كتاب الصيام 18

الدرس في كتاب الصيام 18، ألقاها

ليلة القدر وأهميتها

ليلة القدر لها أهمية كبيرة حيث العمل الصالح فيها خير من ألف شهر، ويغفر الله لمن قامها إيماناً واحتساباً ما تقدم من ذنبه. تتنزل فيها الملائكة وهي ليلة سلام حتى مطلع الفجر.

علامات ليلة القدر وفضل قيامها

من علامات ليلة القدر أن تكون صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولها فضل عظيم حيث يغفر الله لمن قامها إيماناً واحتساباً. يُستحب التماسها في السبع الأواخر من رمضان.

أحكام الصدقة والبر

إخراج الزوج وزوج الأم للصدقة هو فعل بر ومستحب وليس واجبًا، ويُثاب عليه صاحبه. يُعتبر هذا الفعل من باب الفضل والصدقة ويُؤجر عليه صاحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصيام منه: باب ليلة القدر. ومعنى باب ليلة القدر أي مدخل للكلام على ليلة القدر. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». قوله: «أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر» أي رأوها في المنام، أي رأوها في المنام. فكانت رؤية من جماعة من الصحابة لليلة القدر في السبع الأواخر من شهر رمضان. وجاءت في بعض الألفاظ عند البخاري: «أن بعضهم رأوها في العشر الأواخر، وبعضهم رأوها في السبع الأواخر». فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع». وجاءت في رواية: «أن رجلاً رأاها في ليلة سبع وعشرين». فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سمعتم أرى رؤياكم قد تواطأت». ومعنى تواطأت: أي توافقت. تواطأت: أي توافقت. أي أن هذا رأى رؤياه، والآخر رأى نفس الرؤية، وكذلك الثالث رأى نفس الرؤية. فرأى جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم نفس الرؤية. فاستفاد من هذا الحديث أولاً: أن ليلة القدر في قولهم، أو قبل ذلك: «أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر» معناه: أو في المنام معناه: أن بعض الناس قد يرى في المنام ليلة القدر، أي أمارات أو علامات أو يقذف في قلبه أنها الليلة الآتية أو ما شابه ذلك، لا سيما إن كان من أهل الصلاح والخير، لا سيما إن كان من أهل الصلاح والخير والاستقامة على السنة. أما إذا كان من أصحاب المنامات والمكاشفات، فهذا كما يقال: يعبد ربه عز وجل بما رأى في المنام. فالحاصل: هذا أمر، وأمر آخر ذكره العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يستفاد من هذا الحديث وما جاء في معناه: الاستئناس بالرؤية على أمور قد تقع، لا سيما أو قالوا: بشرط ألا تخالف الشرع. فإذا خالفت الشرع فلا التفات لها، ولا نظر. وكذلك لا يأخذ من الرؤى أحكاماً شرعية، لماذا؟ لأن الدين قد كمل، وما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد أكمل الله عز وجل الدين، وأتم علينا به النعمة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزغ عنها إلا زائغ. فمن ظن أن في المنام تشريعاً لبعض الأحكام الشرعية، فهو مفترٍ، قائل على الله عز وجل ما لم يقله، وهو محلل أو محرم عن الله عز وجل ما لم يحلله الله عز وجل أو ما لم يحرمه الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. فأشهد أن الرؤية يستأنس بها، ولا يأخذ منها شرعاً. يستأنس بها باعتبار: إن كانت في بشارة تكون سبباً لتنشيط الإنسان، وإن كانت فيها نذارة كانت سبباً لأن يحذر الإنسان مما يقدم عليه أو مما يرد عليه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر» أي: أن الصحابة لما رأوها وكانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أقر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الرؤية بقوله: «فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». فاستفاد أهل العلم رحمهم الله تعالى: أن ليلة القدر تكون في هذه الفترة، في السبع الأواخر من شهر رمضان. قال: «فليتحرها في السبع الأواخر». هذا أول