كتاب الصيام 13

الدرس في كتاب الصيام 13، ألقاها

أحكام الصيام للمسافر وشرعية الاعتكاف

يناقش أحكام الصيام للمسافر وجواز الفطر والصوم في السفر، ثم ينتقل إلى الاعتكاف مبينًا شرعيته وأدلته من القرآن والسنة وأنه مستحب بالإجماع.

تفاصيل الاعتكاف وحكمه وكيفيته

يتناول حكم الاعتكاف وكيفيته ووقته، موضحًا أنه يلزم المعتكف المسجد لطاعة الله تعالى، ويشترط أن يكون في مسجد تقام به الجماعة.

مفسدات الاعتكاف وشروطه وتفاصيله للرجال والنساء

يناقش مفسدات الاعتكاف وشروطه، ويوضح جواز الاعتكاف للنساء إذا أمن الفتنة، وللمعتكف حضور مجالس العلم، وأن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، فنذكر بعض المسائل المتعلقة بصيام المسافر، ثم نذكر نبذة يسيرة عن بعض مسائل الاعتكاف؛ لما يعلم أنهم قد قرب دخول العشر الأخيرة من شهر رمضان، وبعض الناس قد يعتكف فيحتاج إلى معرفة أحكام الاعتكاف، وهي ستأتي معنا في هذا الكتاب بإذن الله عز وجل، لكن ستأتي بعد أيام؛ فلذا رأينا أن نذكر بعض المسائل عمومًا، أي مسائل إجمالية التي يحتاجها المعتكف، وهذا قد يكون من باب العلم الذي يحتاجه الإنسان في أداء العبادة المعينة في الوقت المحدود. فالحاصل نذكر بعض المسائل أولًا المتعلقة بأحكام الصيام للمسافر. فأولى هذه المسائل: ما هو حد السفر الذي يشرع فيه الفطر؟ لأهل العلم في هذه المسألة أقوال؛ فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه ما كان مسيرة يوم أو يومين، بمعنى أن ما كان دون ذلك فلا يحل له الفطر؛ لأنه لا يكون مسافرًا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه مسيرة ثلاثة أيام. وذهب بعضهم إلى أنه مسيرة يوم وليلة، ومنهم من قدره بالأميال. والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو أن السفر أطلقه الشرع، وما أطلقه الشرع يرجع فيه إلى العرف؛ فما ثبت في العرف أنه سفر فهو سفر، وإذا كان سفرًا أخذ أحكام السفر، سواء طالت المدة أو قصرت. هذا والقول الصحيح -كما سمعتم- لذهاب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك العلامة ابن القيم، وكذلك المعاصرون من مشايخنا -رحمهم الله تعالى- على هذا القول؛ على أن السفر ليس له مدة معينة، بل يرجع فيه إلى العرف؛ أي ما تعارف عليه الناس من أنه سفر فهو سفر يحل الفطر. مسألة أخرى: هل يشرع للمسافر الفطر؟ مسألة معلومة، لكن نذكرها؛ لأن بعضهم تكلم فيها. والشاهد أن هذه المسألة -مسألة جواز الفطر- من المسائل التي نقل فيها الإجماع؛ أي يجوز للمسافر أن يفطر في شهر رمضان، وقد دل على هذا الكتاب والسنة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان -كما مر معنا في الدرس السابق- أحيانًا كثيرة يقول -كما في حديث عائشة لعمر أو لحمزة بن عمر السلمين-: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». مسألة أخرى: هل للصائم السفر؟ أو هل للمسافر الصوم في السفر أم لا؟ هذه المسألة كذلك وقع فيها خلاف؛ فجمهور أهل العلم على جواز ذلك، أي للمسافر أن يصوم وهو مسافر، لا سيما إذا لم يشق عليه الصيام. وذهب بعض السلف، وروي هذا عن عمر، وعن عبد الرحمن بن عوف، أنهما كانا يقولان: لا يصوم المسافر؛ أن المسافر لا يصوم. وقد ثبت عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر»؛ والمفطر في الحضر ما حكمه؟ جماعة أجمعوا أنه لا يجوز؛ فعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه وأرضاه- ثبت عنه -كما في سنن النسائي- أنه قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». وقد روي هذا الحديث مرفوعًا، لكن لا يصح رفعه؛ لكن ثبت من قول عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه وأرضاه-. ولكن هذا القول -كما قال الإمام ابن عبد البر-: «مهجور، لم يقل به أحد». وكذلك قال الإمام ابن قدامة: «وعامة أهل العلم على خلاف هذا الحديث»؛ من معنى أن عامة أهل العلم يقولون للمسافر أن يصوم، وله أن يفطر؛ والأحاديث الكثيرة قد دلت على هذا، ودلت على جواز الصوم، ودلت على جواز الفطر. طيب، مسألة أخرى أو ثالثة، وبها نختم هذه المسألة وننتقل إلى مسائل الاعتكاف: إذا لم تقع المشقة في السفر للصائم، فهل يستحب للمسافر الصوم أو يستحب له الإفطار؟ ذهب جمهور أهل علم إلى استحباب الصوم؛ واستدل على ذلك بأنه الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا الأفضل. وذهب بعض أهل العلم -وهو قول لسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وكذلك جماعة أحمد وإسحاق- وكذلك رويا عن عمر وابن عباس في طائفة إلى أنهما سواء؛ وها هنا حينما قالوا أنه كذلك يروى عن عمر -يدل على أن قول عمر الأول في أنه يمنع من الصوم فيه نظر-؛ فالشاهد من هذا أنه رويا عن عمر، وعن ابن عباس، وعن طائفة من السلف أنه بالخيار؛ له الفطر وله الصيام. أو ذهب هؤلاء إلى ماذا؟ إلى أن الفطر في حقه أفضل؛ مطلقًا؛ لماذا؟ قالوا: لأنها رخصة رخص بها؛ والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وأيضًا ذهب الظاهرية إلى بطلان صيام المسافر مطلقًا؛ شق عليه أو لم يشق عليه؛ واستدل على ذلك بأدلة؛ منها أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذهب يوم الفتح، وحصل للناس ما حصل من المشقة، فأفطر النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أن بعض الناس لم يفطر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة»؛ والحديث صحيح؛ فاستدل به بعض أهل العلم -ومنهم الظاهرية- على أنه لا يجوز للمسافر أن يصوم؛ لا يجوز للمسافر أن يصوم؛ لهذا؛ حيث «أولئك العصاة». وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر فيه على التخيير: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر»؛ كما جاء في حديث عائشة، وجاء عن عمر بن عبد العزيز، وعن مجاهد وقتادة؛ أنهم قالوا: «أفضل الأمرين أيسرهما»؛ واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]؛ فقالوا: «ما كان أيسر فهو أفضل»؛ وهذا القول الأخير قول له وجه، ووجوه قوية؛ وكذلك قول جمهور له وجوه أيضًا قوية؛ باعتبار أنه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم مداومًا؛ والنبي صلى الله عليه وسلم لا يداوم إلا على ما كان أفضل. فالحاصل أن القولين الأول والأخير هما أحسن الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم. طيب، ننتقل إلى مسائل الاعتكاف؛ حتى ما يذهب الوقت، ونذكر -كما سمعتم- المسائل أو الأحكام متعلقة