الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الشيخ براءة أهل السنة والجماعة من الأهواء والمبتدعين، ويبين أنهم لا يبدعون أحدا إلا بحجة وبرهان. يتطرق إلى التحذير من اتباع الهوى وأهل الأهواء كما جاء في القرآن والسنة وأقوال السلف.
يؤكد الشيخ على أهمية التحذير من أهل الأهواء والبدع، مستشهدا بأقوال السلف الصالح. يوضح أن هذا التحذير يشرح القلوب وليس يقسيها، ويجب أن يتم بضوابط ومراعاة للمصالح والمفاسد.
يُنبه الشيخ على أن اتباع الهوى يؤدي إلى الضلال، ويستشهد بآيات قرآنية وأقوال العلماء الذين ندموا على الخوض في علم الكلام والابتعاد عن القرآن والسنة. يشدد على أهمية اتباع السنة النبوية.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في منظومته «الجوهرة الفريدة»: قال رحمه الله: مقدمة في براءة المتبعين من جراءة المبدعين وافتراءات المبتدعين. قال: إني براء من الأهواء وما ولدت ووالديها الحيارة، ساء ما ولدوا. والله لست بجهمي أخا جدل، يقول في الله قولا غير ما يريد، كذبوا بأسماء الإله وأوصاف له، بل لذات الله قد جحدوا. كلا ولست لربي من مشبهة، إذ من يشبهه معبوده جسد، ولا من معتزلي أو أخا جبر، في السيئات على الأقدار ينتقدوا. كلا ولست بشيعي أخا دغل، في قلبه لصحاب المصطفى حقدوا. كلا ولا ناصبي ضد ذلك، بل حب الصحابة ثم الآل نعتقدوا. ذكر رحمه الله تعالى في مقدمة هذه المنظومة براءته رحمه الله تعالى، وبراءة المتبعين لمنهج السلف الصالح من جراءة المبدعين، يعني من يبدع الناس بغير برهان وبغير دليل. فأهل السنة والجماعة براء من كل من يبدع بغير بينة ولا برهان، لأن هذا جور، وهذا ظلم أن يبدع الشخص وهو لا يستحق التبديع. فمنهج أهل السنة والجماعة وسط، لا يجورون على أحد، ولا يظلمون أحدا، ولا يبدعون أحدا إلا من استحق التبديع. وهكذا هم براء من افتراءات المبتدعين ممن يفتري على أهل السنة، حيث يقول إنهم يبدعون بغير برهان. لا من بدعه السلف، والمتبعون للسلف الصالح، فإنهم إذا بدعوه بدعوه ببينة وبرهان وبقواعد السلف. ومن لم يبدعوه، ليس معنى ذلك أنهم جاملوه أو سكتوا عنه، لا، وإنما لم يبدعوه لأنه ممن لا يستحق التبديع. فهم وسط، لا إفراط ولا تفريط. وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، لا إفراط ولا تفريط. وذكر رحمه الله تعالى قوله: إني براء من الأهواء وما ولدت ووالديها الحيارة، ساء ما ولدوا. فأهل السنة والجماعة براء من الأهواء، ومن أصحاب الأهواء، ومن أئمة أهل الأهواء، وما ولدوا، وما بثوا، وما كتبوا، وما تكلموا به. فأهل السنة براء من ذلك، إلا قولا وافق الحق، فالحق يقبل ممن قال به. فأهل السنة يتبرؤون من أهل الأهواء، ومن كتبهم، وهكذا من أفعالهم، لأنها مبنية على هوى، وليست مبنية على كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإذا نظرنا في كتاب الله جل وعلا، سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأقوال الصحابة، وجدنا الكثير من النصوص الواردة في التحذير من أهل الأهواء، ومن مجالستهم، ومن مخالطتهم، ومن أخذ العلم عنهم. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وحذر الله جل وعلا أنبياءه من الهواء، قال جل وعلا: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهكذا قال جل وعلا لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وحذر الله جل وعلا المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فهذه النصوص فيها تحذير من الهواء، ومن أهل الهواء. والهواء إنما هو من أخلاق اليهود والنصارى، أهل الكتاب. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. والهواء من أخلاق المشركين: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. فهوى واتباع الهوى من أخلاق المشركين، ومن أخلاق اليهود والنصارى، أعداء الرسل والرسالات. وهكذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حذر من الهوى في السنن، ابن أبي عاصم عن قطب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: عليه الصلاة والسلام: «كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من منكرات الأهواء والأخلاق، اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء». وتبت عنه عليه الصلاة والسلام أيضا، كما في السنن، ابن أبي عاصم، صلى العلام الألباني رحمة الله تعالى عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما أخاف عليكم اثنتين، إنما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى». فاتباع الهوى مما خافه عليه الصلاة والسلام على أمته. وأقوال السلف كثيرة في ذم الهوى. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما ذكر الله جل وعلا الهوى في كتاب إلا ذمه. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: ما يدرى أي النعمتين علي أفضل، أن هداني الله للإسلام، أو برأني من هذه الأهواء. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين. وقال مالك رحمه الله تعالى: لا يؤخذ العلم عن أربعة، وذكر منهم: سفيه يعلن السفه، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب إلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء. قال بعض السلف: الهوى شر إله عبد في الأرض. وهكذا النقولات كثيرة في ذم الهوى، وفي التحذير من مجالسته، ومن أخذ العلم عنهم. بل من العلماء من السلف من يقول: من زوج ابنته أو أخته لصاحب بدعة أو صاحب هوى، فقد وقع في أمر عظيم. فخان في ذلك خيانة، لأنه زوج صاحب هوى، فإن هذا يقضي المعاشرة به، وغير ذلك. وهذا له ضرر على دين المسلم، لأن صاحب الهوى يضر بصاحبه. كان من السلف من هو على منهج أهل السنة والجماعة، فلما تزوج برافضية صار رافضيا. وهناك من كان ربما منهجه للسنة، فتزوج خارجية فصار خارجيا. وهكذا، وذلك لضرر هؤلاء أهل الأهواء على من عاشرهم، ومن جالسهم. فالتحذير من الهوى وأهل الأهواء أصل عند أهل السنة والجماعة. بعض الناس اليوم يقولون: لماذا تحذروا من أهل الأهواء؟ ما فائدة هذا التحذير من أهل الهوى؟ يقولون: يقسي القلوب. لا، والله، التحذير من أهل الهوى إنما يشرح القلوب، ويشرح الصدور. لا يقسي القلوب. هذا مفهوم خاطئ. يظنون أن الكلام في أهل الأهواء، وفي أهل البدع، والتحذير منهم، هذا يقسي القلوب. لا، كيف هذا الأمر يقسي القلوب، وهو طاعة؟ هل السلف لما تكلموا على أهل الأهواء، قسوا قلوبهم؟ لا، والله، بل يجعلون ذلك من الإيمان. إذا جلسوا يحذرون من أهل الهوى، من البدع. لكن هذا الباب يؤتى إليه بحقه، لا إفراط ولا تفريط. بل الميزان ما كان عليه السلف الصالح، وأن يكون بضوابطه، وأن يكون فيمن يستحق أن يحذر منه، ومع مراعاة المصالح والمفاسد. هذه كلها أمور انتبه لها السلف. نعم، السلف الصالح حذروا من أهل الهوى، لكن هل كان تحذيرهم من أهل الهوى من غير مراعاة للمصالح والمفاسد؟ الجواب: لا. راعوا المصالح والمفاسد. لا تظن أن هذه الأقوال الكثيرة عن السلف الصالح، التي حذروا فيها من أهل الهوى، أنهم قالوها من غير نظر إلى المصالح والمفاسد. لا، وإنما قالوها بعد نظرهم في المصالح والمفاسد، فحذروا. وإلا فكم قد أحجم السلف عن أمور، ولم يتكلموا فيها، لأنهم يرون أن المفاسد أعظم. فلذلك العلماء في كل زمان ومكان، هم يتبعون السلف الصالح في سيرهم، وفي نهجهم، وفي تحذيرهم من أهل الأهواء، لا إفراط ولا تفريط، والإنصاف والعدل. لكن الغلط الكبير أن بعض الناس يظن أن الكلام في أهل الأهواء لا ينفع، وقد أغلق بابه، وقد انتهى. لا، التحذير من أهل الأهواء إلى قيام الساعة. أن نهج المسلم حذر من أهل الأهواء. بل ربنا جل وعلا في كتابه الكريم حذر من أهل الأهواء. حذر نبيه سلم من الخوارج قبل ظهورهم، حذر من الرافضة في بعض الأحاديث، حسنها بعض العلماء. وهكذا حذر ممن تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه. وحين ذكر نبيه سلم الثلاثة والسبعين فرقة، وأن هذه الأمة تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة، قال عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات: «اثنتان وسبعون في الأهواء، يعني تتبع الهواء، وفرقة واحدة ناجية». وكل ذلك يدلنا على أن التحذير من أهل الهواء أصل في كتاب الله جل وعلا، وأصل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصل في منهج أهل السنة والجماعة. لأنه إذا ترك التحذير من أهل الأهواء، فإنهم ينتشرون، وإنهم كذلك يلبسون على الناس. إذا لم يحذر من الشركيات، إذا لم يحذر من الزيارات الشركية، ومن من يقوم عليها، إذا لم يحذر من البدع، إذا لم يحذر من الحزبيات، إذا لم يحذر من المناهج المخالفة لمنهج الكتاب والسنة، كيف ينتبه الناس؟ كيف يفهمون أن هذه مناهج مخالفة الكتاب والسنة، وأن أصحابها قد خالفوا المنهج القويم؟ هذا لا يتأتى إلا بالبيان، وهذا من الأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، الذي هو أصل من أصول الشريعة، حتى عدّه بعض العلماء ركنا سادسا من أركان الإيمان، لكثرة النصوص الواردة فيه. وهذا من النصيحة في دين الله جل وعلا، ومن أعظم النصيحة. لأن التحذير من أهل الهواء، وبيان ما هم عليه، هذه تبرئة دين الإسلام، وتبرئة سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، عما هم براء منه من البدع وغيرها، والشركيات والمخالفات. ولذلك إذا نظرتم في كتب السلف الصالح، كتب أهل السنة، كتب المناهج، تجدونهم يذكرون التحذير من أهل الهواء. وهنا الحافظ الحكمي رحمة الله تعالى عليه، وهو من علماء السلف، رحمة الله تعالى عليه، هو من علماء أهل السنة والجماعة. انظروا كيف ابتدأ هذه المنظومة بالبراءة من أهل الأهواء، ومن التحذير من أهل الأهواء. فأنت يا عبد الله، عليك أن تتبرأ من الهواء، لا تكن صاحب هواء. فإن من أعظم فضائل الهواء دخول جنة الله جل وعلا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هَبِيَثٌ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ثم بيّن رحمه الله تعالى كذلك التحذير من والديها، أي والدي هذه الأهواء، وهذه البدع. والمراد بذلك الزعماء والقادة والأئمة لهذه البدع، وهذه الأهواء. وساء ما ولدوا، وما أنتجوا، وما كتبوا، وما بثوه في الأمة، والعياذ بالله من ضلال عظيم. فالأمة تتجرع هذه المرارة بسبب ابتداع هؤلاء المبتدعين، من قديم الزمان، من أول سنة سنها المخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة. ظهر الخوارج، ظهرت الرافضة، ظهرت الجهمية، ظهرت القدرية، ظهرت الجبرية، ظهرت المعتزلة، طوائف كلها ظهرت، والعياذ بالله. فأثرت في الأمة تأثيرا عظيما، حيث أحدثت الفتن، وأحدثت القلاقل، وأحدثت النزاعات. فكل ما يتجرعه