الدرس في حلية طالب العلم 38، ألقاها
يتحدث الدرس عن أهمية نشاط الطالب وتفاعله مع شيخه في الدرس، حيث يؤثر ذلك على نشاط الشيخ وفائدته. يُشدد على ضرورة استعداد الطالب وتهيئته للدرس لتفعيل العملية التعليمية.
يؤثر تهيؤ الطالب ونشاطه على استيعابه للعلم، حيث ينشط الشيخ في الشرح إذا رأى الطالب متحمسًا. العكس صحيح، حيث يضطر الشيخ إلى الاختصار إذا رأى الطالب متضجرًا أو متكاسلًا.
ينصح الإمام الخطيب البغدادي المعلمين بمراعاة حال المستمعين ونشاطهم، فإذا رأوا فتورًا أو مللًا فينبغي لهم السكوت. يُروى عن عبد الله بن مسعود أنه أوصى بالحديث ما دام المستمعون ينتبهون.
المقطع يشير إلى أن نشاط الشيخ مرتبط بنشاط الطالب، ويختم بدعاء يطلب فيه المغفرة والتوبة. يظهر فيه التأكيد على العلاقة بين المعلم والمتعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو يتكلم على ما تضمنه هذا الفصل من آداب الطالب مع شيخه: «نشاط الشيخ في درسه يكون على قدر مدارك الطالب في استماعه وجمع نفسه وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه». قال: «ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه بالكسل والفتور والاتكاء وشرود الذهن وفتوره». وهذا كما يقال ملموس ومشاهد؛ أن الطالب متى كان عنده نشاط وعنده حضور وعنده استعداد وعنده تهيؤ، كلما كان الشيخ أنشط في التدريس وعلى إلقاء الفوائد وعلى ذكر المسائل وعلى استنباط الأحكام، إلى غير ذلك من المعاني التي لا تكون إلا عند نشاط الشيخ. فكون الطالب مهيئًا وكون الطالب نشيطًا وكون الطالب متفاعلًا مع شيخه في الدرس، هذا مما يجعل الشيخ أكثر نشاطًا وأكثر فائدة، والعكس بالعكس. إذا كان الطالب كسولًا متضجرًا متضايقًا عابسًا وما شابه ذلك، هذا مما يجعل الشيخ كذلك يجعله لا ينشط في ذكر المسائل واستنباطها وذكر الفوائد وتوصيلها إلى غير ذلك. يكتفي الشيخ بالدرس بما تيسر؛ لأنه يرى أن الحاضرين غير متهيئين للفائدة وللمسائل التي سيذكرها. وهذا كما سمعتم مشاهد وملموس؛ أن المعلم متى رأى في الطالب أو في الطلبة تهيؤًا ونشاطًا وكذلك تفاعلًا، كلما نشط وأكثر من ذكر الفوائد والمسائل التي يحتاجها الطلبة. والعكس بالعكس؛ يبدأ يدخل في مسألة، يرى الطالب تضجر، يرى الطالب بدأ يتكاسل، يرى الطالب على صورته الملل واليأس وما شابه ذلك، فيضطر إلى أن يختصر الدرس اختصارًا، وأن يكتفي منه باليسير. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فاحذر أن تكون -أيها الطالب- وسيلة قطع لعلم الشيخ». يريد أن يوصل لك العلم والفوائد والمسائل، فيكون بسبب حالك وتضجرك سببًا لقطع ذلك الخير. وليوصله إليك وإلى غيرك من الطلبة، والعكس بالعكس. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها». فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت؛ فإن بعض الأدباء قال: «نشاط القائل على قدر فهم المستمع». وهذا الكلام من الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى يدل على هذا المعنى؛ على أن حق الفائدة -من إكرام العلم- أن لا تعطيه إلا إلى أهله. إذا لم تر أهلًا للعلم، فالعلم عزيز، والعلم شريف. قال: «ولا تعرض إلا على الراغب فيها». أي: الفائدة لا تذكر عند من لا يستفيد منها، وعند من لا يبتغيها؛ بل هو زاهد فيها. قال: «نشاط القائل -أي المعلم- على قدر فهم المستمع». فإذا كان المستمع نشيطًا فهمًا، يرى في وجهه وفي عينيه الفهم وحب الازدياد وحب الاستفادة، فهذا يكون سببًا لنشاط المعلم والإكثار من ذكر الفوائد، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: ثم ساق بسنده إلى زيد بن وهب، قال: قال عبد الله -وهو ابن مسعود-: «حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم». أي: ما داموا ينظرون إليك ويريدون الفائدة ويبتغون في العلم والمسائل فحدثهم. قال: «فإذا رأيت منهم فترة فانزع؛ إذا رأيت منهم تضجرًا، إذا رأيت منهم سآمة، إذا رأيت منهم مللًا فماذا؟ فانزع». وهذا يدل على ما تقدم من أن نشاط الشيخ يكون بنشاط الطالب، وفتوره بفتوره. والله تعالى أعلى وأعلم. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.