به موجزة بإذن الله عز وجل. أولًا: الاعتكاف من العبادات التي شرعت لهذه الأمة، وقد كانت أيضًا مشروعة فيما سبق؛ يدل على شرعيتها في هذه الأمة أولًا: قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]؛ ويدل عليها أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف ومعه أصحابه -كما في الصحيح- من حديث أبي سعيد؛ وجاء أيضًا في الصحيح من حديث عائشة: أنهم اعتكفوا واعتكف بعض نسائه، ثم خرج وترك الاعتكاف، ثم اعتكف في شوال؛ ونقل غير واحد الإجماع على استحبابه؛ ونقل غير واحد الإجماع على استحباب الاعتكاف؛ فهي من العبادات المستحبة إجماعًا؛ وقد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. وكذلك هذه عبادة -كما سمعتم- شرعت لمن قبلنا؛ يدل عليها قول الله عز وجل عن إبراهيم: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]؛ فاستدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن الاعتكاف كان مشروعًا أيضًا عند من كان قبلنا. وحقيقة الاعتكاف -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- هي أو هو: لزوم المسجد بصفات مخصوصة لطاعة الله عز وجل؛ فقولهم: «لزوم المسجد»؛ معناه: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ فلا يشرع أن يعتكف في غير المسجد؛ بمعنى أن من قال: «أنا سأعتكف في بيتي، سأتخذ مثلًا غرفة من الغرف أتعبد الله أتعبد لله عز وجل فيها وأعتكف فيها»؛ نقول لهم: «هذا لا يصح الاعتكاف، أو اعتكافك لا يصح»؛ لأن الله عز وجل أشار إلى أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ فقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]؛ وكذلك ما جاء عن نبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف لم يكن إلا في المساجد؛ ونقل الإجماع على هذا؛ على أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد. ثم اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في بعض الصور من المساجد؛ فبعض أهل العلم ذهب إلى أن الاعتكاف لا يشرع إلا في المساجد الثلاثة: في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى؛ فقالوا: «لا يجوز الاعتكاف إلا في هذه المساجد»؛ واستدلوا بما جاء من حديث حذيفة بن يمان -رضي الله عنه وأرضاه- عند الإمام أحمد؛ «أما علمت أنه لا اعتكاف إلا في مساجد ثلاثة؟»؛ قال لعبد الله بن مسعود: «أما علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؟»؛ فاستدل به بعض أهل العلم على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد الثلاثة؛ هذا الحديث من أهل العلم من صححه، ومنهم من ضعفه؛ وصححه من المعاصرين العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-؛ وعلى صحته؛ هذا الحديث ليس معناه أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد الثلاثة؛ بل معناه -كما قال غير واحد من أهل العلم-: معناه على ثبوته: أنه لا اعتكاف تام وكامل، لا اعتكاف كامل وأكثر في الثواب والأجر من الاعتكاف في المساجد الثلاثة؛ وليس معناه أنه لا يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة. وعلى هذا: فهل يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة أم لا؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة. طيب، مسألة أخرى: هل يعتكف في أي مسجد؟ أم يشترط في المسجد المعتكف فيه أن يكون له صفة معينة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط أن يكون المسجد جامعًا؛ ومعنى الجامع: أي أنه تقام به الجماعات. وذهب آخر إلى أنه لا بد أن تقام به الجماعات والجمع؛ فالجمعة إذا أقيمت في المسجد؛ فهذا -على القول الصحيح الذي قلنا-: هو أوسع من القول بالمساجد الثلاثة؛ فيكون محل اتفاق بين هؤلاء: أن من اعتكف في مسجد فيه جمعة تقام فيه جمعة؛ فاعتكافه صحيح. ثم اختلفوا في المسجد الذي تقام فيه الجماعة ولا تقام فيه الجمعة؛ والصحيح أيضًا أنه يجوز الاعتكاف به؛ الاعتكاف في المسجد الذي تقام به الجماعة والذي لا تقام به الجمعة. طيب، المسجد الذي لا تقام به جمعة ولا تقام به جماعة؛ هل يصح الاعتكاف فيه أم لا؟ قالوا: «لا يصح فيه الاعتكاف؛ لأنه خرج عن المعنى التي لأجله كانت تلك العبادة؛ وهي الصلوات والتقرب إلى الله عز وجل». وأيضًا قالوا: «لأن الرجل سيحتاج إلى الخروج المتكرر في كل صلاة إلى مسجد جماعة حتى يؤدي صلاة الجماعة»؛ قالوا: «هذا في الصورة ينافي معنى الاعتكاف؛ وهو لزوم المسجد»؛ لذا اشترط العلماء في المسجد أن يكون جامعًا؛ أي تقام به الجمعة. هل هناك بعض المساجد لا تقام به جمعة؟ هل ممكن هذا؟ نعم ممكن؛ وهل هو واقع أو ليس بواقع؟ أشير بالإمكان والوقوع؛ الإمكان العقلي والوقوع: ماذا يعني واقعي -كما يقال-؛ فهل هو واقع أم لا؟ هل هناك مساجد ما تقام بها جماعة؟ يا إخوان كثيرة المساجد؛ خاصة تكون أحيانًا على الطرقات أو بعيدة أو مهجورة؛ مساجد مهجورة أو ما شابهها؛ هذه لا تقام بها جماعات ولا تقام بها جمعة. طيب، فمثل هذه ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يصح فيها الاعتكاف؛ فيشترط في الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام به الجمعة أو تقام به الجماعة؛ تقام به الجمعة أو تقام به الجماعة. طيب، لزوم -كما سمعتم- لزوم للمسجد؛ لزوم العبد للمسجد على صورة أو هيئة مخصوصة؛ الصورة المخصوصة -كما ذكر العلماء-: هو أن يتقرب العبد بهذا الاعتكاف وهذا اللزوم في المسجد إلى الله عز وجل بأنواع من العبادات؛ بأنواع من العبادات والنوافل وتلاوة القرآن والتسبيح والذكر وغير ذلك من العبادات التي بها قربة من العبد إلى ربه عز وجل؛ ولا يتكلم الكلام غير النافع لغير حاجة؛ وكذلك لا يتكلم الكلام الفاحش من باب أولى؛ لأنه في الصورة ينافي معنى الاعتكاف؛ فينبغي لمن كان معتكفًا أن يقبل على ربه عز وجل بتلاوة القرآن وبالذكر وبالتسبيح وبالإكثار من نوافل العبادات؛ وكذلك بالإقلال من الكلام لغير حاجة؛ وما شابه ذلك؛ هذا من معاني لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل. بقي بعض المسائل التي كذلك يحتاج إليها المعتكف؛ وهي: متى يكون دخول المعتكف إلى معتكفه؟ إذا أراد أن يعتكف العشر؛ المعتكف إذا أراد أن يعتكف العشر من رمضان؛ متى يبدأ دخول اعتكاف؟ دخول المعتكف؛ لأهل العلم في هذه المسألة قولان؛ منهم من قال: «يدخل قبل الغروب؛ أي قبل غروب شمس يوم عشرين»؛ لأن به يدخل ليلة إحدى وعشرين؛ قاله؛ فينبغي له أن يدخل المسجد قبل غروب شمس يوم العشرين. وبعضهم قال: «له أن يدخل قبل فجر؛ قبل فجر إحدى وعشرين». والصواب فيه -والله أعلم- القول الأول؛ هو الأظهر؛ وهو أنه يبدأ المعتكف دخول العشر أو يدخل قبل غروب شمس يوم العشرين؛ حتى يكون أول دخوله في ليلة إحدى وعشرين؛ حتى يكون دخوله في ليلة إحدى وعشرين؛ فيبدأ اعتكافه من أول ليلة من العشر. ومتى يخرج؟ القول في الخروج مبني على القول في الدخول؛ من قال: «أن دخوله يكون قبل المغرب»؛ فخروجه يكون بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان؛ فمثلًا لو كان الشهر ثلاثين يومًا؛ الأمر فيه واضح؛ صام ثلاثين يومًا؛ دخل قبل المغرب من يوم عشرين من رمضان؛ فاستمر عشرة أيام أو استمر عشرة ليال وهو صائم وهو معتكف؛ فإذا غربت شمس آخر يوم من رمضان؛ له أن يخرج من معتكفه؛ له أن يخرج من معتكفه. وذهب الآخرون -على القول بأنه يدخل في الصباح- فقالوا: «يستحب للمعتكف أن يخرج من مصلاه من مسجده ومعتكفه إلى مصلاه مباشرة»؛ يستحب للمعتكف أن يخرج من معتكفه ومصلاه إلى مصلاه؛ أي إلى مصلى العيد؛ إلى مصلى العيد. والصواب -كما سمعتم- أن له أن يخرج بغروب الشمس؛ له أن يخرج بغروب الشمس؛ فإن شاء أن يواصل إلى اليوم الآخر؛ فالأمر عائد إليه؛ لأنه من العبادات؛ وله أن يفعل هذا أو يفعل هذا؛ لكن اعتكافه ينتهي بغروب الشمس؛ ينتهي بغروب الشمس آخر يوم من رمضان. طيب، من الأمور والمحظورات التي تفسد الصوم؛ من المحظورات أو التي تفسد الاعتكاف: إتيان النساء؛ فلا يجوز للمعتكف أن يأتي أهله وهو معتكف؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]؛ فمن حصل منه هذا الفعل؛ فقد فسد اعتكافه؛ بهذا الفعل؛ فقد فسد اعتكافه. وأيضًا من مفسدات الاعتكاف: الخروج من المسجد لغير حاجة؛ الخروج من المسجد لغير حاجة؛ كأن يكون معتكفًا في المسجد؛ فيخرج مثلًا إلى السوق؛ أو يخرج لمكان من الأمكنة لغير حاجة؛ فهذا يعد من مفسدات الاعتكاف؛ لأن من شرائع الاعتكاف -كما سمعتم- لزوم المسجد وعدم الخروج منه إلا لحاجة؛ فإذا علم هذا؛ هذه -كما سمعتم- من الأمور التي تفسد بها أو يفسد بها الاعتكاف. ولأجل هذا ذكر بعض أهل العلم أنه لا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة؛ إلا لحاجة أو واجب؛ إلا لحاجة من أمور الدنيا؛ أو واجب من الواجبات الشرعية؛ فقولهم: «إلا لحاجة من الحاجيات»؛ كأن يحتاج مثلًا إلى طعام؛ وليس عنده من يأتيه بالطعام؛ فله أن يذهب بقدر الحاجة؛ يأخذ طعام؛ إن كان من بيته أو من السوق؛ ويرجع مباشرة؛ ويكون هذا من الأمور المضيقة؛ بمعنى أنه يخرج بقدر حاجته؛ فلا يتجاوز الحاجة. وكذلك إن كان مثلًا في مسجد ليس فيه ماء؛ مثلًا فاحتاج إلى الطهور والوضوء؛ فله أن يخرج إلى بيته؛ أو إلى المكان الذي يستطيع به أن يتطهر؛ فيكون هذا من الخروج الجائز؛ ومن الخروج المشروع؛ لأنه لحاجة؛ لحاجة هذا المعتكف؛ ونحو هذه الحاجيات. وأيضًا إذا مثلًا جاءته مثلًا امرأته لحاجة؛ فذهب معها إلى البيت؛ ليرجعها إلى البيت؛ ويخشى عليها من الطريق؛ لاسيما إن كان في ليل أو ما شابه ذلك؛ كذلك له ذلك؛ له ذلك؛ واستدل العلماء على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءت صفية من تحويي؛ فجلست عنده ساعة تحدثه؛ ثم قامت