أحاديث ذكره عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في الكلام على ليلة القدر. ثم ذكر بعد ذلك حديث عائشة، فقال: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر». وهذا الحديث كما ترون: فيه حث النبي صلى الله عليه وسلم على التحري لليلة العشر، والتماس ليلة العشر. وفي قيام الليل يصلي مع المصلين في قيام الليل، ويكثر من الدعاء والاستغفار والتوبة والإنابة. وكذلك يكثر من الأعمال الصالحة جميع الأعمال الصالحة، سواء كانت من الأعمال البدنية أو من الأعمال التي هي أعمال مالية، أي يكثر من الصدقات. وكذلك من إطعام المساكين ونحوها، إلى جانب ما تقدم من الإكثار من العبادات التي هي عبادة بدنية من صلاة وتسبيح وتهليل وغير ذلك. فجميع أعمال البر مرغب فيها في مثل هذه الليلة، جميع أعمال البر مرغب فيها في هذه الليلة، وذلك لأن العمل فيها كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: أن العمل فيها خير من ألف شهر. والعمل فيها واسع، فكل عبادة وكل طاعة وكل بر داخل في هذا العمل. وكما سمعتم: قد يكون ذلك العمل بدنياً، وقد يكون قلبياً، وقد يكون كذلك محله المال، وقد يكون محله الجسد، وقد يكون محله القلب، بأن يزداد محبة وتعظيماً وخشية ورهبة ورغبة فيما عند الله عز وجل. فهذه من العبادات القلبية العظيمة. وبالنسبة للبدن وعمل الجوارح، كما سمعتم: بأن يكثر من نوافل العبادات المشروعة. وكذلك من جهة الصدقات والإنفاق، فهو كذلك من الأمور المرغب فيها. وكل بحسبه، وكل ميسر لما خلق له. فبعض الناس قد يكون التسبيح والأذكار سهل عليه، وآخر قد يكون قراءة القرآن أخف عليه وأحب. وآخر قد يكون كثرة الصلاة، وآخر قد يكون البذل في سبيل الله عز وجل من النفقات. وآخر قد يكون بصلة الأرحام وبفعل أنواع البر. فكل مرغب فيه، لكن في هذه الليلة لا سيما ليلة القدر، ينبغي أن يكون الإنسان أحرص ما يكون عليها. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر». فيترك ما بيده من الأعمال الدنيوية التي ليس فيها أو ليس في تركها تقصير، يتركها لله عز وجل، ويقبل على طاعة الله عز وجل وعلى عبادة الله عز وجل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. عسى أن يكون ممن قام رمضان أو ممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً. فحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تحري ليلة القدر، وزاد: «في الوتر من العشر الأواخر». وهل المراد بالوتر: أنه يبتدأ الوتر من ليلة إحدى وعشرين، أو أنه يبدأ الوتر من ليلة تسعة وعشرين؟ قولان لأهل العلم، أرجحها الأول. وهو الذي عليه جماهير أهل العلم: أن ليالي الوتر تبدأ بليلة إحدى وعشرين، فثلاثة وعشرين، ثم خمسة وعشرين، ثم سبعة وعشرين، ثم تسعة وعشرين. وفي حديث عائشة: «تحروا ليلة القدر» زيادة على الحديث السابق في حديث ابن عمر، حيث قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروها في السبع». وفي حديث عائشة زيادة: وحديث عائشة الذي عليه العمل عند جماهير أهل العلم: من أن ليلة القدر تكون في ليلة أو في الليالي الوتر في العشر الأواخر. وبعض أهل العلم ذهب إلى تعيين ليلة القدر في ليلة من الليالي. وقد ذكر بعض الأئمة كالحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أن الأقوال في تحديد ليلة القدر وصلت أو بلغت إلى أكثر من أربعين قولاً. وأرجح الأقوال وأحسن الأقوال وأقرب الأقوال: هو أن يقال كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة المحققين: قالوا: إنها تكون في الليالي العشر، أنها تكون أولاً في رمضان، فلا تكون ليلة القدر إلا في رمضان، ولا تكون إلا في العشر منها، ولا تكون إلا في الوتر من العشر. هذا الذي عليه جماعة من أهل العلم، ونسبه بعضهم إلى الجمهور. وبعضهم خصص يوماً من العشر. فبعضهم خصص إحدى وعشرين، وبعضهم ثلاثة وعشرين، وبعضهم خمسة وعشرين، وبعضهم