الدرس في حلية طالب العلم 71، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية تحلي طالب العلم بزكاة العلم مع مراعاة المصالح والمفاسد والصبر عند مواجهة الأذى. ينبغي لطالب العلم أن يكون ناشراً للعلم وباثاً له بين الناس.
ينبغي لطالب العلم أن يبذل جهده وماله وجاهه في نفع الآخرين والشفاعة الحسنة لهم، مع الاستمرار في نشر العلم والنصح رغم فساد الزمان. يُشدد على أن بذل العلم يزيد من قيمته.
المقطع يحث على تقوى الله والبلاغ عن دينه، ويختم بالثناء عليه والاستغفار والتوبة. يُظهر أهمية الامتثال لأوامر الله والاعتراف بالذنب والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله، وهو يذكر ما ينبغي أن يتحلى به الطالب من الناحية العملية: زكاة العلم. قال: «أدِّ زكاة العلم صادعاً بالحق، أماراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، موازناً بين المصالح والمضار، ناشراً للعلم، حب النافع، وبذل الجاه والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف». يقول الشيخ رحمه الله تعالى: مما ينبغي أن يتحلى به الطالب أن يتحلى بهذه الحلية، حلية زكاة العلم، كما أن للمال زكاة وللنفس زكاة، كذلك للعلم زكاة. وما هو زكاة العلم؟ قال رحمه الله: «أدِّ زكاة العلم»، ثم فسرها فقال: «صادعاً بالحق». هذه إحدى الخصال من خصال زكاة العلم. قال: «أماراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر»، أي: من زكاة العلم مما يزكو به العلم. والزكاة، كما هو معلوم من لفظها في اللغة، تأتي بمعنى الطهر وبمعنى النماء. فمما يزكي العلم، كما ذكر رحمه الله تعالى، أن تكون صداعاً بالحق. وهذه حلية ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم إذا احتاج إلى قول الحق قاله، ولا يخاف في الله جل وعلا لومة لائم إذا كان في الحق ولأجل الحق ونصرته، فإنه يقوله. لكن مع مراعاة القاعدة العامة في هذا الباب، بل في جميع أبواب الشريعة: قاعدة المصالح والمفاسد، جلب أو درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والنظر في أعلى المصلحتين في تحصيل أعلى المصلحتين على حساب الأدنى، ودرء أشد المفسدتين بارتكاب الأدنى، وما شابه ذلك من القواعد الشرعية العامة التي ينبغي أن يراعيها طالب العلم في هذا الباب، في باب الصدع بالحق، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه خصلة عظيمة، قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. لكن هذا الباب كغيره من الأبواب، لأن الشريعة واحدة مترابطة مكتملة بحمد الله جل وعلا. فمما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أن يكون الإنسان صداعاً بالحق، أماراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، لكن مع مراعاة المصالح والمفاسد. وليس معنى هذا أن الإنسان إذا أراد أن يأمر بمعروف يقول: لعله تحصل مفسدة، إذا أراد أن ينهى عن المنكر يقول: لعلها تحصل مفسدة، إذن أترك. لا، لأن الأمر - لا سيما في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا بد أن يحصل ما يحصل من الضرر. لذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم، حينما ذكر قصة لقمان عليه السلام مع ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: جرت سنة الله جل وعلا أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أنه يبتلى، وقد يؤذى. فإن وقع له ذلك فليصبر. ذكر كلاماً معناه هذا. والعلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب كغيره يقسمون هذه المسألة على أقسام، يقولون: إذا كان الأمر بالمعروف أو النهى عن المنكر فيه مصلحة محضة، وليس فيه مفسدة، فواجب الأمر وواجب النهي. وإن كان عارضته مفسدة محضة، فإنه واجب أن يترك. الخصلة الثالثة أو المرتبة الثالثة: أن تكون هناك مصلحة عظمى، وقابلتها مفسدة دنيا، ها هنا يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأن المصلحة أعلى. ورابعة: أن تكون مفسدة كبرى ومصلحة صغرى، فها هنا الواجب الكف درءاً للمفاسد. فإن تساوت - أي باب المصالح والمفاسد - فها هنا كما يقول بعض أهل العلم: مرتبة الاجتهاد. فالحاصل من هذا أنه ينبغي مما ينبغي أن يتحلى به الطالب هذه الخصلة التي هي خصلة الأنبياء وأتباع الأنبياء، أن يكون صداعاً بالحق، أماراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، مع مراعاة - كما سمعتم - المصالح والمفاسد. قال رحمه الله تعالى: «موازناً بين المصالح والمضار، ناشراً للعلم». هذه من زكاة العلم أن يكون الطالب - بعد أن منَّ الله جل وعلا عليه وتفضل الله جل وعلا عليه وأكرمه الله جل وعلا بالعلم - أن يكون ناشراً للعلم وباثاً له بين الناس. وهذه خصلة كذلك الأنبياء وأتباع الأنبياء، الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقال الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال الله جل وعلا لنبيه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها هذا المعنى. فإذا هي سنة الأنبياء وأتباع الأنبياء ناشراً للعلم. ومن جميل ما ذكر في هذا الباب ما ذكره أبو محمد بن حزم الظاهري رحمه الله في أبيات له قال: «منايا من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر. دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى ذكرها قوم في المحاضر». يعني: مناه من الدنيا أن يعلم الناس وأن ينشر العلم وأن ينشر العلم في أوساط المجتمع. وهذه منية لكل مصلح في كل مكان وزمان وفي كل عصر ومصر. قال رحمه الله تعالى: «وحب النفع». ناشر العلم وحب النفع، أي: يحب أن يكون نافعاً للغير ببث العلم والنصح والتوجيه والإرشاد والدلالة إلى ما ينفع المجتمع وما ينفع الفرد وما ينفع الآخرين. يكون حاله كالغيث حيثما وقع نفع. وهذا حقيقة هو حال المؤمن. وقد جاء في الحديث الذي حسنه أو صححه العلامة الألباني: أن المؤمن مثله كمثل النحلة حيثما وقعت نفعت. قال رحمه الله تعالى: «وبذل الجاه». إن كان ذا جاه، كان له وجاهة في المجتمع عند الناس، يبذل ذلك الجاه عوناً للآخرين ومساعداً للآخرين. وهذا كان حال ومنوال العلماء سلفاً وخلفاً. وكذلك ينبغي أن يكون حال طلبة العلم على هذا المنوال. من كان عنده جاه يستطيع أن يشفع، يستطيع أن ينفع، فهذا من النفع، وهذا من التعاون على البر والتقوى في باب البر والتقوى. قال: «والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف». لأن مدارها على التعاون على البر والتقوى. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم وغيره. والمتأمل في هذا الحديث يرى أن الإنسان بحاجة ماسة إلى أن يوفقه الله جل وعلا إلى عمل صالح يتبعه بعد وفاته، كما أنه بحاجة إلى عمل صالح في حياته. كذلك هو بحاجة إلى عمل صالح يتبعه وينفعه الله جل وعلا. ومن هذا ما ذكر في هذا الحديث: ما ذكر في هذا الحديث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. قال الشيخ: قال بعض أهل العلم: هذه الخصال الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه. قال: فبذله للعلم صدقة. بل هي من أعظم الصدقات وأجلها، لأنه يبذل ماذا؟ العلم. أيهما أفضل؟ إنسان يتصدق بالدراهم والدنانير، أو يتصدق على غيره بالعلم النافع الذي ينفعه الله جل وعلا به في دنياه وآخرته؟ لا شك ولا ريب أنه العلم. لذا يقول الشيخ: يقول: «فبذله للعلم صدقة ينتفع بها المتلقي لها». أي: الطالب الذي يتلقى هذه الفائدة ويقبل هذه الصدقة من ذلك العالم. قال: «والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه». فالعالم كالأب لذلك الطالب الذي علمه تلك الفائدة. إذا اجتمع في العالم هذه الخصال الثلاث: أنه تصدق بصدقة جارية، وهذه الصدقة نافعة ينتفع بها، وكذلك تصدق بها إلى ذلك الذي قبل تلك الصدقة، فهو كالابن له، كالابن لذلك العالم. فاجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث. قال رحمه الله: «فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك». ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإمساك. وآفته الكتمان. وهذه فائدة جليلة. يقول الشيخ: ولشرف العلم لمكانته العليا عند الله جل وعلا، يقول: «فإنه يزيد بكثرة الإنفاق». أي: كلما أنفق الإنسان، كلما بذل العلم، كلما نفع الناس، كلما زاد العلم. بارك الله جل وعلا في علمه، بارك الله جل وعلا في علم ذلك الباذل. قال: «وينقص مع الإمساك». أي: إذا قتر، وإذا أمسك عن العلم، لم يبذل ذلك العلم، يكون سبباً لنقصه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة». وكذا يقال: ما نقص علم من صدقة. قال رحمه الله: «وآفته الكتمان». من أعظم آفات العلم الكتمان. بل توعد الله جل وعلا من كتم العلم بالوعيد الشديد. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفساق وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ». فإن فعلت - أي: إن تقاعصت - وقالت: المجتمع لا يعين على النصح، المجتمع لا يعين على التعليم، سأترك التعليم، سأترك التوجيه، سأترك النصح. إذا وصلت إلى هذه المرحلة، يقول الشيخ: «فإن فعلت فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر». أي: يفرح بها الفساق غاية الفرح. لماذا؟ قال: «ليتم لهم الخروج على الفضيلة، يصيرون على الرذيلة ظاهرين، ويرفع لواء الرذيلة». إن تقاعص العلماء أو طلاب العلم عن بذل العلم والخير والنصح لأجل أن الزمان قد فسد وساء، وترك التعليم إذا امتنع أهل الخير من نشر الخير، ما لا تتوقعون أن يكون حال المجتمع. يكون مجتمعاً فاسداً، مجتمعاً فاسداً، يظهر فيه رؤوس الفساد بقوة. ولكن ينبغي للإنسان أن يتقي الله جل وعلا. فاتقوا الله ما استطعتم، وبلغوا ما استطعتم تبليغه من دين الله جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.