الدرس في حلية طالب العلم 82، ألقاها
يناقش التحذير من الجدال البيزنطي العقيم الذي لا فائدة منه، ويبين هدي السلف في الكف عن كثرة الخصام والجدال. التوسع في الجدال يدل على قلة الورع.
يتحذّر من الطائفية والحزبية، ويوضح أن الولاء والبراء يجب أن يكون على أساس الإسلام. أهل الإسلام يجب أن يتسموا بالإسلام والسلام وليس بأسماء أخرى.
يوصي باتباع منهج السلف في طلب العلم والدعوة إلى الله، ويحذر من التفرق والانضمام إلى الجماعات المختلفة. النجاة تكون باتباع الطريق المستقيم الذي كان عليه النبي وأصحابه.
يتحدث عن دعاء أهل الإيمان كما ورد في القرآن الكريم، ويشير إلى أهمية طاعة الله ورسوله وجزاء من يطيعهم. يذكر آيتين قرآنيتين توضحان فضل الطاعة والهداية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الرابع وستون، أي الحلية الرابعة والستون. قال: احذر الجدل البيزنطي. قال: أي الجدل العقيم، الجدل العقيم الذي لا فائدة وراءه. قال: أي الجدل العقيم أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم، وهذا -كما هو واضح- عقيم، يكون الإنسان يبحث في مسائل إما أن تكون من المسائل التي يجب عدم الخوض فيها، أو الأفضل عدم الخوض فيها، أو من المسائل التي يكون -كما قيل- لا طائل تحتها ولا فائدة وراءها، وهذا من هذا الباب. لذا قال: وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل، الجدل الضئيل أي الذي لا يكون لفائدة مثمرة، وإنما «إن قيل، فإن قال، إن قيل، فإن قيل، إن قيل، فإن قال» وهكذا، لا فائدة كبيرة وراءه. قال رحمه الله تعالى: وهدي السلف الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع. هذا ما كان عليه السلف، كانوا ينهون عن الجدال وعن المراء، بل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حذر من هذا، حذر من الجدال، وبيّن أن الجدال إنما نهايته الخصومة، كما جاء في حديث أبي أمامة: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، فإذا الهدي النبوي أن لا يكثر الإنسان من الجدال والمراء؛ لأنه سبب للخصومة. هذا إذا كان في إطار أهل السنة والجماعة، وأما إذا كان مع غيرهم من المخالفين للسنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، فالأمر أشد؛ وذلك لما يورثهم كثرة الجدال مع أولئك من الشكوك والحيرة. لذا كان السلف ينهون عن هذا لأجل هذا المعنى. وإنما كان يناظر ويجادل أهل الأهواء خواص أهل العلم، فكما نرى في تراجم العلماء أن من كان يناظر المخالفين من أهل الأهواء خواص أهل العلم، تجد مثلًا في طبقة الصحابة من خاصم الخوارج وناظر الخوارج وجادل الخوارج ابن عباس حبر هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه. قال رحمه الله تعالى: وأن التوسع فيه من قلة الورع، كما قال الحسن: إذ سمع قومًا يتجادلون، قال: «هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم فتكلموا»، رواه أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية. يعني هذا الإمام الحسن، وهو من أئمة المسلمين ومن سادات التابعين، وهو يقول في هؤلاء الذين حالهم كذلك: «هؤلاء ملوا العبادة»، ولو أنهم من أهل العبادة لنشغلوا بالعبادة عن القيل والقال. قال: «وخف عليهم القول»، سهل أن يتكلم الإنسان «إن قيل، فإن قيل» إلى غير ذلك. قال: «وقل ورعهم فتكلموا»، فإذن كثرة الخصومة، كثرة الجدال، كثرة القيل والقال تدل على قلة الورع. قال رحمه الله تعالى: لا طائفية ولا حزبية يُعقد الولاء والبراء عليها، أي لا طائفية ينسب إليها، ولا حزبية كذلك، ينسب فيقول: أنا من الطائفة الفلانية أو من الحزب الفلاني، والمراد هاهنا من الطائفة المخالفة والمفارقة لطائفة الحق، لطائفة المنصورة، وللفرقة الناجية. وكذلك الحزب، لا حزبية، أي مخالفة لحزب الله جل وعلا، للحزب الحق الذي يقوم على كتاب الله جل وعلا وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما كان عليه سلف هذه الأمة. فقوله رحمه الله تعالى: «لا طائفية ولا حزبية»، أي من الطوائف ومن الحزبيات المفارقة والمباعدة للحق وأهله. قال: «يُعقد الولاء والبراء عليها»، يُعقد الولاء والبراء، أي الضيق على هذه الطائفة أو على ذلك الحزب، من كان من تلك الطائفة واليناه، ومن كان ليس منها عاديناه، من كان من ذلك الحزب واليناه، ومن لم يكن من ذلك الحزب تبرأنا منه. فهذه هي الحزبية المذمومة الضيقة التي حذرنا منها تحذيرًا في آيات