الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها
يُعرَّف الصيام لغة وشرعا، ويُبين أنه ركن من أركان الإسلام. كان مفروضا على الأمم السابقة أيضا.
اختلف العلماء في حكم الصيام قبل رمضان، فمنهم من كره الصوم بعد نصف شعبان ومنهم من أجازه.
اختلف العلماء في حكم صيام يوم الشك، فمنهم من قال بوجوبه ومنهم من منعه لنهي النبي.
المقطع يختتم بالدعاء والاستغفار ويشير إلى استمرار الدروس اللاحقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. إن شاء الله تعالى، من هذا اليوم نبدأ في درس جديد في كتاب الصيام من عمدة الأحكام للإمام الموفق أو للإمام عبد الغني رحمه الله تعالى المقدسي. وكان الاختيار لهذا الكتاب في هذا الوقت لأمور، من هذه الأمور أننا بحمد الله عز وجل في هذه الأيام في شهر رمضان، والناس بحمد الله عز وجل المؤمنون منهم صائمون. وكما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، ففي باب العبادات كل مسلم يحتاج إلى عبادة ما، فواجب عليه أن يتعلم أحكام تلك العبادة. وكذلك في المعاملات، إذا تعامل الإنسان مثلا في البيع والشراء، فواجب عليه أن يعلم أحكام البيع والشراء. وكذلك قل في بقية المسائل. قد كان فيما مضى من الأيام قد أخذت مجموعة مباركة من المسائل على يد شيخنا المبارك أبي عبد الرحمن عبد الله ابن مرعي حفظه الله، إلا أن كثيرا منها كان قبل رمضان، ولم يتسن لبعض الناس الاستفادة من تلك الدروس. هذا أمر، وأمر آخر كان الكتاب الذي هو الاختيارات الفقهية كتاب دقيق، وعبارته دقيقة، لا تتناسب مع عوام الناس. إن كان قد استفاد منها الكثير من الطلبة ومن غيرهم للطريقة المطروحة من شيخنا جزاه الله تعالى خيرا، فالحاصل أننا نبدأ في هذا اليوم بهذا الكتاب الذي هو كتاب الصيام لأجل هذا المعنى، أنه من العلم الواجب على أهل الصيام. وكان الاختيار كذلك على كتاب العمدة لأمور، ومن هذه الأمور اختصار هذا الكتاب، فهو المناسب والملائم للفترة الزمنية القصيرة. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد لما يحب ويرضى. قال رحمه الله تعالى: كتاب الصيام. قال العلماء رحمهم الله تعالى: الصيام لغة هو الإمساك، يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس. ومن ذلك قوله تعالى، إخبارا عن مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فمعنى قولها: إني نذرت للرحمن صوما، أي إمساكا عن الكلام. وهذا يدل كذلك على أن معنى الصيام لغة هو الإمساك. وكذلك منهم قول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعرج اللجمة، أي لا تأكل، وخيل غير صائمة أي تأكل تحت العجاج، وأخرى تعرج اللجمة، يعني بالصائمة الممسكة عن الصهيل. قال رحمه الله: كتاب الصيام. والصيام شرعا عرفه العلماء رحمهم الله تعالى بتعاريف كثيرة. من هذه التعاريف أنهم قالوا: إن الصيام هو عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. وقال بعضهم: هو إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وبعضهم زاد قيدا فقالوا: بقصد التعبد لله عز وجل، أي هو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وهذا كما ذكر صاحب المغني أنه قول عوام أهل العلم، أي قول أكثر أهل العلم. فحقيقة الصوم هو ما سمعتم، أنه إمساك أو التعبد لله عز وجل. وهذا القيد، أي قيد التعبد، قيد مهم، لأن من ترك هذه المفطرات، أي الطعام والشراب والنكاح، لا على سبيل التعبد، ولكن مثلا على سبيل التداوي، كما يفعل ذلك بعض الناس، فهذا لا يقال في حقه إنه صائم، وإن كان ترك طعامه وشرابه وكذلك شهوته، ولكنه لم يدع تلك الأشياء تعبدا لله عز وجل وتقربا إلى الله عز وجل، وإنما تركها لأجل الدواء، أي تداوى لأجل التداوي، فهذا لا يقال في حقه أنه صائم شرعا، وإن كان في اللغة يقال فيه هذا؛ لأن الصيام في اللغة كما سمعتم هو الإمساك. حكم الصيام في رمضان، صيام رمضان ركن من أركان الإسلام، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هو من الأمور المعلومة في الدين بالضرورة التي لا يسع جهلها. فأما دلالة الكتاب على ذلك، فلقول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فقول سبحانه: كتب، أي فرض، فهذا فيه دلالة على أن الصيام واجب بالكتاب. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها «وصوم رمضان». وكذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمر، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة في حديث جبريل الطويل، وفيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». وأما الإجماع، فكما سمعتم نقله متواتر، بل هو من الأمور المعلومة في دين الإسلام ضرورة. مسألة ثالثة، وهي: هل الصيام شرع لهذه الأمة أم أنه قد شرع للأمم السابقة؟ الجواب في قول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فالصيام قد كتب على الذين من قبلنا. وفي قوله: كما كتب على الذين من قبلكم، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في قوله: من قبلكم، أقوالا. فمنهم من قال: المراد بهم اليهود. ومنهم من قال: إن المراد بهم النصارى. ومنهم من قال: أن الآية على عمومها، فهي مكتوبة على جميع الأنبياء، أي أن الصيام مكتوب على جميع الأنبياء. وهذا هو ظاهر القرآن، وظاهره العموم، فلا يعدل عن العموم إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا، فالله عز وجل يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ولفظ «الذي» من ألفاظ العموم، فيبقى اللفظ على عمومه. ففي الآية دلالة على أن الصيام كان واجبا على الأمم السابقة كما وجب على هذه الأمة. وهل كان الصيام في الأمم السابقة مثل الصيام لهذه الأمة، أي في صفاته، أم أن فيه خلافا؟ ذهب العلماء رحمهم الله في المسألة إلى قولين. فمنهم من قال: إن أصل الصيام كان مكتوبا على من قبلنا، لا أن الصيام بصفته مكتوب عليهم. ومن أهل العلم من ذهب إلى العموم، وهذا هو الصواب. فظاهر الآية تدل على أن الله عز وجل كتب علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا. وليس عندنا دليل يفرق أو يميز بين الصيامين، فالواجب البقاء على الصيام الشرعي المعروف. مسألة رابعة، أيضا ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: أن الله عز وجل كتب على هذه الأمة الصيام كما كتبه على الذين من قبلها لإتمام النعمة وإكمال الدين على هذه الأمة، فلا يكن في الأمم السابقة شيء من خيرات غير موجود في هذه الأمة. فمن إكرام الله عز وجل لهذه الأمة أن فرض عليهم الصيام كما فرضه على الذين من قبلنا، لكن جعل الله عز وجل لهذه الأمة من الفضائل والخصائص العظيمة على غيرها من الأمم، كسائر العبادات، وذلك لفضيلة نبيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على غيره من الأنبياء، ولذلك فضيلة هذا الدين على غيره من الأديان. لذا كان في الصيام من المعاني العظام ما ليس في الأمم السابقة. وحسبك أن في شهر رمضان الذي شرعه الله عز وجل أن الله عز وجل شرع لهذه الأمة الصيام في شهر رمضان، وشهر رمضان هو أفضل الشهور عند الله عز وجل. وأيضا في شهر رمضان أنزل القرآن، وهو أعظم الكتب المنزلة من عند الله عز وجل. وأيضا في شهر رمضان ليلة هي ليلة القدر خير من ألف شهر. وهذه المعاني لا توجد في من سبق من قبلنا في صيامهم، فلذا كان لهذه الأمة من المميزات والفضائل والمكارم ما ليس لغيرها، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. مسألة خامسة، وهي: أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن الصوم أنواع أو أقسام. فمنهم صوم رمضان، ومنهم صوم الكفارات، ومنهم صوم النذر، ومنهم صيام المستحبات. فالأقسام الأولى واجبة، أي صيام رمضان وصيام الكفارات، سواء كفارة الجماع أو القاتل أو غيرها من الكفارات التي شرعها الله عز وجل لهذه الأمة. وكذلك صيام النذر. ومنها المستحبات، أي من الصيام منه ما هو مستحب، كالصيام التي رغب فيه الشرع ولم يلزم به. فهذا كله من الصيام المشروع، منه الواجب ومنه المستحب. قال الإمام عبد الغني المقدس رحمه الله تعالى: كتاب الصيام. وكتاب في اللغة بمعنى المكتوب، ويقال: الكتاب كتابا؛ لأنهم كانوا يجمعون عدة مسائل فيجعلونها تحت كتاب. فتجد العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الصورة، وهكذا، أي المسائل المجمعة في هذا الباب. فالكتاب بمعنى المكتوب. وبعض أهل العلم يسير على هذه الطريقة أن يقسم كتابه بكتب. ومنهم من يجعله على فصول، ومنهم من يجعله على أبواب. ومنهم من يجعل الكتاب تحته فصول، وتحته أبواب، أو تحته فصول، أو تحته أبواب. