حلية طالب العلم 8

الدرس في حلية طالب العلم 8، ألقاها

تعريف الرياء وخطره

يُعرّف الرياء بأنه عمل الطاعة للناس أو لله وللناس معًا، ويُعتبر خطرًا عظيمًا على صاحبه حيث يمكن أن يحول العمل الصالح إلى مخالفة.

خطورة الرياء وعواقبه

يُحذّر الشيخ من خطر الرياء ويروي حديثًا نبويًا عن عاقبة المرائين يوم القيامة، ويبين أن الشرك الأصغر قد يكون داخلًا في العموم الذي لا يغفره الله.

سبل إخلاص النية لله ومجاهدة النفس

يُقدم المقطع نصائح للإمامين أحمد والغزالي حول كيفية إخلاص النية لله جل وعلا ومجاهدة النفس على ذلك، ويُناقش كلام الفضيل بن عياض رحمه الله حول هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدروس الماضية الكلام على العلم، وأنه عبادة، ومنه دخل الشيخ رحمه الله تعالى في الكلام على مسألة إخلاص النية لله جل وعلا. وكما تقدم معنا أن هذا المبحث لا سيما لطلبة العلم حقيق بأن يعتنى به، وأن يهتم به، وأن ينظر فيه الإنسان في كل وقت وآن؛ لأنه كما هو ظاهر ومعلوم، داء العلم عدم النية الصحيحة والعمل لغير الله جل وعلا، داء العلم. فلذا وقفنا معه فيما مضى، وفي مسايرة هذه الوقفات عسى الله جل وعلا أن ينفعنا جميعًا بما نسمع، وأن يجعل هذا سببًا لتذكر هذا الأمر والعمل بمقتضى هذا الأمر، وأن يكون كذلك دافعًا لنا جميعًا للنظر في أعمالنا وفي أقوالنا، وما يصدر منا: هل هو لله جل وعلا أم لا؟ فإذا كان السلف رحمهم الله تعالى، وهم الأئمة، وهم الذين يقتدى بهم، كانوا يتهمون أنفسهم ويشكون في نياتهم، فكيف بنا نحن؟ نقول: نسأل الله عز وجل السلامة والعافية، ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الإخلاص، وأن يعاملنا بلطفه سبحانه وتعالى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وعليه، فإن شرط العبادة إخلاص النية لله عز وجل، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات»، وقد تقدم الكلام على هذا. قال: فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات؛ لأن الرياء من الشرك. وقد قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «قال الله جل وعلا: من عمل عملًا أشرك به معي غيري تركه وشركه»، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا دلنا على خطر الشرك، بل قد ذهب جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إلى أن الشرك الأصغر داخل في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فذهب إلى أن الشرك الأصغر داخل في هذا العموم، وأن الله جل وعلا لا يغفره، وأن من أشرك شركًا أصغر لا بد وأن يعذب، ثم يخلص بعد ذلك بتوحيده إلى الجنة. فكما ترون، الأمر عظيم، الأمر عظيم، وإن كان الأرجح في هذه المسألة أنهم داخلون تحت مشيئة الله جل وعلا، ولكن الأمر عظيم وخطير وجلل. قال رحمه الله: فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات. قال: ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء؛ لا شيء، الإنسان قد يكون مجدًا ومجتهدًا ونشيطًا في طلب العلم، ولكن كيف نيته؟ هل هذا النشاط وهذا الطلب وهذا التحصيل وهذا السهر لأجل الله جل وعلا، أم أنه لأجل أن يقال؟ فأمره خطير. وتعلمون ما رواه الإمام أحمد وأثبته في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، حينما جاءه أحد التابعين فقال له: حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاه قلبك - أو كما قال - وكان أبو هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بحديث سمعته أذني ووعاه قلبي في هذا البيت، وأشار إلى أحد أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ليس بيني وبينه أحد. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شهق أبو هريرة شهقة عظيمة، فخر مغشيًا عليه رضي الله عنه وأرضاه، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث ليس بيني وبينه أحد، وأشار إلى الحجرة، ثم شهق مرة أخرى، وخر مغشيًا عليه رضي الله عنه وأرضاه، وهكذا فعلت الثالثة. فلما أفاق بعد ذلك، قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يؤتى يوم القيامة بقارئ القرآن، فيسأل عن ذلك القرآن وعن ذلك العلم الذي تعلمه، يسأله ربه جل وعلا: ما صنعت في هذه النعمة وفي ذلك العمل؟ فيقول ذلك الرجل: يا رب، تعلمت القرآن لوجهك، وعلمته لوجهك، فيقال له: كذبت، تعلمت القرآن وعلمته الناس، وهو بين يدي الله جل وعلا، ويقول: تعلمته لوجهك وعلمته لوجهك. ويؤتى بالآخر مجاهد في سبيل الله جل وعلا، فيقال: قاتلت في سبيلك ابتغاء وجهك، فيقال له كذلك: كذبت. ويؤتى بمتصدق تصدق بصدقات عظيمة، فيسأله ربه جل وعلا عن ذلك المال، فيقول: تصدقت لوجهك - أو كما قال - فيقال له كذلك: كذبت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيؤمر بهم فيسحبون على وجوههم إلى النار». وهؤلاء أول من تسعر بهم النار، سبحان الله! انظروا إلى هذه الأعمال الجليلة والعظيمة والكبيرة، وانظروا إلى مصير أولئك حينما كانت تلك الأعمال لغير الله جل وعلا ولغير وجهه. فنسأل الله جل وعلا أن يسلمنا، نسأل الله جل وعلا أن يسلمنا وأن يعافينا في الدنيا والآخرة. الحاصل كما ترون أن الأمر خطير، الأمر ليس بالسهل. قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما السبيل إلى النية وإلى إخلاص النية؟ فالجواب: أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى سئل عن هذا، سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كيف النية؟ فقال رحمه الله تعالى: يعالج نفسه، يعالج نفسه إذا أراد عملًا لا يريد به الناس، إذا أراد عملًا لا يريد به الناس. كلمات سهلة ويسيرة، لكن العمل بها شاق إلا على من وفقه الله جل وعلا إلى ذلك العمل. قال: يعالج نفسه، ينظر قبل أن يقدم على العمل: هل ذلك العمل لله جل وعلا؟ هل يريد بذلك العمل وجه الله جل وعلا؟ أم يريد الناس؟ أم أنه نشط حينما رأى الناس؟ أم أنه يريد أن يقال: فلان عابد، فلان عالم، فلان فصيح في الكلام، فلان عنده خير في كذا وكذا؟ الأمر خطير. لذا ذكر كلامًا كذلك عن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، أنه قال كلامًا معناه: إن أحبت نفسك الكلام فاصمت، وإن أحبت السكوت فتكلم، وذكر كلامًا هذا معناه. وهذا فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن النفس تشتهي السوء، فالإنسان يعالجها بتصحيح النية وإخلاصها لله جل وعلا. فقد يقول قائل: إذا كان كذلك، إذًا سأترك العمل؛ إذا كان الأمر خطير، إذا عملت ربما يكون العمل لغير الله جل وعلا، فتكون علي العاقبة عاقبة غير محمودة، فإذا أترك العمل، فهذه كذلك من نزغات الشيطان ومن أبواب الرياء. قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى كلامًا معناه - أو قل كلامًا - هو من أدق الكلام ومن أحسن الكلام في هذا الباب، وكلامه رحمه الله تعالى هذا تداوله العلماء؛ لأنه كما يقال: يكتب بماء الذهب لا بمائه؛ لما فيه من المعاني العظيمة. قال رحمه الله: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك»، إذًا كيف يتخلص الإنسان من هذا؟ كما يقال: هو بين نارين، إن ترك وقع في الرياء، وإن عمل لأجل الناس وقع كذلك في شرك، فما الخلاص؟ قال رحمه الله تعالى: «والإخلاص أن يعافيك الله عنهما»، بمعنى أن الإنسان - كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى - يقدم على العمل ويعالج نفسه وينظر في نفسه ويفتش في نفسه: هل هذا العمل لله جل وعلا؟ أراد به وجه الله جل وعلا؟ أم أنه أراد به السمعة؟ وأن يقال: فلان عنده وعنده من الخير، وعنده وعنده من العلم، وعنده وعنده إلى غير ذلك من الأشياء التي ينزغ بها الشيطان على العبد؟ فإن قال قائل: قد يبدأ الإنسان عمله وقد عالج نفسه وهو يريد وجه الله، ثم طرأ عليه طار، رأى الناس، فإن صرف نظره إلى الناس، فما العمل؟ كذلك هذا قد ذكره العلماء رحمهم الله تعالى، فقالوا: عليه أن يجاهد نفسه وأن يجدد النية ويصحح النية ويخلص لله جل وعلا. وقد ذكر بعض أهل العلم كلامًا جيدًا معناه: أن الإنسان إذا رأى غيره، ماذا يريد من ذلك الغير؟ ماذا يملك ذلك الغير من الخير؟ حتى يصلك الجواب: لا شيء؛ لماذا؟ لأن المالك للشيء حقيقة من هو؟ الله جل وعلا، قل: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير»، إذًا ما تطلبه هو عند الله جل وعلا، وهو بيد الله جل وعلا، وهو ملك لله جل وعلا، فلماذا تطلبه من غيره؟ وهذا كما ترون من أحسن الأدوية لهذا الداء. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على أنفسنا؛ بمعنى أن ينظر الإنسان إذا دخل في عمل ونظر إلى غيره: ماذا يريد من هذا الغير؟ هل يريد من ذلك الغير الخير؟ هل يريد من ذلك الغير العزة؟ هل يريد من ذلك الغير الجاه؟ الجواب: إن كان نعم، فالجواب أن ذلك الغير لا يملك شيئًا، لا يملك شيئًا، وإنما هذه الأشياء إنما هي ملك لله جل وعلا، بيده سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، غيره لا يملك منها شيئًا. فإذا علم الإنسان أن غيره لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضر، ونظر في الجهة الأخرى إلى ربه جل وعلا، فرأى ووجد أن الملك بيده: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، ملك السماوات والأرض، الملك بيده، والعزة بيده، والخير بيده، فلماذا إذًا ينظر الإنسان إلى غير الله جل وعلا؟ ولكنه الشيطان هو الذي يفتح الأبواب على الإنسان. فالحازم من ضبط نفسه ونظر بهذا المنظار، بمنظار الإخلاص لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص. رياء الشرك أن يعمل الطاعة لله وللناس، أن يعمل الطاعة لله وللناس، هذا يسمى رياء ماذا؟ رياء شرك. ورياء الإخلاص أن يعمل الطاعة للناس خاصة، للناس خاصة، فهذا ابتدى عمله لمن؟ للناس، لأجل الناس. والأول ابتدى عمله لمن؟ لله جل وعلا، ولغير الله جل وعلا. فإذًا كان الأول واقعًا في رياء الشرك، والثاني واقعًا في رياء الإخلاص، وكلاهما على خطر عظيم. طيب، نكتفي بهذا. القادر إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على