الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 321، ألقاها
يستحب الاقتصاد في الماء عند الغسل والوضوء وتجنب الإسراف كما دل عليه حديث جابر بن عبد الله. كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بثلاث حفنات من الماء.
يُنبه إلى خطورة وسوسة الشيطان في العبادات مثل الوضوء والغسل، ويشير إلى ضرورة سد هذا الباب وعدم الاستماع للشيطان. استشهد بقصة ابن عقيل رحمه الله.
يتناول حكم متابعة الإمام في الصلاة إذا صلى جالسا، واختلاف العلماء في حكم المتابعة بين الوجوب والاستحباب. اختلفوا في عموم الحكم لكل إمام أو تخصيصه بإمام الحي.
استدل العلماء بفعل المغيرة بن شعبة على جواز وجود شخص مسلح بجانب النبي، بينما يمنع من غيرها لورود النهي في الحديث. هذا الفعل استثني من النهي العام عن حمل السلاح.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا موسى قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا جعفر عن أبيه عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنوبا يصب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. قال الحسن بن محمد: أبا عبد الله، إن شعري أكثر من ذاك. قال: وضرب بيده على فخذ الحسن، فقال: يا بن أخي، كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من شعرك وأطيب. والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث يخبر جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان جنوبا يصب على رأسه ثلاث حفنات من ماء، يعني إذا اغتسل صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. ومعنى ذلك أنه كان يغتسل بقليل من الماء قدر الصاع أو قريبا من الصاع. فسمع ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية، الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، ويقال له محمد بن الحنفية نسبة إلى أمه الحنفية، فقال الحسن: أبا عبد الله، إن شعري أكثر من ذاك، يعني كأنه يقول إن شعري ما يكفيه مثل هذا الماء، لا تكفيه ثلاث حفنات من ماء. قال: وضرب بيده على فخذ الحسن، أي جابر رضي الله عنه ضرب بيده على فخذ الحسن، فقال: يا بن أخي، كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من شعرك وأطيب، يعني شعر النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيرا وكثيفا، ومع ذلك كان يكفيه عليه الصلاة والسلام ثلاث حفنات. وأراد جابر رضي الله عنه بذلك أن عدم الاكتفاء بما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون سببا في الوقوع في التنطع والتشدد، وربما كان سببا في وقوع الإنسان في الوسوسة، فيغتسل ويرى أنه لم يغتسل أو أنه لم يعط العضو حقه من الغسل، فيزيد ويزيد حتى يتلاعب به الشيطان. فلذلك أخبره رضي الله عنه لما احتج بأنه شعره كثير، قال: كان شعر النبي عليه الصلاة والسلام أكثر منك، كان شعر النبي عليه الصلاة والسلام أكثر منك، وكذلك أطيب وأفضل وأحسن، ومع ذلك كان يكتفي بثلاث حفنات من ماء. وهذا يدل على استحباب الاقتصاد في استعمال الماء عند الغسل وعند الوضوء، وأن الإنسان إذا اغتسل أو توضأ لا يسرف بالماء، والإسراف مذموم في كل شيء: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فعدم الاكتفاء بما ثبت في السنة ربما يوقع الإنسان في الإسراف والتبذير، أو كذلك أيضا في التنطع والتكلف، أو كذلك ربما دخل عليه الشيطان في باب الوسوسة، فيتلاعب به الشيطان، يغتسل ثم يقول: لا، ما اغتسلت، وهكذا تجد حال كثير من الموسوسين، يتوضأ، يغسل العضو الواحد أكثر من ثلاث، أربع، خمس، ست مرات، ويرى أنه مغسله، تلاعب من الشيطان. فالإنسان يسد هذا الباب، لا يجعل للشيطان سبيلا في الوصول إليه ووقوع الوسوسة فيه، فإن هذا باب خطير، باب خطير يدخل فيه الشيطان على الإنسان، يبعده عن الطاعة والعبادة، فيجعله يجد مشقة عظيمة في الوضوء أو في الغسل، حتى بعد ذلك يقول في نفسه: لماذا أتعب نفسي وأشق على نفسي؟ ويأتي له الشيطان ويقول: أنت تكلف نفسك وتتعب نفسك، أترك هذا العمل. هذا باب خطير من أبواب الشيطان التي يدخل بها الشيطان على الإنسان، ربما ما يستطيع أن يوقعه في شيء من المعاصي والذنوب، فيدخل له في باب الوسوسة. فلذلك ينبغي للمسلم أن يسد هذا الباب، ولا يجعل للشيطان مدخلا فيه، فيكون حاله بعد ذلك كحال المجنون الذي لا عقل له. يذكر أن ابن عقيل رحمه الله سئل عن رجل، فقال: إني أدخل البحر فأغتسل ثم أخرج وأرى أني ما اغتسلت. فقال له: أنت ليس عليك صلاة. قالوا: لماذا؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاث، وعن المجنون حتى يفيق». فأنت مجنون، إذا كنت تغتسل بالماء وتغتمس في الماء كله ثم تقول: ما اغتسلت. إذن ما عندك عقل. وهكذا يتلاعب الشيطان بالإنسان حتى يجعله كالمجنون، عياذا بالله. فلذلك الإنسان يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من وساوس الشيطان، ويقتصر ويقتصد بما جاء في السنة، ففيها الخير والكفاية والهدى، ويسد باب الشيطان الذي يدخل فيه الشيطان على الإنسان. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا الحديث على ما أفاده في هذا الباب بجواز ضرب الرجل على فخذ أخيه إذا لم يرد به سوءا. وهنا قال: وضرب بيده على فخذ الحسن، أي جابر رضي الله عنه ضرب بيده على فخذ الحسن، من باب أن ينبهه وينكر عليه، فسدد به على جواز مثل ذلك. قال: باب من كره أن يقعد ويقوم له الناس. حدثنا موسى قال: حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: صرع رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرس بالمدينة على جذع نخلة، فانفكت قدمه، فكنا نعوده في مشربة لعائشة رضي الله عنها. فأتيناه وهو يصلي قاعدا، فصلينا قياما. ثم أتيناه مرة أخرى وهو يصلي المكتوبة قاعدا، فصلينا خلفه قياما، فأومأ إلينا أن نقعد. فلما قضى الصلاة قال: «إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تقوموا والإمام قاعد كما تفعل فارس بعظمائهم». والحديث صحيح، صححه علام الألباني رحمه الله. وأصل الحديث في الصحيح، لكن ليس بمثل هذا اللفظ. وهذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام صرع من فرس، يعني سقط عليه الصلاة والسلام من فرس على جذع نخلة، سقط عليها فانفكت قدمه، فكان الصحابة رضي الله عنهم يعودونه في مشربة لعائشة، يعني غرفة. فأتوه وهو يصلي قاعدا، فصلوا قياما. ثم أتوه مرة أخرى فصلوا قياما وهو قاعد، فلما رأهم عليه الصلاة والسلام يصلون قياما، أو ما إليهم أن أقعدوا، يعني أشار إليهم أن أجلسوا. فلما قضى الصلاة وانتهى قال: «إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تقوموا والإمام قاعد كما تفعل فارس بعظمائهم». هذا الحديث كان قبل مرض موته عليه الصلاة والسلام، وإنما كان هذا بسبب أنه صرع من فرسه فانفكت قدمه. فصلوا جالسين، فصلوا الصحابة رضي الله عنهم خلفه قياما، فأمرهم بالجلوس من أجل متابعة الإمام، من أجل متابعة الإمام. فالمأموم يجب عليه أن يتابع الإمام، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، يقتدى به في الصلاة، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمد، يقول: ربنا لك الحمد» إلى آخر الحديث. فالإمام يقتدى به في الصلاة في سائر الأفعال، حتى إذا صلى قاعدا فيصلي المأمومون خلفه قعودا. وهل هذا خاص بإمام الحي، يعني الإمام الراتب الذي يصلي بالناس، أو أنه عام لكل إمام؟ قال بعض أهل العلم: هذا خاص بإمام الحي، الإمام الراتب الذي يصلي بالناس، إذا أصابه شيء فصلى جالسا، فيصلي من خلفه جلوس. وأما إن كان ليس إمام الحي، وإنما إمام سد محل الإمام الراتب، فهذا إذا صلى جالسا فلا يصلي المأمومون خلفه جلوس، بل يصلون قياما. وقال بعض أهل العلم: بل هو عام لكل إمام، سواء كان إمام الحي أو غيره. وهذا هو الصحيح، إذا صلى الإمام، سواء كان الإمام الحي الإمام الراتب أو غيره، صلى بالناس جالسا، فإن المأمومين يتبعونه من باب متابعة الإمام. وهل هذه المتابعة على وجه الوجوب أو على وجه الاستحباب؟ أو أن هذا الحكم قد نسخ؟ الصحيح كما مر في درس ماض أن لأهل العلم في ذلك أقوال، وأقوى هذه الأقوال قولان. القول الأول: أن هذا على وجه الاستحباب، أن الأمر بالجلوس إذا صلى الإمام جالسا على وجه الاستحباب. فقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا»، يحمل هذا الأمر على الاستحباب. والدليل ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام حين صلى بالناس في مرض موته، صلى بهم جالسا، كان أبو بكر يصلي بالناس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس بجانب أبي بكر، وصار إماما، واقتدى أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام بالجلوس. قال أهل العلم: فهنا يحمل الأمر في هذا الحديث، وما كان مثله، أنه على وجه الاستحباب. والقول الآخر: أن هذه المسألة يفصل فيها، فإذا صلى الإمام من أول الصلاة قاعدا، فإن المأمومين يصلون قعودا. وأما إن صلى قائما ثم طرأ له ما جعله يصلي جالسا، فهنا يستمر المأمومون في القيام، ولا يتابعونه في الجلوس. وأما القول بالنسخ، فهو أضعف الأقوال، لأنه يمكن الجمع بين الحديثين. وإذا أمكن الجمع فلا نسخ. وقول عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوموا والإمام قاعد كما تفعل فارس بعظمائهم»، هذا فيه النهي عن مشابهة الكفار في تعظيمهم لملوكهم، فإنهم يقومون على رأس الملك، يكون الملك جالسا وهم قيام فوق رأسه على وجه التعظيم. هذا منه عنه، أن يقام للإنسان وهو جالس، يقومون على رأسه معظمين له، هذا لا يجوز. واستثنى بعض أهل العلم في حالة واحدة، حالة واحدة، وهو إذا كان الإمام معه مثلاً صلح مع الكفار، ويخشون من غدر الكفار به، فهنا يجوز أن يقوم أحد على رأسه من باب الحماية والحراسة. وسدد بذلك بما فعله المغيرة بن شعبة رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، كان قائما واقفا على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، ومعه سيفه، حين فعل النبي عليه الصلاة والسلام وكتب الصلح مع أهل مكة. فاستدل به أهل العلم على جواز مثل هذه الحالة. وأما غيرها، فإنه يمنع منه لهذا الحديث. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.