حلية طالب العلم 45

الدرس في حلية طالب العلم 45، ألقاها

أهمية الأخذ عن علماء السنة والحذر من المبتدعة

يتحدث عن مسألة التلقي في طلب العلم وأهمية الأخذ عن علماء السنة والحذر من المبتدعة. يبين أهمية طلب العلم من أهل السنة وعدم التهاون في ذلك.

موقف أهل السنة من أهل البدع وآراء العلماء

يشرح موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع، حيث يأخذون العلم منهم مع الحذر من بدعتهم. يستشهد بآراء العلماء القدامى مثل الإمام الذهبي وشيخ الإسلام عثمان بن إسماعيل الصابوني.

قاعدة هجر المبتدع ومراعاة المصالح والمفاسد

يتناول قصة صبيغ ومعاملة عمر بن الخطاب له، ثم ينتقل إلى مفهوم هجر المبتدع ومراعاة المصالح والمفاسد في الشريعة الإسلامية. يشرح أهمية هذه القاعدة وفقًا لما ذكره علماء مثل ابن تيمية والنووي.

ظهور المبتدعة وأهمية العلم في مواجهتهم بالحجة

يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المبتدعة يظهرون بكثرة في أوقات الجاهلية وقلة العلماء، ويشير إلى أهمية العلم في مواجهة البدع والمبتدعين بالحجة والبيان. يوجه ابن تيمية إلى قمع المبتدع وبدعته باستخدام لسان الحجة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مواصلة لدرسنا في «حلية طالب العلم». كنا وما زلنا في مسألة التلقي. عين مبتدع، قال الشيخ رحمه الله تعالى: «أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل، ولا تسل»، أي أن هذا الذي ينبغي لطالب العلم أن يحرص عليه، وكذلك يفرح به، ويكون على أمن من لسيسة بعض المبتدعة. قال: «وفعت الله لرجدك لتنهل من ميرات النبوة صافيا، وإلا فليبكي على الدين من كان باكيا». قال: «وما ذكرته لك هو في حال السعة والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية، فاحذر منه مع الاستعاذة من شره باليقظة من دسائسه»، على حد قولهم: «اجني الثمار وألق الخشبة في النار»، بمعنى كن على حذر، خذ ما ينبغي لك أخذه من العلم، واحذر من دسائسه، ولا تتخاذل عن الطلب. قال: «فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف»، أي لا تتخاذل عن الطلب، بل اقبل، بل ينبغي لك أن تقبل على طلب العلم. قال: «فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره»، أي إذا التقى أهل السنة بهؤلاء المبتدعة، فينبغي أن يكونوا حريصين. وكذلك ينبه الشيخ رحمه الله تعالى هنا على أن الإنسان إذا ترك طلبة العلم من أهل السنة هؤلاء، فقد يكون سببًا لفساد هؤلاء أو لإفساد هؤلاء على عقول غيرهم ممن لم يتحصن بالعلم. فكأنه يقول: بقاء هؤلاء على هذه الصورة، وإن كانوا في صورة غير مرضية بالنسبة لهم، ولكن لما فيها من المصالح، فإن بقاءهم خير من خلوهم. قال رحمه الله تعالى: «ومن النكتة الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ عن إنسان مرجئ من أهل المرجئة». قال: «فقيل له: لم تحدث عن مرجئ؟ فقال: أبيعكم اللحم بالعظام»، قال رحمه الله تعالى: «فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة؛ إذ بينا ذلك». وقد يقول قائل: لماذا نجد بعض السلف والعلماء حدثوا عن المبتدعة؟ والجواب هو ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، وذلك أن في ذلك الزمن كان القوم بين أحد أمرين: إما أن يدعوا ذلك المبتدع وما عنده من العلم والسنة، وإما أن يأخذوا من علمه وسنته ويحذروا من بدعته. فرأى العلماء رحمهم الله تعالى: غلبوا أعلى المصلحتين على أدناها. وأيضًا درأوا أعظم المفسدتين بارتكاب أدناها، بارتكاب ماذا؟ أدناها، بمعنى أنهم غلبوا جانب العلم، حفظ العلم والسنة على ترك السنة بترك هؤلاء المبتدعة. وذلك كما يقول العلماء: في حالة واحدة إذا لم تكن تلك السنة إلا عند ذلك الشخص. أما إذا وجدت عند غيره، فالأمر واضح والحمد لله، تكون مصلحة لأجلها عملوا أو أخذوا العلم عن ذلك منتفية؛ لأن العلم قد وجد عند غيره. والأمر بحمد الله جل وعلا في هذه الأيام على هذه الحال، العلم موجود عند أهل السنة والجماعة، فليحمد الله جل وعلا أهل السنة والجماعة على هذه النعمة العظيمة. قال رحمه الله تعالى: «وما صرحته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة». ومنها في العقيدة السلفية لشيخ الإسلام عثمان بن إسماعيل الصابوني، قال رحمه الله تعالى: «ويضغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت». وفيه أنزل الله عز وجل الظاهر، وفيهم أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وعن سليمان بن يسار أن رجلًا يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه، وقد أعد له عراجين النخل. فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ. فأخذ عرجونًا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه، ثم تركوه حتى برأ، ثم عاد، أي ضربه مرة ثانية حتى أدمى، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، فدعا به ليعود. فقال: إن كنت تريد قتلي، إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا. فأذن له في الرجوع إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: «لا يجالس أحد من المسلمين صبيغًا». رواه الدارمي. وحاصله أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه سمع بهذا الرجل الصبيغ، كان يأتي بالمتشابه من القرآن، يأتي بالمتشابه من القرآن لأجل أن يشكك الناس في دينهم وعقيدتهم. فدعاه عمر وكلمه، فأتى ببعض المتشابه، فأخذ عراجين من عراجين النخل فضربه حتى أدماه، ثم خرج. فلما شفي عاد ضربه مرة ثانية حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم دعاه ليضربه مرة ثالثة. فقال له يا أمير المؤمنين: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد ما في عقلي فقد ذهب. يذكرون عن هذا الرجل أنه لما حصلت فتنة الخوارج في زمن علي جاءه الخوارج، فقالوا: الآن قد آن أوانك لتخرج معنا وتأتي بمتشابه القرآن. فماذا قال هذا الرجل الذي هو صبيغ؟ قال: «أدبني الرجل الصالح -أي عمر بن الخطاب- فأحسن تأديبي، ولم يخرج معهم». فهذه طريقة أهل السنة والجماعة مع هؤلاء. ثم نفاه عمر سنة، فلما ظهرت توبته أمر الناس بمخالطته. قال رحمه الله تعالى: «وقيل: كان متهمًا برأي الخوارج». والنووي رحمه الله تعالى قال في كتاب «الأذكار»: «باب التبر من أهل البدع والمعاصي». وذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة»، متفق عليه. وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم. «والأمر في هجر مبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها»، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع، بمعنى أن المبتدع هجر المبتدع يراع فيه هذا الأمر: مسألة المصلحة من المفسدة. وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهي أن الشريعة تدعو إلى جلب المصالح وتحصيلها وتكميلها، وتدعو كذلك إلى دفع المفاسد وتقليلها. قال رحمه الله تعالى: «وفيهم يقول: والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قل العلم وفشا الجهل». وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمتها الضلال، ويشف ما في خلافها من الإفك والشر والمحال». قال: «فإذا اشتد ساعدك في العلم، فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان». والسلام. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على