الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 18، ألقاها
الإيمان يشمل القول والعمل ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان. يُعرّف الإيمان لغة وشرعًا.
أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، مستندين إلى القرآن والسنة النبوية. استدلّوا بآية البينة وحديث الإيمان بضع وسبعون شعبة.
يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، سواء عقلنا معناه أو لم نعقله. يجب التصديق بكل ما جاء به النبي مثل حديث الإسراء والمعراج.
المؤمن يرى كل شيء حتى المستحيلات كجزء من دين القيمة. يُختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، من وعلاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على بعض مسائل القضاء والقدر. من تلك المسائل المذكورة هناك أن القضاء والقدر ليس فيه حجة للعاصي على فعل معاصيه، بل دل الشرع، وكذلك هو مقتضى العقل، أن العبد له إرادة وله كسب يجزى على خيره بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب. وأن الله عز وجل ما أرسل رسلًا وأنزل كتبًا للعباد إلا لهذا المعنى؛ لأنهم عندهم إرادات وقدر واستطاعات يستطيعون بها امتثال ما جاءت به رسلهم، وإلا لما كان في إرسال الرسل فائدة، وفي إنزال الكتب كذلك فائدة، ولما رتب على ذلك من الثواب لأهل طاعة الله عز وجل والعقاب لأهل المعاصي. فدل هذا كله على أن العباد لهم إرادات ولهم مشيئات ولهم استطاعة، وهذه المشيئة والإرادة والاستطاعة هي التي هي مناط التكليف، وبهما خوطب، ولم يكلف الله نفسًا إلا وسعها، كما دل على ذلك كتاب الله، ودلت على ذلك السنة. وهذه مسائل العامة ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا، ذكرها بأسلوب إلى التفصيل أقرب. ونحن أجملنا في الكلام عليها لما تكرر مرارًا من أن الكتاب يعد تدريسنا له هاهنا تدريسًا أوليًا وابتدائيًا، فلا يحتاج إلى الإكثار من المسائل حتى لا يحصل الشتات للطالب. ولكن كلما صعد الطالب درجة، كلما ازداد معرفة لبعض المسائل، وضبطًا لها أكثر وأكثر، وتفصيلًا لها أكثر وأكثر. وهكذا فالعلم درجات. قال رحمه الله تعالى: «فصل، الإيمان قول وعمل». قال رحمه الله تعالى: «والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان». الإيمان لغة، قال جماعة من أهل اللغة: بأنه بمعنى التصديق، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فلم يرضَ بهذا التعريف، ولم يرضَ باقتصار الإيمان على التصديق، بل قال: «إن الإيمان في اللغة هو تصديق مستلزم للطاعة والانقياد»، وهو تصديق مستلزم للطاعة والانقياد. وكذا ذهب إلى هذا القول تلميذ العلامة شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى. وذكر رحمه الله تعالى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر نحو ستة عشر وجهًا في الرد على من قال: «إن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق فحسب». ذكر نحو ستة عشر وجهًا يرد به على هذا، وبين في آخر بحثه أن الإيمان في اللغة يطلق على الإيمان المستلزم للطاعة والانقياد. و «شرعًا» عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بتعريف، فقال: «الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية». قال ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا: «والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان». وهذا تعريف له شرعًا. فقوله: «الإيمان قول باللسان»، فيه رد على طائفة ممن قالت: «إن الإيمان مجرد تصديق القلب، أو معرفة القلب، وإن لم ينطق به اللسان». وقوله: «وعمل بالأركان»، رد على طائفة أخرى من الطوائف المرجئة، ممن قال: «إن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان». وقوله: «عقد بالجنان»، أيضًا فيه رد على طائفة ممن قالت: «إن الإيمان هو مجرد النطق، وإن لم يعتقد القلب». وقوله: «يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية»، هذا رد على الطائفتين المارقتين المختلفتين في هذا الباب: المرجئة، وكذلك مقابلها من الوعيدية، ممن شددوا في هذا الباب. فقوله رحمه الله تعالى: «قول باللسان»، كما سمعتم، يدل على أن الإيمان قول باللسان. لذا ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أن الإيمان من حيث هو على قسمين: الإيمان قول وعمل، والقول ينقسم إلى قسمين: قول القلب، وقول