الدرس في شرح العقيدة الواسطية 35، ألقاها
يشرح هذا الفصل كيف وصف اليهود الله تعالى بأنه يده مغلولة، ورد الله عليهم بأن أيديهم هي المغلولة. كما يبين أن هذا الوصف يتناقض مع كون الله رب العالمين.
يتناول هذا الفصل إثبات أن الله عز وجل له يدان مبسوطتان بالعطاء، وردود الله على اليهود الذين وصفوه بالنقص. كما يشير إلى أن وصف الله بصفات النقص تناقض كونه رب العالمين.
يناقش هذا الفصل إثبات صفة العين لله تعالى من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويرفض تأويلات المعطلة الذين ينفون هذه الصفة ويؤولونها بالرؤية أو الحفظ.
يشرح هذا الفصل كيف أن محبة الله لأنبيائه مثل موسى عليه السلام تؤثر على تربيتهم وتقريبهم إلى قلوب الناس، ويبين أهمية هذه المحبة في تأهيلهم للرسالة.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال الله رحمه الله تعالى في الآية الثانية: يحكي الله سبحانه ما قالت اليهود -قبحهم الله- في وصفهم -قبحهم الله- لربهم، وصفهم إياه -حاشاهم- بأن يده مغلولة، أي ممسكة عن الإنفاق. أي في الآية الأخرى التي فيها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، فقال الله جل وعلا: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وهذه الآية فيها إخبار من الله عز وجل عن المقالة الشنيعة التي قالها من قالها من يهود، وأن الله عز وجل يده مغلولة، أي ممسكة عن الخير وممسكة عن الإنفاق وممسكة عن الإحسان. وهذا طعن في الله رب العالمين سبحانه وتعالى، وهذا الأمر أحد جرائم اليهود وتنقصهم لربهم جل وعلا. فتارة يقولون: يد الله مغلولة، وتارة يقولون: إن الله فقير ونحن أغنياء، وتارة يقولون: إن الله عز وجل قد أصابه التعب والنصب بعد أن خلق السماوات والأرض. فهؤلاء -كما ترون- أهل إجرام وسوء ظن بالله رب العالمين، فهم يطعنون في الله رب العالمين طعنا شنيعا واضحا جليا، قاتلهم الله. لذا -كما ترون- أن الله عز وجل قابل مقالتهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، فصار اليهود أشد الناس بخلا وإمساكا عن الإنفاق والخير، أشد الناس بخلا وإمساكا عن الخير هم اليهود في كل زمان وفي كل مكان، أهل شر وأهل بخل. وزاد على ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، أي حصلت لهم اللعنة من الله عز وجل، وهي الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل، لأن اللعنة من الله عز وجل بمعنى الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل. فرحمة الله عز وجل وسعت كل شيء، ومع هذا الله عز وجل أخرج هؤلاء اليهود من هذه الرحمة، فهم مطرودون من رحمة الله عز وجل لشناعة وقبح ما قالوه في حق الله عز وجل. فالحاصل من هذا أن هؤلاء قوبلوا بما صنعوا، بأن صار هذا الوصف لازما فيهم، وصف الله عز وجل بأن يده مغلولة على الخير، ممسكة على الخير، فصاروا كذلك، لعنهم الله. قال رحمه الله تعالى في الآية الثانية: يحكي الله سبحانه مقالة اليهود -قبحهم الله- في ربهم، ووصفهم إياه -حاشاه- بأن يده مغلولة، أي ممسكة عن الإنفاق وعن الإحسان كذلك وعن الخير كذلك. ثم أثبت لنفسه سبحانه عكس ما قالوا، وهو أن يديه مبسوطتان بالعطاء، ينفق كيف يشاء، وهذا كما في الآية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. والعالم علويه وسفليه إنما هو بفضل الله عز وجل وبقدرة الله عز وجل، والله عز وجل حافظ له، والله عز وجل موصل له، وهاديا له هداية عامة إلى ما يوفقه في أمر معاشه، وكذلك ما يعينه في أمر معاشه، وهذا من عموم رحمة الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: كما جاء في الحديث: «إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأَى سَحَاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لَا تُغِيضُهَا نَفَقَةٌ»، والحديث هذا متفق عليه من حديث أبي هريرة. ومعنى الحديث: «إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأَى سَحَاءُ»، أي فياضة بالعطاء وكثيرة العطاء، «لَا تُغِيضُهَا نَفَقَةٌ»، أي لا ينقصها نفقة. ثم قال: ترى لو لم يكن لله يدان على الحقيقة، هل كان يحسن هذا التعبير ببسط اليدين؟ هذا استفهام استنكاري على هؤلاء الذين نفوا عن الله عز وجل اليدين. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المخلوق: «الْمُتَشَبِعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»، فإذا كان هذا الوصف في المخلوق صفة نقص، فكيف برب العالمين؟ قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ إلى آخر الآيات، قال: في هذه الآيات الثلاث يثبت الله سبحانه لنفسه عينا يرى بها جميع المرئيات، وهي صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به. أما الكتاب فكما في هذه الآيات، وأما السنة كما جاءت السنة في ذلك بأحاديث كثيرة، ومنها ما جاء في حديث أنس وفي حديث ابن عمر ونحوهما رضي الله عنهما في وصف النبي صلى الله عليه وسلم المسيح الدجال، وفيه أنه قال: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، استدل أهل العلم بهذه الأحاديث على أن لله عز وجل عينين. قال رحمه الله تعالى: وتفسير المعطلة لها بالرؤية أو بالحفظ والرعاية، نفي وتعطيل، فهم يثبتون لازمها وينفون أصل الصفة. قال رحمه الله تعالى: وأما إفرادها في بعض النصوص وجمعها في البعض الآخر، فلا حجة لهم على نفيها، فإن لغة العرب تتشابه ذلك، فقد يعبروا فيها عن الاثنين بلفظ الجمع. قال رحمه الله تعالى: على أنه لا يمكن استعمال لفظ العين في شيء من هذه المعاني التي ذكروها إلا بالنسبة لمن له عين حقيقة. قال: فهل يريد هؤلاء المعطلة أن يقولوا: إن الله يتمدح بما ليس فيه، فيثبت لنفسه عينا ويعطل عنها؟ قال: وهل يريدون أن يقولوا: إن رؤيته الأشياء لا تقع بصفة خاصة بها، بل هو يراها بذاته كلها؟ لأن بعض المعطلة يقولون: ليس بلازم أن نثبت لله عز وجل العين، بل نقول: إنه يرى بذاته. قال رحمه الله تعالى في الآية الأولى: يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكمه والاحتمال لما يلقاه من أذى قومه، ويعلل ذلك الأمر بأنه بمرأى منه وفي كلاءته وحفظه. وفي الآية الثانية: يخبر الله عز وجل عن نبيه نوح عليه السلام أنه لما كذبه قومه وحقت عليهم كلمة العذاب وأخذهم الله بالطوفان، حمله هو ومن معهم من المؤمنين على سفينة ذات ألواح ودسر، تجري بأعين الله وحراسته. وفي الآية الثالثة: خطاب من الله نبيه موسى عليه السلام بأنه ألقى عليه محبة منه، يعني أحبه وسبحانه وحببه إلى خلقه، وأنه صنعه على عينه ورباه تربية استعد بها القيام بما حمله من رسالة إلى فرعون وقومه. والله أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.