لتنقلب إلى بيتها؛ أي لترجع إلى بيتها؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها ليقلبها؛ أي رجع معها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أوصلها إلى البيت؛ وكان معتكفًا»؛ فاستدل العلماء على أن ما كان هذا صورته؛ كذلك يجوز؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا -كما سمعتم- من الحاجيات التي يحتاجها المعتكف من أمور دنياه؛ ومن الأمور -كما سمعتم- الواجبة؛ يجوز له أن يخرج؛ الواجب يجوز المعتكف أن يخرج من معتكفه لأمر واجب؛ الأمر الواجب مثل ماذا؟ مثلًا رجل معتكف في مسجد تقام به الجماعة؛ ولا تقام به الجمعة؛ فله أن يخرج من معتكفه من مسجده الذي هو فيه إلى المسجد الآخر التي تقام به الجمعة؛ فيصل للجمعة؛ ثم يرجع إلى معتكفه. كذلك مثلًا رجل كان مثلًا معروفًا على سبيل المثال بأنه يغسل الموتى؛ يغسل الموتى؛ وليس هناك أحد يستطيع أن يغسل الموتى أو يعرف هذا الأمر إلا هذا الرجل؛ فجاءوا إليه وطلبوا منه أن يخرج معهم ليغسل ذاك الميت الذي لا يوجد أحد يغسله أو يحسن غسله؛ قالوا: «كذلك له أن يخرج؛ له أن يخرج لهذا المعنى؛ له أن يخرج لهذا المعنى». فالخلاصة: أن ما كان واجبًا شرعًا؛ له أن يخرج؛ قالوا: «بل إذا جاء غازي؛ هجم بعض الأعداء على البلد؛ وكان معتكفًا؛ واستنفر النفير؛ أي انطلق؛ خرج واستنفر الناس؛ فلو أن يخرج وأن يقاتل وأن يجهد؛ فإذا ذهبت الحاجة وذهب العدو؛ له أن يرجع إلى معتكفه؛ ويبني على ما كان». فالحاصل في هذا: أن القاعدة عندهم -أي عند أهل العلم- في هذا في المعتكف: أن له أن يخرج من معتكفه إما لحاجة لابد منها من أمور دنياه؛ أو من أمور دينه؛ أو من أمور دينه؛ أما الأشياء المستحبة؛ أما الأشياء المستحبة؛ كعيادة المريض واتباع الجنازة؛ أو ما شابه ذلك؛ هل له أن يفعل هذا أم لا؟ قولان لأهل العلم؛ والذي جاء عن عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-؛ وقال: «إنه من السنة عدم اتباع الجنازة؛ ولا عيادة المريض؛ لأن صورته ينافي صورة الاعتكاف»؛ هذا أو هذه من الأمور التي يحتاج أو ينبه عليها. طيب، من المسائل أيضًا متعلقة بالاعتكاف: من المسائل المتعلقة بالاعتكاف؛ هل يشترط في الاعتكاف الصوم؟ هل يشترط في الاعتكاف الصوم أو لا يشترط في الاعتكاف الصوم؟ قولان لأهل العلم؛ الصحيح منهما: أنه يجوز للإنسان أن يعتكف بغير صوم؛ أنه يجوز للإنسان أن يعتكف بغير صوم؛ وذلك لأمور؛ أولها: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر عن عمر؛ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «يا رسول الله؛ نذرتم أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام»؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك»؛ ومعلوم أن الليلة ليس فيها صيام؛ فاستدل بهذا الحديث بعض أهل العلم على أن الصيام ليس شرطًا؛ أن الصيام ليس شرطًا في صحة الاعتكاف؛ بل يصح الاعتكاف من غير صوم. وأيضًا قالوا: «الصوم عبادة؛ والاعتكاف عبادة أخرى؛ الصوم عبادة والاعتكاف عبادة أخرى؛ ولا ترابط بينهما». وأيضًا مما استدل به العلماء: ما جاء أيضًا في الصحيحين من حديث عائشة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشرة؛ فجاءت عائشة؛ استأذنه؛ فأذن لها؛ فعملت بناء؛ ثم جاءت حفصة؛ فاستأذنت؛ فكذلك؛ ثم جاءت زينب؛ فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح؛ نظر؛ فإذا الأبنية قد بنيت؛ أي أن نساءه واحدة بجانب الأخرى؛ قد بنوا؛ أي فعلوا خيام يعتكفن به عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «آلبر تريدون؟ أو تريدنا؟»؛ ثم أمر بالأقبية أو بالأبنية؛ فهدمت؛ أي رفعت؛ ثم خرج من معتكفه؛ وخرجنا أيضًا من معتكفهن؛ فلما كان من شوال؛ اعتكف أو قضى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عليهن الاعتكاف؛ قضى ما كان عليهن الاعتكاف؛ قال علماء: «وكان قضى؛ وليس فيه أنه صام مع اعتكافه»؛ وليس فيه أنه صام مع اعتكافه؛ دل على جواز الاعتكاف من غير الصوم. وهذا والصحيح؛ فالصحيح من أقوال أهل العلم: أن للمعتكف أن يعتكف بغير صوم؛ وعلى الصحيح تنبني مسائل أخرى؛ وهي: هل للمريض الذي لا يستطيع الصوم -مثلًا في هذه الأيام- نحن ستدخل علينا عشر العشر؛ ليالي بإذن الله عز وجل؛ نسأل الله عز وجل خيرها؛ ستدخل علينا هذه الليالي؛ من كان مريضًا عاجزًا عن الصيام؛ مريضًا أو عاجزًا عن الصيام لكبر سنه؛ هل له أن يعتكف العشر أو ليس له أن يعتكف العشر؟ له أن يعتكف؛ لأن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف؛ لأن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف؛ فوضح هذا الأمر أم لا؟ طيب، مسألة أخرى نظيرها: إذا مثلًا امرأة أرادت الاعتكاف؛ وهي حائض؛ هل لها ذلك أم لا؟ بنعكس المسألة الأولى؛ نعم؛ ليس لها؛ النساء يعتكفن أم لا؟ لهن؛ طيب؛ فشاهد أن المرأة أن تعتكف في المسجد؛ لكن -كما يقول العلماء-: «لابد من أمن الفتنة؛ لابد من أمن الفتنة»؛ أما إذا خشي على الفتنة أو هي خشت على نفسها الفتنة؛ فلا يجوز لها الاعتكاف؛ فلا يجوز لها الاعتكاف؛ بل الأشياء أو الفتن تزال وتدفع؛ لا ضرر ولا ضرار؛ فالأمر مستحب؛ والفتنة واجب دفعها؛ فالحاصل أن المرأة إذا كانت في مسجد يأمن؛ تؤمن على نفسها؛ فيها مثلًا مجموعة من الأخوات في مسجد ما من مساجد الذي يؤمن على أنفسهن أنفسهن فيه؛ وأردنا الاعتكاف لهن الاعتكاف؛ فإن جاء للمرأة عذر عن الصوم؛ فهل لها أن تواصل صومها أم واجب عليها أن تقطع الصوم؟ الصحيح ما هو؟ أن لها أن تواصل اعتكافها؛ لأن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف؛ لأن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف؛ واضح هذا الأمر أم لا؟ طيب، إذا علم هذا؛ هل أيضًا للمعتكف أن يحضر الدروس العلمية أم ليس له أن يحضر الدروس العلمية؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقبل على القرآن والتلاوة والذكر؛ ولا يحضر الدروس العلمية. وذهب آخرون -وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى- إلى استحباب ذلك؛ أي إلى استحباب حضور مجالس العلم؛ إلى استحباب مجالس العلم؛ قال: «وهذا من أعظم العلم؛ ومن أعظم النفع؛ ومن أعظم العبادة والتطوع؛ أول اعتكاف هو عبادة؛ وحضور العلم ومجالس العلم من أعظم أنواع العبادة». هذا ملخص ما يذكر في هذه المسائل؛ وسيأتي كلام بإذن الله عز وجل على هذه المسائل في مكانها ومحلها، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على