سبعة وعشرين، وبعضهم تسعة وعشرين. ومنهم من عكس، أي باعتبار أن الوتر يبتدأ باعتبار آخر الشهر. وكما سمعتم: أقرب الأقوال أنها تكون في الوتر من العشر، وأنها متنقلة. وأنها متنقلة، تارة قد تأتي في إحدى وعشرين، وثارة قد تأتي في ثلاثة وعشرين، وثارة في خمسة وعشرين، وثارة في سبعة وعشرين. فهي متنقلة من ليلة في سنة إلى ليلة أخرى في سنة أخرى. قال: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: «من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها». فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال: «فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد». أي: تساقط المطر والماء من سقف المسجد. فجعل المسجد سقفه يقطر ماء. قال: «فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين». وهذا تصديقاً لخبر النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يسجد صبيحة ليلة القدر على ماء وطين. فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة: أنه سجد على ماء وطين، فعلم أن تلك الليلة كانت ليلة إحدى وعشرين. وهذا يؤيد ما تقدم من أن ليلة القدر تنتقل من ليلة إلى أخرى. ليلة في سنة تكون إحدى وعشرين، وفي أخرى قد تكون سبعة وعشرين، وقد تكون ثلاثة وعشرين. فهي تتنقل من عام إلى آخر. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. فقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي: أنزلنا القرآن في ليلة القدر. وكفى بهذه الليلة شرفاً أن ينزل فيها القرآن. والمراد بإنزال القرآن فيها: إنزاله إلى بيت العزة كما صح عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، وهو موقوف له حكم الرفع كما قال العلامة الألباني. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ وهذا فيه من التعظيم لليلة القدر. فكأنه يقول: ليلة القدر وما أدراك ما عظمة ليلة القدر وما فيها من الخيرات والبركات. ثم قال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. إذن ليلة واحدة يقومها الإنسان ويتحراها في القيام في العبادة في الطاعة لله رب العالمين، خير له من عبادة ألف شهر. ومن منا يا إخوان يستطيع أن يعبد ربه عز وجل على حالة واحدة ألف شهر؟ وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن ألف شهر يقدر بأكثر من ثلاثة وثمانين سنة من عمره. فكان من فضل الله عز وجل لهذه الأمة ومن إكرام الله عز وجل لهذه الأمة: أن جعل لهم هذه الليلة المباركة وهذه الليلة العظيمة. الذي من قامها كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». سبحان الله فضل عظيم. من قام ليلة القدر إيماناً بالله عز وجل وبوعده سبحانه وتعالى، واحتساباً لتواب الله عز وجل وللأجر وللخير من الله عز وجل، غفر له ما تقدم من ذنبه. والله لو لم تكن في ليلة القدر إلا هذه الفضيلة لكان حرياً على أهل الحرص وأهل الجد بل على كل مسلم أن يتحرى هذه الليلة. عسى أن يكون ممن يدخل في هذا الحديث ممن يغفر له ما تقدم من ذنبه. يا له من ثواب عظيم وأجل وأكبر وعطاء جزيل من الله رب العالمين. غفر له ما تقدم من ذنبه. ليلة واحدة تقومها وتتعبد لله عز وجل فيها وتقوم فيها بأنواع من العبادات وأنواع من الطاعات وأنواع من الخيرات وأنواع من البر. ثم قال ربنا عز وجل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. الملائكة في هذه الليلة تتنزل من الله رب العالمين. سبحان الله ملائكة الرحمن، الملائكة الكرام تتنزل في هذه الليلة لمكانة هذه الليلة ولفضل هذه الليلة ولعظم هذه الليلة. لذا نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن هذه الليلة أفضل ليالي السنة مطلقاً. ثم قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. سبحان الله سلام من الله عز وجل حتى مطلع الفجر. فهذا فضل عظيم في هذه الليلة. وربنا عز وجل أيضاً يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فوصفها ربنا عز وجل بأنها ليلة مباركة. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ مباركة لما فيها من أنواع الخيرات وأنواع البركات وأنواع الرحمات وأنواع العطاءات من الله عز وجل. فحري بكل مسلم أن يتحرى هذه الليلة وأن لا يتهاون في هذه الليلة وأن يبذل ما استطاع في هذه الليلة من العبادات المتنوعة. يتقرب إلى ربه عز وجل عسى أن يكون من المقبولين عند الله عز وجل في هذه الليلة. وعسى أن يكون ممن غفر له ربه عز وجل في هذه الليلة. ولا يُشترط في هذه الليلة أن تظهر فيها بعض المكاشفات أو بعض العلامات والأنوار كما يقول بعضهم. لا يلزم هذا الأمر. بل العبرة كما قال بعض أهل العلم بالطاعة والاستقامة، وليس العبرة بالكرامة. العبرة بالطاعة والاستقامة. قال بعض أهل العلم: إن أعظم الكرامة دوام الاستقامة. أي كرامة أعظم وأجل من أن يوفقك الله عز وجل لدوام الاستقامة على طاعته والسير إلى مرضاته. والله إن أعظم كرامة دوام الاستقامة. ثم ذكر بعض العلامات لليلة القدر في صبيحتها. من هذه العلامات ما جاء في قول أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه في صحيح مسلم: أنه قال: «أن الشمس تكون في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها». وجاء في بعض الروايات في مسند أحمد أيضاً عن أبي بن كعب: أنه قال: «أنها تكون كالطست بيضاء لا شعاع لها». وجاء أيضاً نحوه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ذكر نحواً مما ذكر أبي بن كعب. وذكر أيضاً أنها كذلك قال: «بيضاء لا ضياء لها». وذكر بعضهم أنها تطلع كالقمر كالبدر تطلع كالبدر. وأيضاً من علاماتها ما جاء في بعض الآثار: أنهم قالوا أنها تكون في تلك الليلة لا باردة شديدة البرد ولا حارة شديدة الحر، بل تكون معتدلة. وأيضاً تظهر عليها السكينة. وأما ظهور السكينة فيدل عليها القرآن حينما تنزل الملائكة. إذا تنزلت الملائكة تنزلت معهم السكينة بإذن الله. ثم سئل عن مسألة: هل يجوز الجزم بليلة القدر أنه ليلة كذا لأنه رأى علاماتها؟ فنقول: كأنه ليلة كذا لظهور علاماتها. وما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني قد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها»؟ هل يدل على أن ليلة القدر تكون في نفس الليلة كل سنة؟ فأجاب: قوله هل يجوز للجزم بليلة القدر أنه ليلة كذا إن ظهرت العلامات جلية في صبيحتها ما هناك مانع. لا سيما أنها علامات أن لها علامات ليست من الأمور الغيبية المحضة. ما دام ذكرت علامات فالعلامات يستدل بها عليها. وما ذكر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هذه العلامات إلا للاستدلال على أنها تكون في صبيحة تلك الليلة. فليست هي من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. بل يعلمه الله عز وجل من شاء من خلقه. ثم سئل عن مسألة: امرأة طلقت ولها أولاد وأبو الأولاد لا ينفق على أولادها وتكفل بنفقتهم زوج الأم. فعلى من تكون زكاة فطرهم؟ فأجاب: أما المرأة فنفقتها على نفسها من نفسها. أما الزوجة فنفقتها أي تخرج زكاة ولو كانت تحت زوجها. المرأة ولو كانت مزوجة يعني كل امرأة مزوجة عليها أن تخرج من مالها زكاة الفطر. لكن إن تحملها زوجها فقال: أنا أخرجها عنك وعن جميع الأولاد فهو مغنٍ عنها. لأن زكاة الفطر كما يذكر العلماء متعلقة بكل واحد بعينه. متعلقة بكل واحد بعينه. لكن إذا كان رب الأسرة يقول: سأخرجها عن الكل عن امرأتي وعن أولادي فهو مأجور على هذا الفعل وهو مغنٍ. بقي الأولاد الآن: إذا كان عندهم مال إذا كان عندهم مال من جهة أخرى تركة أو غيرها فيخرجون من أموالهم. وإن كان ما عندهم مال فقراء عجزة فليس عليهم شيء. وعلى الزوج وزوج الأم إن أخرج عنهم من باب الصدقة ومن باب الفضل فهو مأجور على هذا الفعل. فإنه من أفعال البر وليس بواجب عليه. والله أعلم.

شاركنا على