الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 41، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب حكمة الله في عدم إجابة المشركين بكل الآيات المقترحة لئلا يهلكوا، مستعرضاً قصص نوح وعاد وثمود ولوط وتكرار عبارة «فكيف كان عذابي ونذر» كإنذار. ويطبق ذلك على كفار قريش محذراً من غرور الكثرة والأماني الكاذبة.
يفسر المقطع أن النصر ليس بالكثرة بل بإذن الله، مستشهداً بغزوة بدر حيث نصر الله قلة المؤمنين على كثرة الكفار. ويؤكد أن غلبة الكفار اليوم ناتجة عن ذنوب المسلمين وتفريطهم في التوحيد، وأن سبيل النصر هو التوبة والاستقامة.
يوضح المقطع أن الله لم يستأصل كفار قريش رغم طلبهم الآيات لأن استئصالهم كان سيؤدي إلى انقطاع الدعوة، فاكتفى بآيات كافية كالانشقاق والإسراء. وقد أدى ذلك لاحقاً إلى دخولهم في الإسلام أفواجاً عند فتح مكة.
يُبرز المتحدث الحكمة البالغة والمنن السابغة في إرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم كخاتم للرسل، مشيراً إلى تفوق رسالته على سائر الرسالات. ويختتم الجلسة بالاكتفاء بهذا القدر من البيان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعض شيخ الإسلام إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى استرسل في سؤال المشركين الآيات، وبين الحكمة من عدم استجابة الله عز وجل لنبيه في وقوع جميع ما طلبه المشركون من تلك الآيات، كما ذكر الحكمة من ذلك حتى لا يهلكوا ويستأصلوا. فذكر أمثلة على ذلك، وذكر حوادث، ثم قال رحمه الله: "ولهذا يقول عقيب كل قصة"، يعني مما جاء في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. نعم، ذكر نوحاً، وذكر عاداً، وذكر ثمود، وذكر لوطاً. وفي آخر قصة كل نبي يقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، وفي آخر قصة لوط يقول: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. لماذا يقول ذلك؟ قال: أي عذابي لمن كذب رسلي. ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي﴾. أهلك هذه الأمم لأنها كذبت الرسل، فعذب قوم نوح بالطوفان، وعاداً بالريح، وثمود بالصاعقة، ولوطاً ذلك بأن جعل الله عالية ديارهم سافلها. فهذا مما عذب الله به المكذبين. وقال: ﴿وَإِنْ ذُكِّرُوا بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيئِهِ﴾، أي أنذرهم الله ببعثه الرسل. ثم قال بعد ما انتهى من هذه القصص: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾، يعني كفار قريش خير من أولئك، يعني من تلك الأمم الذين كذبوا الرسل من قبلكم، وهم ليسوا بخير. فإذا كذبوا بعد النذارة فسيصيبهم ما أصاب من كان قبلهم. ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، يعني أن عندكم علماً أطلعكم الله عليه أنه لا يعذبكم، أنتم برءاء من العذاب. ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، أي في الكتاب الذي كتبه الله. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرُونَ﴾، يقولون: نحن كثرة، وهؤلاء قلة، النبي وأتباعه قلة، فنحن المنتصرون، هكذا يقولون. قال: وذلك أن كونكم تعذبون أو لا تعذبون مثلهم، إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا، أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم. هذا في قوله: ﴿لِأَنَّكُمْ لَا تَسْتَحِقُّونَ مَا اسْتَحَقُّوا﴾، يعني كفاركم خير. وهذا في قولهم: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. قال: فهذا بالنظر إلى قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، بمعنى أنهم ضعفاء، الرسول ومن معه كانوا قلة، فهم يقولون: نحن جميع منتصر. فإنهم أكثر، الكفار أكثر وأقوى، كما قالوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وهم يظنون أن الغلبة إنما تكون بالكثرة، وليس الأمر كذلك، ﴿وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: إلى قوله: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، أي أموالاً ومنظراً. ﴿أَثَاثًا﴾: أموالاً، و﴿رِئْيًا﴾: منظراً وهيئة وملبساً وأناقة ونحو ذلك. فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، أي هؤلاء هم المنتصرون. ولذلك قال في الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. هذه قيلت في مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه قليل وضعفاء، ومع هذا وعد الله عز وجل نبيه بالنصر وبهزيمة الأعداء، فوقع ذلك في بدر كما سيتم. قال: أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهزيمته وهو بمكة في قلة من الأتباع وضعف منهم، ولا يظن أحد قبل أن يهاجر بالعادة المعروفة أن أمره يعلو بما يرون من ضعف الدعوة، ويقاتلهم، فكان كما أخبر، وذلك ببدر. وهذا معنى قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، أي في بدر. فقتل صناديد الكفر لتلك الغزوة، وكان نصراً مؤزراً للإسلام والمسلمين، كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. وقال: وحيث يظهر الكفار ويغلبون، فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم. وهذا الواقع اليوم، كأن الشيخ الإمام رحمه الله يريد أن ينبه إلى أن نصر أهل التوحيد وأهل الحق لا يكون إلا بترك الذنوب والدعوة إلى التوحيد والطاعة والاستقامة. فاليوم ما غلب الكفار على أهل الإسلام إلا بسبب انهماك المسلمين في الذنوب والمعاصي، فهذه التي أوجبت ظهور الكفار وغلبة الكفار. قال: فإذا تابوا نصرهم الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وانظر، قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فأنت أيها المسلم إذا كنت مؤمناً حقاً، طائعاً لله، مجتنباً عن الذنوب، فإن الله عز وجل سينصرك، فأنت العزيز وأنت العالي على غيرك، ﴿فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يُهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم، أي لا يُهلك كفار قريش الذين عارضوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه لحكمة أرادها الله، وهي كما تقدم: إذا استؤصلوا ذهبت الدعوة، ومن سيحمل هذه الرسالة التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام؟ فمن حكمة الله ورحمته أنه لم يُنزل عليهم الآيات التي طلبوها حتى لا يُستأصلوا، إذا نزلت وكذبوا استؤصلوا كمن كان قبلهم من الأمم كما تقدم. قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. قال: كان لا يأتي من موجب ذلك، وهو ماذا؟ نزول الآيات مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة من آيات أخرى، كما تقدم من انشقاق القمر، ومن كذلك كما سيأتي الإسراء والمعراج ونحو ذلك. فهذه آيات يقيم الله عز وجل بها الحجة على هؤلاء، مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة، أكمل في الحكمة والرحمة، إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة. أي ما أتى به من بعض الآيات التي أيد بها نبيه كافية في قيام الحجة، وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال، ما أوجب بقاء جمهور الأمة. يعني ما استجاب الله عز وجل لهؤلاء في نزول جميع الآيات لأنها تستوجب الاستئصال، حتى يهتدوا ويؤمنوا، وهذا هو الواقع، كما قال: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا﴾، وهذا الذي وقع، ففي فتح مكة دخل هؤلاء في دين الله أفواجاً، وظهر دين الله، وهذه حكمة ورحمة من الله سبحانه وتعالى. وقال: وكان في إرساله خاتم الرسل من الحكمة البالغة، خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر