الدرس في حلية طالب العلم 61، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية الوقت لطالب العلم واعتباره رأس المال الحقيقي. ينبغي على الطالب استثمار وقته في طاعة الله وطلب العلم النافع.
يتمثل الحفاظ على الوقت في الاستعانة بالله وترتيب الأوقات واختيار الرفقة الصالحة. كما يشمل إغلاق أبواب الانشغال والاستفادة من تجارب السابقين في طلب العلم.
يُنصح الطالب باستغلال الوقت في طلب العلم خاصة في أوقات الشباب. يُحذّر من التسويف وتأجيل العمل إلى حين الكبر لأن ذلك يؤدي إلى الندم.
ينبغي لطالب العلم التحلي بالهمة العالية والصبر والجد في طلب العلم. بقدر عزم الطالب وهمته تأتي العزائم والمكارم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو في صدد ذكر ما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم في حياته العلمية: المحافظة على رأس مالك، ساعات عمرك. وكما يقال: العنوان دليل على ما عناه الشيخ رحمه الله تعالى، فكما ذكر رحمه الله تعالى المحافظة على رأس المال، وما هو رأس مال طالب العلم؟ هي ساعات عمره، الوقت. المحافظة على الوقت، وهذا حقيقة هو رأس مال كل حي، الوقت. ولأجل أهمية الوقت ومكانة الوقت وشأن الوقت، نجد الله جل وعلا في كتابه الكريم، في آيات كثيرة يقسم بالزمن، تارة بالفجر، وتارة بالضحى، وتارة بالليل، وهكذا بالعصر. وهذا إنما ليبين لنا ربنا جل وعلا مكانة الوقت. وكما قال العلماء رحمهم الله تعالى: بأن الله جل وعلا لا يقسم إلا بعظيم، فإذا الوقت عظيم عند الله جل وعلا، وما كان عظيمًا عند الله جل وعلا ينبغي أن يكون عظيمًا عند كل مؤمن، فكيف بطالب للعلم؟ ينبغي أن يكون معظمًا للوقت. والوقت كما ذكر من ذكر من العلماء، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الزمن ثلاثة: زمن ماض، وزمن آت، وزمن حاضر. فأما الذي هو ماض وقد مضى، فالإنسان ينبغي له أن لا ينشغل به، بمعنى أن يكون شاغلًا له عن وقته الحاضر، ولكن يكفيه من ذلك إن قصر فيه أو فرط أن يستغفر الله جل وعلا، وأن يتوب إلى الله جل وعلا من التقصير أو من المجاوزة في الزمن الماضي. وزمن المستقبل الذي لم يصل إليه بعد، كذلك لا ينبغي أن ينشغل به على حساب وقته الحاضر، بمعنى أن يسوف الأمور: غدًا سأفعل، ولعلي غدًا أن أعمل، وما شابه ذلك. لذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره في كلام معناه: بأنك ابن وقتك، أي أنت ابن وقتك الحاضر، الزمن والوقت الذي أنت تعيشه في الوقت المعين هو الذي ينبغي أن تهتم به، تهتم به من حيث الاستفادة منه ومن حيث الانتفاع به، وكيف تسخره في طاعة الله جل وعلا، وكيف تستخدمه في مطالبك الشرعية وفي مطالبك العالية التي ينبغي أن تكون منك أيها الطالب للعلم. فالإنسان ابن وقته، فينبغي له أن يكون حريصًا غاية الحرص على وقته الحاضر، ينظر هذا الوقت الذي أنا فيه ماذا أعمل فيه؟ ثم بعده ماذا سأعمل؟ وبعده ماذا سيكون؟ وما شابه ذلك. فلا يضيع الأعمار، بل والأعمال فيما لا يعود عليه بنفع لا في دنياه ولا في آخراه، فيكون حاسرًا نادمًا متحسرًا متندمًا في يوم لا ينفع فيه ندم ولا حسرة. فالحاصل من هذا أنه ينبغي للطالب أن يتحرى الوقت، أن يتحرى في وقته، وأن يحرص، وأن يكون في غاية الحرص على وقته. قد يقول قائل: وكيف يكون هذا؟ كيف يكون من الطالب هذا الأمر بأن يحافظ على وقته وأن يستثمر وقته في طاعة الله جل وعلا في طلب العلم فيما ينفعه؟ الجواب: أولًا ينبغي له أن يستعين بالله رب العالمين على ذلك الأمر، أن يستعين بالله أن يطلب العون من الله والتوفيق من الله والسداد من الله والرشاد من الله رب العالمين، يظهر الافتقار ويظهر العجز ويظهر الضعف لله رب العالمين، بأنه لا يستطيع أن يتحول من حال إلى حال، ولا قوة له فيما أراد إلا بعون الله وتوفيقه، فيكون هذا سببًا من الأسباب المعينة له على استثمار وقته والحفاظ على وقته. هذا أولًا، ثانيًا كذلك ينبغي له أن يرتب الأوقات، أن يرتب أوقاته، يرتب أعماله، مثلًا من بعد صلاة الفجر إلى الساعة الفلانية أراجع قرآن، من الفجر إلى الساعة كذا وكذا، السابعة الثامنة هذا وقت القرآن لا أفرط فيه، من الساعة كذا إلى الساعة كذا مثلًا فطور، من الساعة كذا إلى الساعة كذا عندي الدرس المعين، من الساعة إلى الساعة كذا عندي وقت مثل الإطلاع والقراءة في كتب أو في كتاب معين، حتى يأتي وقت الظهر، ثم كذلك بعد الظهر يرتب الوقت، ثم بعد العصر كذلك يرتب الوقت، إذا كان عنده دروس قال: وقت الدرس كذا وكذا، ثم بعد الدرس أعمل كذا وكذا، ثم جاء المغرب عندي كذا وكذا إلى العشاء، بعد العشاء إذا كان عنده درس أو عنده مذاكرة أو وقت مراجعة يضبط الوقت في يومه من أوله إلى آخره في جدول، يكتب في جدول: في جدول من الساعة كذا إلى الساعة كذا أيش العمل؟ كذا وكذا، من الساعة كذا إلى الساعة... ثم يستعين بالله جل وعلا على العمل بما صنعه من هذا الترتيب. وإن حصل له خلل أحيانًا إما لمرض وإما لعارض من العوارض، فهذا كما يقال خارج عن الأصل، وإلا الأصل ما وضعه، وهذا بإذن الله جل وعلا معين لك أيها الطالب في الحفاظ على الوقت. أيضًا من الأمور المعينة على الحفاظ على الوقت أن ينظر الطالب الرفقة من أهل الحرص على الوقت، أن ينظر الحريصين على الوقت فيصاحبهم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فليحرص على ماذا؟ على الصديق الجاد الحريص، الحريص على الخير يصاحبه ويتعاونان جميعًا في طاعة الله جل وعلا. هذا طريق من الطرق المعينة على الحفاظ على الوقت. من الطرق المعينة على الحفاظ على الوقت أيضًا: إغلاق الأبواب التي قد تكون سببًا لانشغالك أيها الطالب، ينظر الإنسان ما هو الباب الذي دائمًا يأتيه لانشغال بسببه؟ يغلق ذلك الباب، مثلًا على سبيل المثال: عنده جوال، ما شاء الله كل نصف ساعة يتصل به واحد: هيا فلان كيف حالك؟ ما شابه ذلك أخذ نصف ساعة، والآخر ربع ساعة، وآخر عشر دقائق. أغلق الجوال، افتح الجوال في أوقات معينة، هذا مثال. أغلق الجوال واجعل وقت الجوال في أوقات معينة، إن كان منتظر لشيء يمكن يجعله على الصامت وقت المراجعة في القرآن، وقت الدرس، ووقت كذا أغلقه واجعله على الصامت أو أغلقه أصلا حتى تنتهي من شغلته، اجعل وقت معين للجوال. فالشاهد أنه يغلق أبواب هذا المجال، أي أبواب الانشغال. وأيضًا من الأمور التي قد تعينه على ذلك أن يستعين بمن سبقه في طلب العلم والتحصيل في ترتيب أموره، وفي ترتيب أوقاته، وفي ترتيب كذلك تدرجه في العلم: بماذا يبدأ؟ ما هي الأولويات؟ ثم كيف يرتقي؟ وكيف يتدرج؟ وكيف يستمر في طلب العلم؟ وبماذا يبدأ؟ وأيهما يقدم عند التزاحم؟ إلى غير ذلك، يستعين بمن قد سبقهم في طلب العلم. فهذه أمور معينة للطالب على الحفاظ على الوقت. وإذا حافظ الطالب على الوقت هذا كما يقال بشارة خير، هذا طالب يرجى منه الخير بإذن الله جل وعلا، فكلما كان حريصًا على العلم وعلى الوقت هذا يرجى منه خير، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: «الوقت للتحصيل، أي ألزمه أو عليك بالوقت، ألزم الوقت للتحصيل، فكن حليف عمل لا حليف بطالة وبطر، وحلس معمل لا حلس تلهن، لا حلس تلهن وتسمر». فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد وملازمة الطالب ومذاكرة الأشياء والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومطالعة وتدبرًا وحفظًا وبحثًا، لا سيما في أوقات صباه، أي في أوقات الشباب وقوة الشباب، لأن الشاب عنده من القوة ما ليس عند غيره، فينبغي له أن يستغل هذا الوقت في العلم وفي الخير وفي الجد والاجتهاد، لأن الشباب شباب، وكلما كبر الإنسان كلما ضعفت حواسه وضعف جسمه ويحصل له ما يحصل، بخلاف الشباب قوي الحواس، كذلك كذلك تجد عنده حدة في الحفظ، في الفهم إلى غير ذلك. فإذا ينبغي للشاب أن يهتم بذلك اهتمامًا بليغًا. قال رحمه الله تعالى: «ومغتب العمر ومعد ومعد العافية، فاغتنم هذه الفرصة الغالية لتنال رتب العلم العالية، فإنها وقت جمع القلب واجتماع الفكر لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترأس ولخفة الظهر والعيان». كذلك لقلة الشواغل، الشاب غالبًا لا يكون مثل غيره من حيث المسؤوليات وتحمل الأعباء وما شابه ذلك. قال: «والصوارف عن التزامات الحياة والترأس، إنسان إذا صار مرجعًا أو صار ممن يرجع إليه يحصل له من الشغل ما لا يحصل لغيره من الشباب الذين ليسوا كذلك». قال: «ولخفة الظهر والعيان». قال رحمه الله: «ما للمعين وللعوال، إنما يسعى إليهن الفريد الفارد». قال: «وإياك وتأمير التصويف على نفسك»، أي إياك أن تجعل سوف أفعل كذا، سوف أعمل كذا، لا تجعل سوف أمام عينيك، بل أرمها خلف ظهرك. قال: «فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا وبعد التقاعد من العمل هذا وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القين: حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أذن لصيد قصير الخط، يحسب مرآني ولست مقيدًا، أني بقيد ولست مقيدًا». أي أنه قد كبر سنه، كبر سنه وما استطاع أن يدرك ما أراد وتمنى، وسوفهم إلى زمن لا يستطيع أن يعمل ما أراد ونوى. قال: وقال أسامة بن منقذ: «مع الثمانين عاثى الضعف في جسدي وساءني ضعف رجلي والطراب يدي، إذا كتبته فخط خط مطارئ كخط مرتعش، كخط مرتعش الكفين مرتعد، فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا من بعد حمل القناء في لبة الأسد». فقل لمن يتمنى طول مدته: هذه عواقب طول العمر والمدد. حاصل ما تقدم أن الإنسان إذا سوّف الأعمار إلى حين الكبر أو إلى حين الكبر فإنه يندم لأنه يضعف ولا يستطيع أن يقوم بما كان يقوم به في حال الشباب. قال: «فإن أعملت البدار فهذا شاهد منك على أنك تحمل كبر الهمة في العلم». وهذا مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، أن يكون كبير الهمة في العلم، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وبقدر المكارم أو بقدر أهل الكرم تأتي المكارم. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.