الدرس في وقفات مع حديث أخبرني بعمل، وكانت يوم الثلاثاء 21 محرم 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخل الجنة ويباعد عن النار. ويبين فيه أصول الإسلام وأبواب الخير مع التأكيد على حفظ اللسان وضرورة تيسير الله.
يستعرض المقطع أركان الإسلام الخمسة كما وردت في حديث جبريل وحديث ابن عمر مؤكداً أن التوحيد أساس قبول الأعمال. ثم يذكر أبواب الخير كصوم وصدقة وقيام ليل داعياً المسلمين للعمل بها.
يؤكد المقطع أن الصدقة لا تنقص المال بل يخلف الله خيراً منه ويحث على قيام الليل في الثلث الأخير. ويبين مكانة الإسلام ورأسه وعموده وذروة سنامه محذراً من الغلو أو التفريط في الجهاد.
يبيّن المقطع أن الوسط هم أهل السنة الذين يتلقون الدين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، نحب أن نتذاكر في هذه الدقائق وفي هذه الوقفات حديثًا عظيمًا من أحاديث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الحديث هو حديث أبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أدلك على أبواب الخير؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل». ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أدلك على ملاك ذلك كله؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «أمسك عليك هذا»، وأخذ بلسان نفسه. قال: فقلت: يا رسول الله، أو إنا لمؤاخذون بما نقول؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟». والحديث قد صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث، إخواني في الله، يسأل فيه النبي عليه الصلاة والسلام سؤالًا عظيمًا، ألا وهو عما يكون فيه أو به النجاة من النار والفوز بالجنة. وهذا يدل، إخواني في الله، على الهمة العالية التي كان عليها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهم كانوا حريصين كل الحرص على النجاة من النار، وعلى أن يكونوا ممن يفوز برضاء الله عز وجل ويفوز بالجنة. ومن نجاه الله عز وجل من النار وأكرمه بالجنة، فقد فاز فوزًا عظيمًا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. انظروا إلى قوله عز وجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. هكذا ينبغي علينا، إخواني في الله، أن نجعل نصب أعيننا كيف ننجو من النار وكيف نفوز بالجنة. نحن، إخواني في الله، الله عز وجل خلقنا في هذه الدنيا حتى نكون عبيدًا له، وحتى نكون منقادين لأمره، مجتنبين لنهيه. نعم، إخواني في الله، فهذه هي طريق الجنة، وهي طريق النجاة من النار. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقد سألت عن عظيم»، أي أمر عظيم، يوم أن تنجو من النار وتفوز بالجنة. قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه». وهذا يدل، أخي في الله، أن الأمر لله عز وجل من قبل ومن بعد، وأن الإنسان محتاج إلى تيسير الله عز وجل وإلى إعانة الله عز وجل. فاسأل الله عز وجل أن يعينك يا عبد الله، وأن يسر لك طريق الجنة، وأن يباعدك من النار. قال عليه الصلاة والسلام مبينًا لهذه الأعمال التي فيها نجاة من النار وفوز بالجنة، التي هي دار الكرامة عند الله عز وجل: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». وهذه، يا أخي في الله، لو تأملتها لوجدتها أركان الإسلام التي يقوم عليها هذا الدين، والتي بيّنها نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله، قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وهكذا لما سأل جبريل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإسلام، ذكر له هذه الأمور التي جعلها هنا أسبابًا للنجاة من النار وللفوز بالجنة عند الله عز وجل. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا». وهذا فيه دلالة على أهمية أمر التوحيد، وأنه لا صلاح للأعمال، بل ولا فوز لهذا الإنسان، إلا بعد أن يحقق توحيد الله عز وجل، وذلك بإخلاص العبادة لله عز وجل. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». نعم، إخواني في الله، بيال قطرة الشرك الذي هو محبط للأعمال وموجب للنار، وهكذا محرم للجنة. أليس الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]؟ من أشرك بالله، ومن لم يخلص العبادة لله عز وجل، فلا جنة يا عباد الله، ولا نجاة من النار، إلا بتحقيق التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنزل الله عز وجل الكتب لبيان هذا الأمر العظيم وهذا الأصل العظيم، ألا وهو توحيد الله عز وجل. «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أدلك على أبواب الخير؟» النبي عليه الصلاة والسلام ما من خير يقرب الناس إلى الله ومن الله إلا ودلهم عليه، وما من شر يغضب الله عليهم ويبعدهم من الله عز وجل إلا وحذرهم منه. ولهذا تركنا النبي عليه الصلاة والسلام على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا امتثالًا لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]. مات النبي عليه الصلاة والسلام وقد أحمل الله به هذا الدين، وبلغ البلاغ المبين، عليه الصلاة والسلام. قال: «أفلا أدلك على أبواب الخير؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل». ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17]. وهذه بحق، يا عباد الله، أنها من أبواب الخير التي ينبغي على كل مسلم أن يهتم بها وأن يسعى في تحصيلها. الصوم جنة، يا عباد الله. الصوم عبادة عظيمة، تعتبر من أجل العبادات ومن أعظمها أجرًا عند الله عز وجل. ولهذا فإن الله عز وجل قد ادخر أجر الصائمين عنده، فلم يخبر به، كما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «إن الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجله، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». «الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». والصدقة، إخواني في الله، باب من أبواب الخير، كثيرًا ما يأمرنا ربنا عز وجل به، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يأمرنا به. لكن ينبغي علينا أن نتأمن في هذا الباب، أن بعض الناس يظن أنه إذا تصدق فقد نقص المال، وسيقل المال حتى يذهب كله. وهذا خطأ، إخواني في الله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما نقص مال من صدقة». بل وربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39]، أي يخلف عليك يا عبد الله بخير منه. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أيضًا: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما - أو يقولان -: اللهم أعط ممسكًا تلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا». إذن المال لا ينقص من الصدقة، بل إذا أردت أن مالك يزيد فتصدق، وانتظر الخير من الله عز وجل، وانتظر أن الله عز وجل يبارك لك في هذا المال. ما نقص مال من صدقة. «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». وإذا سألت يا عبد الله عن الخطايا وعن السيئات التي نقع فيها بالليل والنهار، وفي السر والعلانية، إلا من رحم الله، فحدث ولا حرج. فما أحوجنا إلى أن نتخلص من هذه الخطايا ومن هذه الذنوب، وأن نلقى الله عز وجل ونحن على صفاء، ونحن على طهارة، ونحن على نعم مغفرة من الله عز وجل. «وصلاة الرجل في جوف الليل». أما صلاة الليل، يا عباد الله، فقليل من الناس من نعم يحرص على مثل هذا الخير، وعلى مثل هذا الباب العظيم الذي هو من أبواب الخير. من من الناس يقوم ويصلي والناس نيام؟ يقوم ويترك مضجعه، ويترك فراشه، ويترك النوم في تلك الساعة التي النفس تشتهي أن تنام، ولربما كان في عمل، وكان في عناء من أول النهار إلى آخره، لكن محبة في الله عز وجل، وهكذا تحصيلًا للأجر العظيم عند الله، فإنه يقوم بالليل. ولا شيء، يا عباد الله، في آخر الليل، حيث ينزل ربنا عز وجل حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟» والناس نيام. أين أصحاب الحوائج؟ أين أصحاب الذنوب؟ أين من يبتغون الأجر عند الله عز وجل؟ لِنَحرص، إخواني في الله، ولو بنصف ساعة. ليس معنى ذلك أنك تقوم الليل كله، لا يا عبد الله، لكن خذ نصيبك من الليل، واخْلُ بقلبك مع الله عز وجل، اقرأ القرآن قراءة متأنية ومتدبرة، اذكر الله عز وجل ذكرًا كثيرًا، اسأل الله عز وجل من فضله. فإنها، يا عباد الله، أوقات مباركة، أوقات مباركة. لِنَحرص عليها، إخواني في الله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». هذه أمور عظيمة، يا عباد الله. الإسلام الذي هو دين الأنبياء، الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل دينًا غيره. «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». والصلاة مكانتها معروفة، والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة تدل على مكانتها وعلى أهميتها، وأنها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين. «والجهاد في سبيل الله» أيضًا، الجهاد شعيرة عظيمة من شعائر هذا الدين. لكن الناس فيها بين طرفين: وسط بين أناس غلوا، وظنوا أن الدين كله في الجهاد، والذي هو بمعنى القيام على الأعداء، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل انقلب الجهاد عند بعض الناس إلى أن صار جهادهم على أهل الإسلام وفي بلاد الإسلام. وإلا فأي جهاد في الرياض، أو في مكة، أو في صنعاء، أو في غيرها من هذه البلاد المسلمة، يُقتل فيها أبرياء من أهل الإسلام، بينما أعداء الإسلام يتنعمون برغد العيش وكثرة المتاع والقوة ونحو ذلك؟ وأما الطرف الآخر، فهم الذين يميعون أمر الجهاد، ويثبطون عن هذا الواجب العظيم. وأما الوسط، فهم أهل السنة، الذين هم يأخذون هذا الأمر على ما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نختم بهذا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.