حلية طالب العلم 48

الدرس في حلية طالب العلم 48، ألقاها

أهمية الهمة في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية الهمة في طلب العلم، حيث أن قيمة الإنسان تتحدد بناءً على ما يحسنه وما يسعى لتحصيله. يُشير إلى أن قيمة المرء تكون عظيمة إذا كان يسعى جاهدًا في طلب العلم وتحصيله.

مراتب الهمة ودرجاتها في طلب العلم

يتناول المقطع مراتب الهمة في طلب العلم، حيث يذكر ابن القيم ثلاث مراتب، ويشرح أهمية الهمة في طلب العلم وترقي درجات العبد في الجنة. يُبين أن هناك مرتبتين للقيمة: مرتبة العامة ومرتبة الخاصة.

الاجتهاد وطلب العلم والتحذير من التكلم بدون علم

يناقش أهمية باب الاجتهاد المفتوح في العلم والإيمان، ويحذر من التكلم بدون علم، مستشهدًا بكتابات العلماء، ويشدد على ضرورة طلب العلم والتدقيق فيه. يُظهر أهمية العلم في ترقية الإنسان.

خاتمة وتسبيح والاعتراف بعظمة الله

يشير إلى خاتمة الحديث أو النص بإظهار تعظيم الله تعالى والإقرار بعلمه الأعلى، متبعًا ذلك بتسبيح الله والاستغفار والتوبة. يُظهر أهمية الإقرار بعظمة الله في ختام الطلب والعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال -رحمه الله تعالى- وهو يذكر آداب الطالب في حياته العلمية: قال: «النهمة في الطلب»، أي: مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم النهمة في الطلب. ومعنى النهمة، أي: بلوغ الهمة في الشيء، فيكون الإنسان مولعًا بالعلم وبطلبه، وساعيًا في تحصيله وتزوده منه. قال الشيخ -رحمه الله-: «إذا علمت الكلمة» -إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- «قيمة»، أي: أن المرأة تكون قيمته في المجتمع، وكذا في أعين الناس، بحسب ما يحسنه. فإن كان ممن تزود من العلم تحصيلا وطلبًا وتقدمًا في العلم، وأتقن العلم الذي تعلمه بعد الجد والاجتهاد، وبعد التلقي وبعد ضبط العلم، فإذا صار كذلك، فإن قيمته في المجتمع، وكذلك في أعين الناس، بل في عين الله -جل وعلا- بحسب ما يحسنه. فإن كان قد حصل من العلم الشيء الكثير، كانت قيمته كذلك عظيمة وجليلة. وكلما قصر به الأمر، كلما كان كذلك. وانظر إلى حاجة العلماء، كيف قيمتهم في المجتمعات؟ كيف ينظر إليهم المجتمع؟ ولا سيما الصالح العلماء الذين بذلوا الأوقات، وبدلوا الأعمار، وبدلوا المال والغالي والنفيس لأجل تحصيل العلم، كيف صار الناس ينظرون إليهم؟ وكيف صار مكانتهم في المجتمع؟ لا يذكر العالم منهم إلا ويترحم عليه، ويترضى عنه، ويذكر بالخير والثناء. فكما قيل: «قيمة كل امرئ ما يحسنه». والإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وقبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهم الله تعالى جميعًا- ذكروا أن هذا المقام أو هذه الهمة التي هي قيمة المرء، كل قيمة المرء أو قيمة كل امرئ ما يحسنه، جعلوا هذه المرتبة مرتبة العامة. ومرتبة العامة: أنه تكون قيمته بحسب ما يحسنه. وجعلوا أخص من هذه المرتبة مرتبة الخاصة. ومرتبة الخاصة: قالوا: «أن تكون قيمة المرء ما يطلبه»، أن تكون قيمة المرء ما يطلبه، على حسب ما يطلبه ويسعى في تحصيله. وقد تقدم معنى في الدرس الماضي: أن أعظم همة وأعلى همة هي الهمة التي تقربك إلى ربك -جل وعلا- وتدنيك منه، وتدعو الناس إلى ذلك إلى الوصول إلى ربهم -جل وعلا- من أحسن الطرق ومن أقوم الأبواب. فهذه -كما سمعتم- هي همة الخاصة: «قيمة المرء ما يطلبه». الأول: «قيمة المرء ما يحسنه»، هذا عبر عنها ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأنها همة العامة. وهمة الخاصة: «قيمة المرء ما يطلبه». وذكر أمرًا ثالثًا، وهو أخص من الأمرين السابقين، وعبر عنه ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأن هذا هو همة خاصة الخاصة. وهمة خاصة الخاصة -كما عبر عنه ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال: «وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه»، أي: إلى أن يصل إلى مطلوبه، إلى وصوله إلى مطلوبه. إذن كما هو ظاهر: أن النهمة والهمة في هذا المقام على ثلاث مراتب: مرتبة العامة: «قيمة المرء ما يحسنه». وقيمة الخاصة: «قيمة المرء ما يطلبه». ومرتبة ثالثة، وهي مرتبة خاصة الخاصة، وهي: «قيمة المرء إلى مطلوبه»، إلى مطلوبه. قال -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر هذا القول، وكما أشار بقوله: «إذا علمت الكلمة المنسوبة»، ففي إشارة إلى أنها منسوبة إلى علي -رضي الله عنه وأرضاه- والله أعلم بصحة هذه النسبة. قال -رحمه الله تعالى-: «قيمة كل مرء ما يحسنه». وقد قيل: «ليس كلمة أحض على طلب العلم منها»، أي: تحض وتحث على طلب العلم من هذه الكلمة. وكأنه يقول -رحمه الله تعالى-: أن منزلتك -أيها الطالب- وقيمتك -أيها الطالب- بحسب ما تحسنه من العلم. فإذا كنت متقدمًا، وكنت متفوقًا، وكنت قد حصلت من العلم الشيء الكثير مع صحة النية، فإن منزلتك عند الله -جل وعلا- وعند الناس كذلك بحسب هذه الهمة، وذلك الأمر الذي وصلت إليه. وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كما في السنن، في سنن أبي داود وغيره، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: أن الله -جل وعلا- «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». وهذا الحديث يدل على هذا المعنى، فإن منزلتك -العبد- عند الله -جل وعلا- يوم القيامة، بل في درجاته في الجنة، لا يزال في صعود في درجات الجنة، وترقيًا في درجات الجنة إلى آخر آية يقرأها. وكذلك منزلة العبد في العلم. لذا قال الله -جل وعلا-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فهم متفاوتون في هذه الدرجات، باعتبار الإيمان وما تضمنه الإيمان، وباعتبار العلم وما تضمنه العلم. إذن العلم درجات، وكذلك الإيمان درجات. والعبد حظه من العلم والإيمان بحسب هذه النهمة وهذه الهمة في تحصيل العلم والإيمان. قال -رحمه الله تعالى-: «وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها». فاحذر غلط القائل: «ما ترك الأول للآخر». أي: ما الذي ترك الأول للآخر؟ ما ترك شيئًا. يقول الشيخ: احذر من هذه الكلمة. بل قال: «وصوابه: كم ترك الأول للآخر». الصواب العبارة: أن يقال: «كم ترك الأول للآخر»، أي: ترك الشيء الكثير. وباب الاجتهاد مفتوح، وباب العلم واسع. وهذا معلوم واضح ومسطر في كتب أهل العلم: أن باب الاجتهاد مفتوح، ولكن ينبغي للإنسان، بل يجب عليه: أن لا يتكلم في أبواب العلم والإيمان إلا بعلم. وإلا فإن من قال بأن باب الاجتهاد قد أغلق، هذه من الأمور الباطلة المنكرة التي نبه عليها العلماء، وبينوا بطلانها وبينوا جيفها. وقد نبه على هذا المعنى الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في الأصل السادس من كتابه «ستة الأصول». وكذلك هو أصل كتاب الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- «إرشاد النقاد إلى صحيح الاعتقاد»، الذي بين فيه -رحمه الله تعالى- أن باب الاجتهاد لا زال مفتوحًا، وبين الشبه ورد عليها ردا واضحًا، بين في ذلك الكتاب الذي يعد من أحسن الكتب في هذا الباب الحاثة على الاجتهاد، والمبين بطلان من سد باب الاجتهاد ومنعه. قال -رحمه الله تعالى-: «ما ترك الأول للآخر»، وصوابه: «كم ترك الأول للآخر». الأول: معناه قطع ومنع باب الاجتهاد. والثاني: «كم ترك الأول للآخر»، أي: ترك له ما يشتغل فيه وينظر ويحصل القول الصواب بدليله. قال -رحمه الله تعالى-: «فعليك بالاستكثار من ميراث النبي -صلى الله عليه وسلم-». والأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم. وورثة الأنبياء هم العلماء. والإنسان في ميراث النبوة بحسب ما أخذ من العلم. قال -رحمه الله تعالى-: «وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق». الوسع: أي الجهد والنشاط فيما لا في الطلب والتحصيل تحصيل العلم النافع. قال: «والتدقيق: أن يكون كذلك علمك دقيقًا، لا يكون مشتتًا مبعثرًا، تذكر المسألة دون أن تتأمل أطرافها ولوازمها ومقتضياتها، بل ينبغي أن يكون علمك دقيقًا محققًا منقحًا». قال -رحمه الله تعالى-: «ومهما بلغت في العلم، فتذكر كم ترك الأول للآخر». وكما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. العلم بابه واسع، لو أفنى الإنسان عمره فقط في تحصيل مسائل الفقه سيموت وما حصلها كاملة. لو دخل في باب الاعتقاد سيموت وما حصلها كاملة. في أبواب أخرى من أبواب الدين سيموت وما كملها وما حصلها. ولكن يأخذ من كل فن ما يعينه على ما يحتاج من العلوم. قال -رحمه الله تعالى- في ترجمة أحمد بن عبد الجليل من «تاريخ بغداد» للخطيب: ذكر من قصيدة له، قال: «لا يكون السري مثل الدني»، السري: إنسان السيد العزيز. لا يكون السري مثل الدني: الإنسان الداني السافل. «ولا ذو الذكاء مثل غبي»، مثل الغبي ذو ذكاء مثل ذا لا يكون مثل ذي غباء. قال: «قيمة المرء كلما أحسن»، من الإمام علي، أي: أنه ذكر مقتضى ما ذكر عن الإمام علي -رضي الله تعالى عنه- أن قيمة المرء ما يحسنه. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على