حلية طالب العلم 54

الدرس في حلية طالب العلم 54، ألقاها

مقدمة في معنى الفقه وأهمية فهم الأحاديث

يبدأ الشرح بتوضيح معنى الفقه الحقيقي من خلال حديث عبد الله بن مسعود، حيث يتجاوز الفقه مجرد الحفظ إلى الفهم والاستنباط. يُبرز أهمية فهم معاني الأحاديث واستخراج الدلالات منها.

أهمية كتب ابن تيمية وابن القيم في التفقه الشرعي

يُشيد الشارح بكتب ابن تيمية وابن القيم الجوزية في التفقه واستنباط الأحكام الشرعية، ويوضح أهمية منهجهما في التعامل مع الأحكام الشرعية. يُذكر مجلسًا لشيخ الإسلام ابن تيمية يتحدث فيه عن التفقه في الدين.

التفكر والتفقه والتحذير من التقول على الله

يؤكد الشارح على أهمية التفكر قبل التفقه، مشيرًا إلى أن التفقه محجوز بالبرهان وليس بالتشهي والهوى. كما يحذر من خطورة التقول على الله دون سند شرعي، موضحًا أن المتقول على الله يعتبر أشد إثمًا من المشرك بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على قول المؤلف رحمه الله: "التفقه بتخريج الفروع على الأصول"، وتوقفنا عند حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "مرأة سمعت مقالة فحفظتها ووعاها فأدتها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". قال رحمه الله تعالى: قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه هذا الحديث، أي في شرحه واستنباطه. قال: "وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم". أحد عنده في نسخة: "عن طريق التفهم"؛ يعني "عن" بدل "من" أو "من" بدل "عن". قالوا: "في ضمنه بيان وجوب التفقه والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره". قوله رحمه الله تعالى، أي قول ابن خير رحمه الله: "وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك" مأخوذ من الحديث. ومعنى هذا أن الفقه ليس هو مجرد حفظ تلك الأحاديث، وإنما هو الاستنباط والاستدراك، أي طلب إدراك المعاني من الأحاديث. قوله رحمه الله: "وفي ضمنه بيان وجوب التفقه". لو أنه قال رحمه الله: "وفي ضمنه بيان فضل التفقه" لكان أجود وأولى؛ لأن النص ليس بظاهر في الدلالة على وجوب التفقه، وإن كان وجوب التفقه مأخوذا من أدلة أخرى، وأنه من فروض الكفايات. قال رحمه الله تعالى: "والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره"؛ أي هذا مما يستفاد من هذا الحديث، ففيه حث على الاستنباط وعلى استخراج الدلالات من الحديث. وإن كان معنى التفقه أعم، ولكن ابن خير أراد الكلام على الحديث المعين، وإلا فإن باب الفقه واسع، والاستنباط يكون تارة من كتاب الله جل وعلا، وتارة يكون من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: "أول الشيخين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية رحمهم الله تعالى في ذلك القدح المعل". ومن نظر في كتب هذين الإمامين سلك به النظر فيهما إلى التفقه طريقا مستقيما؛ أي أن المتتلمذ على كتب هذين الشيخين والمعتنين بكتب هذين الشيخين اعتناء كاملا وكبيرا يجد أن لهذين الإمامين رحمهم الله تعالى كما ذكر القدح المعل، أي لهم قصب السبق ولهم الحظ الأوفر في هذا الباب، أي في استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة وتقدم. قال رحمه الله تعالى: "ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه: أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام المشروعة تصويرا وتقريرا وتأصيلا وتفصيلا، فوقع الكلام فيه". فأقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله". هذا مبني على أصل وفصلين؛ يعني انظر إلى هذا الكلام وإلى هذه الطريقة. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: "فقد كنا في مجلس التفقه في الدين"، أي كان في أحد المجالس الذي جلسها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى معلما ومفقه لغيره. قال: "والنظر في مدارك الأحكام المشروعة تصويرا وتقريرا وتأصيلا وتفصيلا". ثم قال: "فوقع الكلام فيه" إلى آخر كلامه؛ لأن الشيخ أراد فقط التنبيه على طريقة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في التعامل مع الأحكام الشرعية. ثم قال: "فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله". وفي هذا إلماح لطيف إلى أن الإنسان مهما بلغ علمه فإنه لا حول له ولا قوة إلا بالله. قال رحمه الله تعالى: "وَاعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيِّ التَّفَقُّهِ التفكر". يقول الشيخ بكر رحمه الله: "وَاعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيِّ التَّفَقُّهِ التفكر"، أي قبل أن تصل إلى التفقه التفكر. قال: "فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير ما آية من كتابه إلى التحرك بإجالة النظر العميق في التفكر في ملكوت السماوات والأرض". قال رحمه الله: "وعليه فإن التفقه أبعد مدى من التفكر، إذ هو حصيلته وإنتاجه". بمعنى أن التفقه كما ذكرنا هو نتيجة التفكر. إنسان إذا بدأ يتفكر وينظر ويتأمل، إن فتح له باب بل أبواب من أبواب التفقه والاستنباط بالنظر في أولا دلالات الكتاب والسنة، وثانيا بالنظر في الدلالات العامة وقواعد الشريعة العامة لهذه الشريعة المكتملة الشاملة المحكمة. قال رحمه الله: "لكن هذا التفقه محجوز بالبرهان، محجوز عن التشهي والهوى". ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير. إذن ينبغي للطالب مع ما ذكر أن يعلم علما يقينا أن مسألة استنباط الأحكام وكذلك طلب الأدلة الشرعية من كتاب الله جل وعلا ليس الأمر مجرد فوضى وتشهي، وإنما هو مضبوط محجوز كما ذكر، محجوز بالبرهان، أي بالبرهان من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كما في إعلام الموقعين: "رتب الله جل وعلا النهي في هذه الآية من الأشد فالأشد، فجعل مرتبة القول على الله بغير علم أشد من الإشراك بالله جل وعلا". وذلك لأن المشرك بالله جل وعلا قد جعل مع الله شريكا، فهو معترف بالله ولكنه عبد مع الله غيره، أما المتقول على الله فإنه نصب نفسه إلها مع الله، يقول: "هذا حلال وهذا حرام، وهذا يجوز وهذا لا يجوز"، فهو أشد إثما من الأول. نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على