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه». قوله: عن أبي هريرة، أبو هريرة هو حافظ الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وأصله دوسي من حضر موت اليمن. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم». قوله: لا تقدموا، تقدم فعل مضارع، حذفت تاؤه، وأصله: لا تتقدموا. و«رمضان» مفعول به، و«ها» هنا: الصيغة جاءت «لا» ناهية دخلت على الفعيل المضارع فجزمت هذا الفعل المضارع وأفادت النهي. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»، معناه: أنهاكم عن أن تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، كما يفعله بعض الناس ظنا منهم أن هذا من العمل المشروع، بحيث أنه يحترص لدينه فيصوم قبل دخول رمضان بيوم أو يومين. وذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يكره أن يصام بعد النصف من شعبان، أي: لا يصوم إذا دخل شعبان إلى نصف شعبان، بعد النصف من شعبان لا يصوم. وهذا قول للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. واستدل له بحديث أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي، وهو حديث ضعيف، لا تقوم به الحجة، قد ضعفه الأئمة كالإمام أحمد، وابن معين، وابن مهدي، وأبي داود وغيرهم من الحفاظ رحمهم الله تعالى، ضعفوا هذا الحديث. وإذا ضعف هذا الحديث فلا يصح الاستدلال به. بل قد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم شهرا غير شهر رمضان إلا شعبان. فحديث عائشة يدل على جواز صيام شهر شعبان أكثره، بل لو صام بعضهم كله لكان هذا من العمل الصالح اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم. وهذا أيضا يدل على نكارة حديث أبي هريرة المذكور، وأنه لا يصح. وذهب آخرون إلى أنه يكره الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لمن لم يكن يصوم صوما يعتاده. وهذا كما ذكر بعض أهل العلم أنه قول أكثر أهل العلم، وهو أنه لا ينبغي للرجل أن يتعجل بالصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لهذا حكما. فمن هذه الحكم: أنه نوع من التنطع. وأيضا أن إفطار يوم أو يومين قبل رمضان مما يعين على التقوى على صيام رمضان. وقول ثالث في المسألة ذهب إليه بعض أهل العلم إلى أنه يجب أن يصوم قبل رمضان يوما احتياطا. وهذا القول قال بعض أهل العلم: أنه قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من العلماء من علماء الحنابلة ينفون هذا القول عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويقولون: إنما قال أحمد رحمه الله تعالى: إنه يجوز له أن يصوم، ولا يجب عليه من باب الاحتياط. واستدلوا على ذلك بخبر وأثر ونظر. فأما الخبر، فاستدلوا بما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غم عليكم أي شهر شعبان، قال: فقدروا له». فذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى «فقدروا له»: من قدر يقدروا، إذا ضاق يضيقوا، أي: ضيقوا له. ففهم بعض أهل العلم معنى «فقدروا له»: أي ضيقوا شهر شعبان. وإذا ضيق شهر شعبان، كم يكون الشهر في هذه الأمة؟ إما أن يكون ثلاثين، وإما أن يكون تسعة وعشرين يوما. فإذا ضيق الشهر، كم سيكون؟ ثلاثين أو تسعة وعشرين؟ عند من هذا؟ إذا ضيقنا الشهر سيكون عدد أيامه ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما؟ لا أحد. تسعة وعشرين يوما يكون تسعة وعشرين يوما. فمن هذا أن بعض أهل العلم استدل بهذا الحديث: «فقدروا له»، أي: ضيقوا له، ضيق شهر شعبان، فإذا ضيق صار تسعة وعشرين يوما. قالوا: فإذا كان تسعة وعشرين يوما، فاليوم الثلاثين إذا كان هو يوم الشك عليه أن يصوم. من قال بالوجوب، قال: عليه أن يصوم لظاهر هذا الحديث. ومن قال بالجواز، أيضا يستدل بهذا الحديث على أنه يشرع أن يصوم اليوم الثلاثين الذي هو يوم الشك لهذا المعنى؛ لأنه ضيق شهر شعبان حتى صار تسعة وعشرين يوما. وأما الأثر، فاستدلوا على ذلك بما ثبت عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أنه كان يصوم يوم الشك، ولا يأمر أهله. قالوا: فكونه يصوم يدل على الاحتياط، وكونه لا يأمر أهله يدل على أنه ليس بواجب عنده؛ إذ لو كان واجبا لأمر أهله بصيامه. وهذا كما سمعتم ثابت عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وأما من حيث النظر، فيستدلون بأن هذه عبادة، قالوا: فيجب الاحتياط لها، أو أقل الأحوال أن يحترص لها. والاحتياط أقل أحواله أن يكون جائزا، أي: ذلك العمل. والاحتياط أقل أحواله أن يكون العمل جائزا. واضح هذا الأمر أم لا؟ فهذا ما أخذ من ذهب إلى تقويض أو إلى صيام يوم الشك. وهو كما سمعتم: القول بالوجوب قول عن أحمد، والقول بالجواز أيضا قول آخر عن أحمد، وهو الذي قال أصحابه: إنه المحفوظ عنه. والصواب في المسألة: أنه لا يجوز أن يصام يوم الشك، لا يجوز لأحد أن يصوم يوم الشك، إلا أن يكون صيام أحدنا بمعنى: أن أحدنا إذا كان يصوم صياما معتادا فصادف هذا اليوم يوم الشك، فهو يصوم لأجل صيامه المعتاد، لا لأجل أنه يوم الشك، فلهذا أبيح. أما أنه إذا صام وهو يصوم الصيام المعتاد، ولكنه صام لأجل أنه يوم الشك، فهذا كذلك لا يجوز؛ لأنه خرج عن المعنى الذي رخص فيه. فالراجع في هذه المسألة من هذه الأقوال هو قول جمهور أهل العلم: أنه لا يجوز أن يصام يوم الشك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه الحديث الذي مر معنا: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا صيام كان يصومه أحدكم». فهذا الحديث فيه نهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح صريح عن صيام يوم الشك. وأيضا ما ثبت في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال فيمن يصوم يوم الشك: «أنه عصى أبا القاسم»، والمعصية أصلها أو لا تخرج عن كونها إثما، فيدل على أن من صام يوم الشك فهو آثم. وهذا يدل على أن صيام يوم الشك لا يجوز. وأما ما استدل به القائلون بالجواز، وهو حديث: «فقدروا له»، فالعلماء رحمهم الله تعالى ذهبوا إلى أن معنى «فقدروا له»: أي فحصوا عدتهم حتى تكتمل الثلاثين، فحصوا عدة شعبان حتى تكتمل ثلاثين يوما. ويدل عليه أنه جاء في بعض الألفاظ في نفس الحديث قال: «فحصوا أو قال: فقدروا شعبان ثلاثين يوما». وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وإذا جاء الحديث مفسرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نطق به وهو أعلم به، فلا يحتاج بعد ذلك إلى جدال ولا إلى خصام. فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فحصوا عدة شعبان ثلاثين يوما». فهذا يدل على أن معنى «فقدروا»: أي فحصوها وأكملوا العدة. وجاء في بعض الألفاظ: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما». وهذا أيضا نص عنه. وأما الأثر، أي أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقالوا: أثر عبد الله بن عمر هذا محمول على التحري المبالغ فيه. وقد كان ابن عمر رضي الله عنه له بعض الأمور التي في باب التحري التي خالفهم أو عارضهم فيها بعض الصحابة. وهذا منها. وقد سمعتم ما تقدم في حديث عمار: أنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم». والمعصية أصلها إثم. وأما النظر، أي أن هذه عبادة فينبغي الاحتياط لها، فيقال: إن الاحتياط فيها إذا لم يكن هناك نص، نعم هو كما قيل. وإلا فإن هذا القياس وهذا الاحتياط الآن أو في هذه الصورة معارض ومصادم للنص، أي مصادم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «لا تقدموا رمضان بصيام يوم ولا يومين». فالاحتياط كل الاحتياط بامتثال أمره صلى الله عليه وسلم ونهيه. فهذا الحديث فيه نهي عن الصيام، فالاحتياط الواجب في مثل هذا أن لا يصام، لا أن يصام. وهذا واضح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «لا تقدموا رمضان بصيام يوم ولا يومين». فالاحتياط في مثل هذه المسألة كما سمعتم أن لا يتقدم الصائم صيامه بيوم ولا يوم. بل الواجب عليه أن يتحرى رمضان. واسع الكلام على هذا في الحديث التالي بإذن الله عز وجل في درس لاحق. والله أعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.