أهل الإسلام اليوم من ضعف، وهكذا من تسلط من أعداء الإسلام، إنما هو بأسباب، ومن أعظم الأسباب انتشار البدع والأهواء في هذه الأمة. التي من خلالها تسلط أعداء الإسلام على هذه الأمة. فأولئك قد سنوا سنة سيئة، وفتحوا طرقا لأهل أعداء الإسلام في الدخول على هذه الأمة. تلك الحزبيات، وبتلك التفرقات، وبتلك النعرات الجاهلية، وغير ذلك. فحذر من أهل الهوى، والديها الحيارة، لأن أهل البدع حيارة. هؤلاء كل من خالف كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنهج السلف الصالح، فهو حائر. ويكفينا تلك العبارات التي سطرها أولئك الأئمة، الذين قد خاضوا في الهوى، قد خاضوا كذلك في علم الكلام. ففي آخر حياتهم تندموا ندما عظيما، وبيّنوا أنهم قد ضاعوا عمرهم فيما لا ينفع. فهذا الرازي رحمه الله تعالى يقول: «نهاية إقدام العقول عقّال، وأكثر سعي العالمين ضلال. وأرواحنا في وحشة من جسومنا، وحاصل دنيانا أذن ووبال. ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا، سواء جمعنا فيه قيل وقالوا. قالوا، قال، ثم تأملت الطرق، قالوا، وكم قد رأينا من رجال ودولة. وقم قد رأينا من رجال ودولة، وجبال على شرفاتها فزالوا، والجبال جبال». قالوا: «ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما وجدتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. وجدت أقرب الطرق القرآن، أقرأوا في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وأقرأوا في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي». وهكذا الإمام الشهرستاني يقول أبياتا، يبين فيها ندمه على ما مر من عمره فيما لا ينفع، في علم الكلام، وغير ذلك. قال: «لعمرك قد طفت المعاهد كلها، سيرت طرفي بين تلك المعاهد. فلم أر إلا واضعا كف حائر، على ذقن، أو قارعا سن نادم». وهكذا قال ابن أبي الحديد: «يا أغلطة الفكري، طال فيك عمري، وانقضى عمري. طال فيك فكري، وانقضى عمري. رحم الله الأولياء، زعموا أنك المعقول بالنظر، كذبوا. إن الذي قالوه خارج عن قوة البشر». وهكذا الجويني رحمه الله تعالى عليه يقول: «خليت أهل الإسلام، وعلومهم، وخط في الدهر الذي نهوني الخوض فيه». قال: «فإن لم يتداركني الله برحمته، فالويل لابن الجويني». وقال: «أتمنى وتمنى أن يموت على عقائد عجائز نيسابور، تمنى أن يموت على عقائد العجائز، عقائد على الفطرة، عقائد سليمة، لم تتلوث بأدران الفلسفة، ولا بكذلك شوائب الكلام، ولا غير ذلك». فالسلام من الهوى مطلب عظيم. فيكفين هؤلاء الذين قد خاضوا في غمار علم الكلام، وابتعدوا عن القرآن والسنة، كيف آل بهم الأمر في آخر حياتهم من الندم والحيرة؟ الجويني يتكلم، ويقرر عدم علو الله جل وعلا في السماء. فيقول له عبد الجبار، أو فيقول له الهمداني: الهمداني رحمه الله تعالى عليه يقول له: «دعنا من كلامك هذا، وصف لنا الشعور الذي ينتاب الداعي حين يدعو، فإنه يجد شعورا لا مفر منه، يتطلع إلى العلو». فما استطاع الجويني أن يرد بشيء، فقال: «حيرني الهمداني، حيرني الهمداني». نعم، هم في حيرة، لأنهم لم يبنوا اعتقادهم، ولم يبنوا منهجهم على وفق كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنهج السلف الصالح. فعلينا أن نحذر الأهواء، والهواء، وأن نحذر من أهل الهواء، ومن كتبهم، ومن مجالستهم. فإن في ذلك سلامة عظيمة. ولذلك حذر المؤلف رحمه الله تعالى عليه في قوله، بداية هذه المنظومة: إني براء من الأهواء وما ولدت ووالديها الحيارة، ساء ما ولدوا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.