الكتاب الكريم، وكذلك في سنة المصطفى صلوات الله عليه والتسليم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فيكون هذا الحزب فرحًا بما هو عليه من الحزب، وفي المقابل يعادي من خالفه، هذا يوالي من كان معه في حزبه وطائفته، ويعادي من كان ليس كذلك. وهذا للأسف كما هو ظاهر كان ولا يزال هذا الأمر من حين أن ظهرت البدع والفرق والتفرق في هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: أهل الإسلام ليس لهم سِمة سوى الإسلام والسلام، أي أن أهل الإسلام الواجب فيهم أن يسموا بأنهم من أهل الإسلام، أو من أهل السنة، أو من أهل السلف الصالح، ولا يتسمون إلى فكر ما، ولا إلى شخص ما، ولا إلى مكان ما، ولا إلى عمل ما، بل يتسمون بما سماهم الله جل وعلا به: «سماكم المسلمين من قبل». فينبغي أن يسموا كذلك، أن يسموا كذلك من أهل السنة، من أهل السنة والجماعة، أن يسمى كذلك بالسلفيين، اتباعًا لسلف هذه الأمة الذين أمرنا بالاقتداء بهم والسير على منوالهم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فنحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، ومن هم المؤمنون؟ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن سار على سيرهم، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان». من سبقنا بالإيمان، أول من دخل في الإيمان، ونشر الإيمان، ودعا إلى الإيمان، الصحابة رضي الله عنهم وتابعوهم بإحسان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». قال رحمه الله تعالى: فيطالب العلم -بارك الله فيك وفي علمك- أطلب العلم، واطلب العمل، وادعُ إلى الله تعالى على طريقة السلف، على طريقة السلف، لا على طريقة زيد، ولا على طريقة عبيد، ولا على طريقة شيخ الفلاني، ولا زعيم الفلاني، بل أدعُ إلى الله جل وعلا بالحكمة والموعظة الحسنة، على ما كان عليه سلف هذه الأمة، على ما كان عليه سلف هذه الأمة، فهم أعلم الناس بدين الله جل وعلا. وكما قال الإمام مالك رحمه الله: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها»، فما صلح به السلف يصلح به الخلف، وإلا فإنهم سيكونون متفرقين شذر مذر، كما هو الواقع، والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: ولا تكن خراجًا واللاجًا في الجماعات، كما هو حال كثير من الناس اليوم مع الحزب الفلاني، وفي اليوم الآخر مع الجمعية الفلانية، وبعدها في الجمعية الأخرى، وبعدها في الحزب الآخر، وهكذا من يوم إلى يوم، خراجًا واللاج، خراجًا واللاج من جماعة إلى جماعة، ومن طائفة إلى طائفة، ومن حزب إلى حزب، والحق واحد. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، كما جاء في الصحيحين من حديث معاوية، وجاء كذلك من حديث المغيرة بن شعبة، وجاء كذلك من حديث عائشة، وجاء كذلك من حديث أنس في صحيح مسلم، وجاء عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في كلامه على تفرق الأمم وتفرق هذه الأمة: «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء في بعض الروايات -يحسنها العلامة الألباني وغيره من العلماء- قالوا: «من هي يا رسول الله؟» قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وفي بعض الروايات والألفاظ: «هم الجماعة». وهذه الزيادة تدل عليها ما تقدم من الأدلة من وجوب اتباع السلف، من وجوب اتباع السلف. إذن ما عندنا إلا طريق واحد يوصلك إلى الله رب العالمين، وما سواه وما عداه فإنه طريق يبعدك عن الله جل وعلا. قال نبينا صلى الله عليه وسلم -كما في مسند أحمد- من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مستقيما، وخط على جنبتي هذا الخط خطوطًا قصارًا، ثم قال: وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾»، قال: «هذا صراط الله» -أي الصراط المستقيم- قال: «وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إلى ذلك السبيل». فإذن ما عندنا إلا طريق واحد يوصلك إلى الله رب العالمين، وما سواه فإنها من السبل التي تفرق العباد عن الوصول إلى الله رب العالمين. ﴿وَإِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، أي عن سبيل الله رب العالمين. بل دعاء أهل الإيمان: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال الله جل وعلا في الآية الأخرى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. نتوقف إلى هاهنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.