اللسان. قول القلب هو اعتقاده وتصديقه، ولا يصح إيمان إلا به. وقول اللسان كذلك، والمراد بقول اللسان النطق بالشهادتين، كذلك لا يكون إيمان ولا إسلام إلا بهما، لمن استطاع النطق بهما. والعمل كذلك على قسمين: عمل القلب، وهو إخلاصه ومحبته وخشيته وإنابته وتوكله، إلى غير ذلك من أعمال القلوب. وعمل الجوارح الظاهرة، كالصلاة، وكذا الجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة. وهذا الأمر مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة، من أن الإيمان قول وعمل، مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، نقل الإجماع غير واحد من الأئمة، كالأوزاعي، وكذا الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نصر، وجماعة كبيرة من الأئمة رحمهم الله تعالى، نقل الإجماع على هذا المعنى، نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾»، فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين. فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين. والآية كما ترون: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ويدخل في عبادة الله عز وجل كل قول أو عمل أو اعتقاد مما أحبه الله عز وجل وشرعه. فهو داخل في ماذا؟ في عبادة الله عز وجل. فهذا فيه دلالة على أن ما يظهر من العبد من قول أو فعل أو اعتقاد، كله عبادة، وكله إيمان. أضف إلى هذا قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص محله أين؟ القلب. وقال: ﴿حُنَفَاءَ﴾، والحنيف أيضًا الذي هو مائل من الشرك إلى التوحيد، بماذا يكون؟ بالقلب. وكذلك الجوارح تبع له. قال: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إقامة الصلاة عمل جوارح. قال: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهذا أيضًا من عمل الجوارح. فدلت هذه الآية على ماذا؟ على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. ففي قوله: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، دلالة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. وفي لفظة ﴿حُنَفَاءَ﴾، وفي قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾، دلالة على عمل القلب. وفي قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، دليل على عمل الجوارح، وكذا الزكاة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». فجعل القول والعمل من الإيمان. وزد على هذا، جاء في آخر الحديث: «والحياء شعبة من الإيمان». فباللفظة هذه، فيه دلالة على الأعمال الثلاثة: عمل القلب، وعمل اللسان، أو قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح. ففي قوله: «أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله»، الشهادة بلا إله إلا الله محلها أين؟ اللسان. قال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، إماطة الأذى عن الطريق، بماذا؟ بالجوارح. وجاء في لفظ الحديث كذلك: «والحياء شعبة من الإيمان». والحياء محله أين؟ القلب. ففي الحياء دلالة على أن الإيمان يكون باللسان، وبالجوارح، وكذا بالقلب. قال رحمه الله تعالى: «وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾». هذه في دلالة على ماذا؟ على قوله: «يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». فقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فيه دلالة واضحة بالنص على ماذا؟ على زيادة الإيمان. ويلزم من ذلك أن من زاد إيمانه، دل على أنه قبل الزيادة كان ماذا؟ كان ناقصًا. الزيادة تدل على ماذا؟ على النقص. يعني تدل باللج على النقص، على أنه كان قبل الزيادة ناقصًا، فازداد بماذا؟ بالعمل، وازداد بالطاعة. قال: «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان». فجعل الإيمان هاهنا ماذا؟ يتبعض. جعل الإيمان هاهنا ماذا؟ يتبعض. وأن بعضه فوق بعض. فقال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان». فبدأ بالبرة، ثم أدنى منها وهي الخردلة، ثم أدنى منها وهي الذرة من الإيمان. فدل على أن الإيمان ماذا؟ بعضه فوق بعض. وعلى أن الإيمان يدنو، يدنو، يدنو، حتى ما يبقى في قلب العبد إلا مقدار ماذا؟ مقدار ذرة من الإيمان. حتى ما يبقى في القلب إلا مقدار ذرة من الإيمان. وهذه الذرة من الإيمان ينفع الله عز وجل بها العبد، بأن ينجيه من النار، بأن ينجيه من النار، ويدخله الجنة بعد أن دخل النار. أي: إن دخل النار، وكان في قلبه مثقال ذرة، كان هذا المثقال من الذرة من الإيمان سببا لخروجه من النار، ودخوله إلى الجنة. أي: كان سببا لعدم تخليده في النار؛ لأن النار لا يخلد فيها إلا الكفار. أما من كان مؤمنًا، ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فإنه لا يخلد في النار، ولو فعل من المعاصي ما فعل. قال رحمه الله تعالى: «فصل، ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه». قوله: «ويجب»، أي: واجب على كل مؤمن. وهذا يدخل في الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. فإن أركان الإيمان ستة: الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر. فمن الإيمان بالرسل أن يصدق بكل ما أخبر به. وهذا كذلك من لازم شهادة أن لا إله إلا الله، بل هو من حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فشهادة أن محمدًا رسول الله، معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فهذا كما سمعتم من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو من أعظم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. فقوله رحمه الله تعالى: «ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه». قوله: «وصح به النقل»، ليخرج ما لم يصح. فما لم يصح، لا يجب علينا الإيمان به، بل ننظر في ذلك النقل. إن لم يثبت، توقفنا في الخبر. وإن كان فيه شيء ينكر، رد ذلك الخبر. فلا يجب علينا، بل لا يشرع لنا أن نؤمن بما لم يثبت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم. قال: «فيما شاهدنا أو غاب عنا»، سواء كان من أشياء التي شاهدنا، فهذا الأمر فيه واضح. وهذا يستوي فيه العالم والجاهل. إذا شاهد الشيء، آمن به. بخلاف الأمور الغائبة، فيتحقق الإيمان لأهل الإيمان الصادق، وربما حصل من غيرهم زعزعة. قال: «نعلم أنه حق وصدق»، وهذا كما سمعتم من تمام الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «وسواء في ذلك ما عقلناه أو ما عقلناه وجهناه»، سواء عقلنا هذا المعنى الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أم لم نعقله. وسواء علمناه أو جاهلناه، ما دام أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ماذا؟ فهو حق وصدق. قال: «مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا». الإسراء لغة: من السير ليلًا، يقال: أسرى إذا سار ليلًا. وشرعًا: هو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، على الدابة تسمى البراق، بصحبة جبريل عليه السلام. والمعراج لغة: الآلة التي يصعد بها. وشرعًا: هو ما جعله الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم المعراج، من بيت المقدس إلى حيث شاء الله عز وجل من العلاء. والإسراء والمعراج ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإجماع. قال الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. وفي السنة أحاديث كثيرة، جاءت في حديث أنس بن مالك، وحديث غيره من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ذكر جماعة، أوصلهم إلى أكثر من عشرين صحابيًا، ممن رووا حديث الإسراء والمعراج. قال: «وكان يقظة لا منامًا»، يقظة كما سمعتم، كان يقظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسرى به يقظة، استيقظ فأسرى به، وهو كذلك، ومرت به ما مرت وهي كذلك، لا منامًا. إذ لو كانت منامًا، لما كان فيه من الإكرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت هذه الآية من أعظم الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النائم يرى في منامه كل شيء، يرى الجائزات، ويرى المستحيلات، ويرى العجائب. ولكن لما كان يقظة، بروحه وجسده، كان هذا فيه من الإكرام والتعظيم والآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبين مكانه. قوله: «لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات». بمعنى أنهم لو كانت رؤية، وقصها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل كانت قريش تنكرها؟ الجواب: ماذا؟ ما أحد ينكر الرؤى والمنامات. أن الإنسان إذا قال: «أنا رأيت في المنام أني أطير فوق السماء»، هل هذا سيقول له: «ما لك، هذا مستحيل»؟ أحد سيقول هذا؛ لأن النائم يرى ماذا؟ يرى كل شيء، ولو أن يرى المستحيلات. وذلك دين القيمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.