلقه (بشراً، ملائكة، جمادات) وأن عدم إدراك الفرد لشيء لا ينفي وجوده. كما يكشف تناقض الجهم في تعريف «الإله» حيث قيده بـ «الحق» ثم أطلقه بمعنى «الكل»، جامعاً بين النقيضين دليلاً على اضطراب قوله.

خاتمة المجلس والاستغفار

يختتم المتحدث الجلسة بنقل قول للشيخ يصف الكلام بأنه ظلمات بعضها فوق بعض، ثم يكتفي بهذا القدر ويختم بالتسبيح والاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم أما بعد: فما زلنا في هذه الرسالة المسماة بـ «فتح الوهاب في رد شبه مرتاب» للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، على الشيخ رحمه الله تعالى. وما زال الشيخ رحمه الله تعالى يسوق الأدلة من كلام أهل العلم ليدلل على ما تقدم ذكره من أن «لا إله إلا الله» بمعنى: لا معبود حق إلا الله، وأن الإله يأتي للإله الحق وللإله الباطل؛ لأن إله بمعنى مألوه، ومألوه بمعنى معبود، فكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقال في رسالته: «إن إله وضع للمفهوم الكل»، فقدم معنى على المراد من مفهوم الكل الذي يسميه بعض أهل الكلام أيضا بالمطلق الكل. قال: يريد به تقرير ما مر من الباطل، والكل هو الذي لا يتقيد بذات ولا بصفة، بل هو مطلق، بل هو مطلق، وهو لا يكون إلا في الذهن، لا يكون إلا في الذهن، لا يكون في خارجه. قال رحمه الله: قال: «وهذه قضية كاذبة خاطئة، لم يوضع أي: لا إله، أو لفظ الإله، لم يوضع إلا للجنس الشائع في أفراده». أما قوله: قول القائل: «إن إله وضع للمفهوم الكل» فهو باطل، فهو باطل؛ لأن الإله عند أهل اللغة وأهل الشريعة إذا أطلق المراد به المعبود، وهذا المعبود إما أن يكون بحق وإما أن يكون بباطل، وهذا وصف، فدل على أنه ليس شيئا موجودا مجردا في الذهن، بل هو موجود بصفته في خارج الذهن. قال رحمه الله تعالى: في خارج الذهن. قال: والمعاني الكلية لا توجد إلا ذهنية لا خارجية، المعاني الكلية لا توجد إلا ذهنية لا خارجية. ولذلك ظل من ظل من المتكلمين في إثبات وجود الرب ووجود ذاته، كما تقدم معنا: المتكلمون لم يفرقوا بين الأشياء الكلية أو المعاني الكلية والمعاني الخاصة المضافة المقيدة، فخلطوا في هذا الباب تخليطا عجيبا أوقعهم في الضلال العظيم. وكما مر معنا أمس: أن هؤلاء فهموا من الإطلاقات في صفات الله عز وجل، وكذا وجود تلك الصفات أو مسمى أو أسماء تلك الصفات في المخلوق، ظنوا أنها تفيد الاشتراك، تفيد الاشتراك، وأنه يلزم ما وصف به المخلوق أن يوصف به الخالق، والعكس. فلذا ذهبوا أو صاروا على طرفين نقيض: منهم من أثبت تلك الصفات ولكن ليس على الوجه الذي أراده الله عز وجل؛ لأنهم جعلوا مفهوم تلك الصفات هي مماثلة لصفات المخلوق، وطائفة أخرى فرت من هذا التمثيل والتشبيه وغلت في التنزيه فعطلت الرب سبحانه وتعالى عما يستحقه من الصفات والمعاني الجليلة التي تليق به سبحانه وتعالى. والسبب في ذلك: هذا الخلط في عدم التمييز بين المعاني الكلية المطلقة المشتركة التي لا توجد إلا في الذهن وهي مطلقة، وبين المعاني المقيدة المضافة التي توجد بخارج الذهن، فوقعوا فيما وقعوا فيه. وكما ذكرنا أمس، وذكر الشيخ هنا رحمه الله تعالى: لم يفرق بعضهم بين وجود الرب سبحانه وتعالى ووجود المخلوق، قالوا: هذا موجود وهذا موجود، والوجود عندنا معلوم، والوجود عندنا معلوم، فإما أن نثبت وجودا لله عز وجل مماثلا لوجود المخلوق، وإما أن ننزه الله عز وجل عن هذه المماثلة، فغلا بعضهم في الإثبات كما سمعتم فوقع في التمثيل، وغلا بعضهم في التنزيه فوقع في التعطيل. ودين الله عز وجل الحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، كالوادي بين جبلين. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله عز وجل وجودا لائقا به بعظمته وجلاله، ويثبتون للمخلوق وجودا يليق بفقره وحاجته وضعفه، والوجود في الخالق سبحانه وتعالى حقيقي، وكذا الوجود في المخلوق حقيقي، ولا منافاة ولا مماثلة بين الوجودين، وهذا معلوم بالفطر السليمة وبالعقول المستقيمة، ولكنها القلوب السقيمة هي التي تأبى هذا. قال: قال رحمه الله تعالى: «وقال بنفي الصفات». قال: «ولذلك ظل من ظل من المتكلمين في إثبات وجود الرب ووجود ذاته، وقال بنفي الصفات بناء على أن الكل لا يتقيد ولا يتخصص بصفة من الصفات، كما مر معنا». قال: «وهذا من أكبر قواعدهم وإفكهم الذي جر إليهم الكفر الجلي، وجحد ما في الكتاب والسنة من الصفات، وكلام السلف في تكفيرهم وتضليلهم موجود مشهور، لا نطيل بذكره». أي: في تكفير من عطل الله عز وجل عما يستحقه، أو في تكفير من مثل الله عز وجل بخلقه. وكما قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله تعالى، شيخ الإمام البخاري: «من شبه الله بخلقه كفر، ومن عطل الله عز وجل عما يستحقه كفر»، أو كما قال رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «فمن قال...» فمن أقل ما قيل فيهم قول محمد بن إدريس الشافعي، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال: «حكم في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام». هذا حكم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في هذا الصدد من أهل الكلام. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأصل ضلال جهم... جهم هو جهم بن صفوان السمرقندي، رأس الجهمية، رأس الجهمية. قال: وأصل ضلالهم... طيب. قال: وأصل ضلال جهم بن صفوان السمرقندي الخبيث الضال أنه لقي قوما من السمنية، هؤلاء طائفة من فرق الهند، طائفة من فرق الهند، زنادقة من الزنادقة، كانوا لا يعتقدون ولا يؤمنون إلا بالمحسوسات، لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، وما لم يكن كذلك فلا يؤمنون به. قال: فجادلهم بالكلام والمنطق، فقالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال: نعم. قال: نعم. جادلهم بالمنطق، ما جادلهم بالكتاب والسنة والحجة والبرهان، ولكن جادلهم بعلم الكلام المدموم، فجره ذلك إلى أن استطالوا عليه، فقالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ أليس لك إله؟ قال: نعم. قالوا: فهل رأيته؟ هل سمعته؟ أو لمسته؟ أو ذقته؟ لأن القوم كما سمعتم يؤمنون بالمحسوسات، يؤمنون بالمحسوسات. فهم ناظر جهم، فقالوا: تؤمن أن لك إلها؟ قال: نعم. قال: فهل لمسته؟ هل طعمته؟ هل رأيته؟ هل شممته؟ قال: لا. فتحير الخبيث، يعني كأنهم قالوا له: إذا لم يكن محسوسا لك فكيف تؤمن بعدمه؟ كيف تعبد عدما؟ لا ممسوس، لا ملموس، ولا مشموم، ولا مطعوم، ولا مرئي، ولا ماذا، ولا مرئي، فكيف تعبده؟ فتحير الخبيث أربعين يوما لا يدري من يعبد. ثبت عنه كما في «السنة» لعبد الله بن أحمد: أنهم قالوا: إن جهما مكث أربعين يوما لا يدري من ربه، أربعين يوما لا يدري من ربه، أو ما ربه. وسبب ذلك هذه المناظرة. وهذا يدلنا على أن مناظرة أهل الكلام وأهل الباطل والبدع قد توقع في الحيرة والاضطراب، لذا ذم العلماء رحمهم الله تعالى مجادلة ومناظرة أهل الأهواء، لا سيما لمن لم يكن متحصنا بالعلم الشرعي من كتاب الله ومن سنة رسوله، مع التضلع التام بأقوال أهل العلم والسنة وأقوال المخالفين، لا سيما المناظر لهم. قال رحمه الله تعالى: فتحير الخبيث أربعين يوما، فتحير الخبيث أربعين يوما لا يدري من يعبد. ثم استدرك حجة من جنس حجج النصارى، وقال لهم: أنتم تقولون بوجود الروح، هل رأيتموها أو سمعتموها أو لمستموها أو ذقتموها؟ قالوا: لا. فقال: فكذلك هو روح غائب عن الأبصار. رد الباطل بماذا؟ بباطل مثله. رد الباطل بباطل مثله. قال لهم: أنتم تؤمنون أو تقولون بأن هناك روحا؟ قالوا: نعم. قال لهم: هل رأيتموها؟ هل شممتموها؟ هل طعمتموها؟ هل لمستموها؟ قالوا: لا. قال: وتقولون إنها موجودة؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك الله عز وجل، فكذلك الله عز وجل هو روح غائب عن الأبصار، لا مرئي، لا مسموع، لا مشموم، لا مرئي... لآخر العبارة، لكنه موجود ولكنه غائب عن الأبصار. رد الباطل بباطل، رد الباطل بباطل. طيب، وجه ذلك سيأتي كلام الشيخ يبين وجه ذلك. قالوا: هذا الكلام الذي أورده السمنية على جهم باطل مموه، باطل مموه، وهؤلاء يقال لهم السفسطائية، وأصل هذه الكلمة ومعناها: الحكمة المموهة، فهم أهل تمويه ودجل، ما عندهم حقائق لا نقلية ولا عقلية، ولكن شبهتهم هذه السقيمة انطلت على الجهم لجهله بالنقليات، بل وماذا؟ والعقليات. قالوا: وحق الكلام أن يقال... أي حق هؤلاء عند المناظر أن يقولوا: أن يقال: «ما لا يحس ولا يمكن الإحساس به لا يكون موجودا». ما لا يحس ولا يمكن الإحساس به لا يكون موجودا. هذا الطرح الذي كان ينبغي أن يقال، وهذا يحتاج إلى توضيح: ما لا يحس، الإحساس يدخل فيه ماذا؟ الرؤية والسماع والشم واللمس وماذا؟ والطعم. ما لا يحس ولا يمكن إحساس به لا يكون موجودا. ما لا يرى ولا يسمع ولا يشعر به، وأوسع من هذا: لا يدرك في الحقيقة أنه ماذا؟ أنه معدوم، أنه معدوم. فكأنهم قالوا لجهم: إنك تعبد معدوما. قال: فموه بأن ما لا يحسه هو ولا يدركه بحواسه لا يكون موجودا. يعني ماذا صنع هؤلاء؟ كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. قال: تقرير الحجة من هؤلاء على جهم أن يقال له: «ما لا يحس ولا يمكن أن يحس لا يكون موجودا». ولكنهم ماذا قالوا لجهم؟ قالوا له: إنك لا تحسه، وما لا تحسه لا يكون ماذا؟ لا يكون موجودا. ما الفرق بين الأمرين؟ ما الفرق بين الأمرين؟ الفرق بين الأمرين: أن «ما لا يحس، ما لا يحس ولا يمكن أن يحس» أعم مما لا يحسه الإنسان ولا يمكن أن يحسه الإنسان. مثال ذلك: رجل مثلا في أقصى الأرض رأى مثلا حوتا كبيرا فوصف ذلك الحوت، وأنا ما رأيت ذلك الحوت، فجاء رجل فقال لي: أرأيت ذلك الحوت أو علمت ذلك الحوت؟ يقول: نعم. يقول: هل رأيته؟ هل سمعته؟ هل شممته؟ هل طعمته؟ هل كذا؟ أنا أقول: ماذا؟ لا. يقول: إذن ليس بموجود، إذن ليس بموجود. واضح أم لا؟ الجواب أن يقول لهم: وإن لم أره وأسمعه وكذا، لكن قد رأاه ماذا؟ قد رآه غيري، قد رآه ماذا؟ غيري. واضح هذا الأمر أم لا؟ فكان ينبغي لجهم بن صفوان أن يقول: ربنا عز وجل، وإن لم أره أنا وأسمعه إلى آخر الكلام، فإنه يرى يوم القيامة، فإن الله عز وجل يمكن أن يرى، بل ويرى يوم القيامة في أرض المحشر، ويرى أيضا في ماذا؟ في الجنة. وأيضا يقول: إن الله عز وجل يسمع كلامه، قد سمع كلامه من جبريل عليه السلام، ومن شاء من خلقه سمعه، محمد وموسى عليهما السلام، وسمعه من شاء من خلقه. إذن تكون حجة ماذا؟ الله عز وجل ماذا؟ وإن لم أسمع كلامه أنا فقد سمعه ماذا؟ فقد سمعه غيري، فقد ثبت بالحس أنه ماذا؟ أنه موجود. واضح هذا الأمر أم لا؟ ولكن جهم كما ذكر الشيخ انطلع عليه الكلام لجهله. قال: لذا قال الشيخ: «وحق الكلام أن يقال: ما لا يحس ولا يمكن إحساس به لا يكون موجودا». قال: فموه بأن ما لا يحسه هو، أي الجهم، ولا يدركه بحواسه لا يكون موجودا. فارتبك الغبي، فارتبك الغبي، فلم يفرق بين ما لا يحس وما لا يحسه ماذا؟ هو. فارتبك الغبي ولم يفرق بين ما لا يمكن إحساسه وما لا يدركه هو بحاسته، فأجاب بجوابه الفاسد المتقدم. قال: ولو هدي العقل والنقل لفرق بين العبارتين، وقال لهم: الله تعالى يمكن الإحساس به، فيرى يوم القيامة، ويسمع كلامه، وقد أدرك موسى كلامه بحاسة سمعه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، فكلمه ربه عز وجل من غير واسطة. قال: وسمعته ملائكته، الملائكة أيضا سمعوا كلام الله عز وجل، والآيات في ذلك كثيرة. وأيضا القرآن يدل على هذا. قال: ﴿وَمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ﴾، وسمعته ملائكته، ﴿وَمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ﴾. والشيخ رحمه الله تعالى أتى بلفظ «ما» الدال له كما يعبر النحاة على غير العاقل، ولم يأت بلفظ «من» الدال له على العاقل، ومقصوده من ذلك التعميم في أن الله عز وجل كلم الإنسان والملائكة ومن يعقل، وكلم كذلك بعض الجمادات، وكلم كذلك بعض الجمادات، كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ففيه كلام من الله عز وجل من للسماوات وللأرض، للسماوات وللأرض. طيب، قال رحمه الله تعالى: ﴿وَمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ﴾. والإنسان يقر ضرورة بوجود أشياء لا يحس بها هو، مما يعرف بضرورة العقل، مما يعرف بضرورة العقل، كوجود بعض الأماكن والأمم. بعض الأماكن نحن لم نرها ولم نسمعها ولم نلمسها ولم نشمها ولم نطعمها، ولكنها ماذا؟ موجودة. هكذا أو لا؟ إذا جاء رجل مثلا، قال رجل مثلا من مصر: فقال: رأيت الأهرامات وأنها كذا وأنها كذا، وبعض الحاضرين لم يروها، فهل معناه أنها غير موجودة؟ الجواب: ماذا؟ الجواب: هي موجودة، ولكن هذا المعين ماذا؟ لم يطلع عليها، فهي موجودة. فعدم إطلاع الخاص لا يدل على ماذا؟ على العدم. ووضح هذا الأمر أم لا؟ فهذا من هذا الباب. وكذا الأمم: الله عز وجل أخبرنا عن أمم قد ذهبت وفنيت في القرآن، قوم فرعون وقوم هود ولوط، وإلى غيرها من الأمم التي ذكرها الله عز وجل في القرآن. فإذا قال قائل: هل رأيتها؟ هل سمعتها؟ هل... إلى غيرها، إلى غير ذلك؟ نقول: ماذا؟ أنا لم أسمعها ولم أرها إلى غير ذلك، ولكن سمعها ورآها من غير... رآها وسمعها ماذا؟ غيري، فهي موجودة، وقد أخبر بها الصادق. طيب، قال رحمه الله تعالى: بل وأصله الذي تكون منه وهو مادته لا يحس به ولا ينكره عاقل، لكنه عندنا هنا لا... وهي زيادة مقحمة، لكنه يمكن أن يحس به غيره. أصل الإنسان من... من... هل الإنسان شعر بنفسه عند تكوينه؟ أجيبوا: ماذا؟ لا، لأنه كان في هاتيك الحالة ماذا؟ كان عدما، ثم كان نطفة، فهو أصله من ماذا؟ من نطفة. هل أحس هذا الإنسان النطفة التي تكون منها؟ هل طعمها؟ هل رآها؟ هل شمها؟ هل سمعها؟ الجواب: ماذا؟ الجواب: ماذا؟ لا. لكن هل هي موجودة أم لا؟ الجواب: ماذا؟ هي موجودة. ووضّح هذا الأمر أم لا؟ هذا من باب تقرير الشيخ رحمه الله تعالى للشبهة التي ذكرها السمنية للجهم، وعدم استطاعة الجهم رد هذه الشبهة، مع بيانها ووضوحها عقلا وشرعا وفطرة. قال رحمه الله تعالى: فإحساس الإنسان... فإحساس الإنسان نوع، وإمكان الإحساس نوع آخر. إحساس الإنسان نوع، أي: خاص بذلك الإنسان، وإمكان الإحساس نوع آخر، كما ذكرنا. قال: وبسبب عدم التفرقة ظل جهم وشيعته، وجره الكلام المموه إلى الكفر البواح والانسلاخ من الدين. فكيف يقول عاقل بقول لم يسبق إليه ولا يصح له معنى عند أهل العلم والإيمان، ويعتمد عبارة منطقية في مثل هذا الشأن؟ هذا لو سلم أن العبارة أوردوها هنا، والصواب أنها مختلقة لا محكية، أي أن الجهم هو الذي اختلق تلك العبارة، فهي من كيسه، لا أنها منقولة عن من سبقه. قال: مع أن عبارة صاحب هذه الرسالة فاسدة من جهة أخرى، وهو أنه زعم في أول رسالته أن المراد باسم الإله هو الإله الحق. في أول رسالة زعم أن لفظ الإله بمعنى ماذا؟ الإله الحق. قال: وهو... طيب. وهو أنه زعم في أول رسالته أن المراد باسم الإله هو الإله الحق، وأن آلهة المشركين سميت بذلك باعتبار اعتقادهم فيها، لا أنها آلهة حقيقة. قال: وقد تقدم هذا عنه، ولكن سيق هنا لبيان تناقضه، لبيان تناقضه. فإن التقييد ينافي المعنى الكل. هو فيما تقدم زعم أن لفظ الإله يطلق على ماذا؟ على الإله الحق. لفظ الإله يطلق على ماذا؟ على الإله الحق. فإذا وصف الإله بأنه الحق فهو موصوف مقيد، فهو موصوف مقيد، وما كان موصوفا مقيدا فليس بكل، فليس بكل. ومع هذا هو في آخر رسالته يقرر بأنه ماذا؟ بأنه كل. فكأنه يقول: الإله ليس بكل، الإله كل. ووضحت الأمر أم لا؟ كأنه يقول: الإله ليس بكل، لماذا؟ لأنه وصفه بأنه الإله الحق، وما كان موصوفا فهو مقيد وليس بكل. ثم في آخر رسالته يقول: والإله اسم كل. فكأنه قال: ماذا؟ الإله كل، الإله ليس بماذا؟ بكل. وهذا جمع بين ماذا؟ بين النقيضين. جمع بين النقيضين. وهذا يدل على اضطرابه وتناقض كلامه. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وهذا من عند غير الله عز وجل، لذا وجد هذا الاختلاف وهذا التنافر في كلامه. قال رحمه الله تعالى: فإن التقييد ينافي المعنى الكل، فكلامه تخريف، وظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وفي آخر كلامه اضطراب كما ذكرنا الآن، اضطراب وقلق في العبارة، فلم يسلم من حيث التعبير، ولم يسلم من حيث المعنى، ولم يسلم من حيث المعتقد. فكما قال الشيخ رحمه الله تعالى: كلامه ظلمات بعضها فوق بعض. طيب، نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.