الحج حُكمه وحِكمه

المحاضرة بعنوان الحج حُكمه وحِكمه، وكانت بعد العصر من يوم الخميس ١٣ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها

وجوب الحج وشروط الاستطاعة

يستعرض المقطع وجوب الحج كركن من أركان الإسلام مرة واحدة في العمر للمستطيع مستدلاً بالقرآن والسنة والإجماع. ويبين أن الاستطاعة تتحقق بالصحة وملك الزاد والراحلة وأمن الطريق وزيادة على حاجة النفس والعيال.

شروط وجوب الحج الخمسة وحكم التعجيل

يذكر المقطع شروط وجوب الحج الخمسة وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة مع تفصيل كل شرط ودليله. ويبين أن الحج يجب على الفور عند توفر الشروط ويشترط للمرأة محرم ويختم بذكر منافع الحج الدينية والدنيوية.

منافع الحج الدينية والدنيوية وشرط التوحيد

يستعرض المقطع منافع الحج الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية محققاً للألفة ووحدة الصف. ويؤكد أن تحقيق هذه الثمار مرهون بالتوحيد الخالص واتباع السنة محذراً من الشرك والبدع المانعة للنصر.

الختام والدعاء والترجمة

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أولًا، باذئ كل ذي بذئ، نحمد المولى تبارك وتعالى الذي يسر لنا أسباب طلب العلم وهيأ لنا أمور الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فإن هذه تعتبر من النعم العظيمة التي أنعم بها المولى تبارك وتعالى علينا جميعًا، فالواجب الحرص كل الحرص والمحافظة كل المحافظة على مثل هذه النعم، فإن حافظنا عليها كان ذلك سببًا في بقائها، بل لكي يبارك الله تبارك وتعالى لنا فيها ويزيدنا من فضله ويزيدنا من فضله. ومثل هذه المجالس العلمية التي تهتم بمواضيع عظيمة وكذلكم عبادات كبيرة ينبغي على الجميع أن يحرص على معرفتها وعلى أن يتفقها فيها، وكما يعلم الجميع أن الموضوع يتعلق بركن من أركان الإسلام والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين، ألا وهو حج بيت الله الحرام. حج بيت الله الحرام، فرب العزة تبارك وتعالى يقول: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96-97]. ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. ويقول رب العزة والجلال: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 27-29]. وليطوفوا بالبيت العتيق. وفي الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وحج البيت وصوم رمضان. وفي صحيح الإمام مسلم من حديث عمر المشهور، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال جبريل: صدقت. قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه. وهكذا جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عليه الصلاة والسلام حتى أعاد ثلاثا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت»، أي لوجب عليكم أن تحجوا في كل عام. قال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وهذا فيه دليل على أن الحج واجب، وأنه يجب في العمر مرة واحدة، وأنه يجب في العمر مرة واحدة، وهذا مما نقل عليه إجماع العلماء. ولهذا يقول الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى كما في شرحه على صحيح الإمام مسلم رحمه الله: قال: «وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع». إلا مرة واحدة بأصل الشرع. «وقد يجب زيادة بالنذر، أي إذا نذر الشخص أنه يحج فعندها يجب عليه الوفاء بهذا النذر». انتهى كلامه رحمه الله. وهكذا ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في المغني: قال: «وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة». على المستطيع في العمر مرة، مرة واحدة. وهكذا نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو محمد ابن حزم الأندلسي، رحم الله الجميع، رحم الله الجميع. ومن رحمة الله تبارك وتعالى، من رحمة الله تبارك وتعالى أنه ما أوجب الحج إلا عند الاستطاعة: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]. من استطاع إليه سبيلا. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أن سأله جبريل: «وحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». إن استطعت إليه سبيلا. والاستطاعة تتحقق بيئة الصحة وملك ما يكفيه لذهابه وإيابه، وهكذا أيضا أن يكون فاضلا عن حاجته وحاجة أهل بيته، وحاجة أهل بيته يعني ممن تلزمه النفقة، وهكذا أن يأمن الطريق، وهكذا أن يأمن الطريق. وبهذا يعلم أن الحج لا يجب إلا بخمس شرائط، بخمس شروط: الشرط الأول قالوا الإسلام، الإسلام، والثاني هو العقل، والثالث هو البلوغ، والرابع الحرية، والخامس هو ما ذكر قريبا ألا وهو الاستطاعة، ألا وهو الاستطاعة. هذه الشروط الخمسة يجب الحج إذا توفرت، إذا توفرت هذه الشروط الخمسة. تعالى بعد أن ذكر هذه الشروط الخمسة قال: نعم رحمه الله، لا نعلم في هذا كله اختلافا، لا نعلم في هذا كله اختلافا، أي على أن الحج يجب إذا توفرت هذه الشروط الخمسة. فنعم، اشترطوا الإسلام، وذلك أن الكافر ولو حج فإنه ماذا؟ لا يقبل منه حجه حتى يسلم، ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ﴾ [التوبة: 54]، إلا أنهم كفروا بالله، ورب العزة يقول: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]. وهكذا اشتراط العقل، فإن المجنون ليس أهلا للعبادة، فلو حج لم يقبل حجه، فلو حج لم يقبل حجه. ولهذا العلماء يسمون هذين الشرطين، ألا وهما الإسلام والعقل، بأنهما شرطان للوجوب والصحة، شرطان للوجوب، وهكذا أيضا للصحة. وأما اشتراطهم للبلوغ، وهكذا الحرية، فهذا يدل على أن الحج لا يجب على الصبي الصغير الذي لم يبلغ بعد، أو على العبد الذي لا زال في الرق، لكن إن حج صح حجهما. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعت إليه امرأة صبيا وقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجره». قال: «نعم ولك أجره». لكن الذي عليه أهل العلم أن الصبي إذا بلغ، والعبد إذا اعتق، فإنه يلزمهما أن يحج حجة الإسلام، أن يحج حجة الإسلام، وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على هذا، الإجماع على هذا. وأما الاستطاعة فإنها تعتبر كذلكم أيضا تعتبر شرطا للوجوب، وإلا فلو تجشم الذي هو ليس بمستطيع تجشم المشقة وصار بغير زاد ولا راحلة فحج، كان حجه صحيحا مجزئا، كان حجه صحيحا مجزئا. ويدخل فيما يتعلق بالاستطاعة بالنسبة للنساء وجود المحرم، وجود المحرم. ولهذا من الخطأ الذي يقع فيه بعض النسوة أنهن لربما يسافرن من غير محرم، تذهب مع بعض النساء رفقه، ولا يجوز ذلك، أو تذهب مع بعض الرجال الذين هم ليسوا بمحارم، وللأسف الشديد لربما ذهبوا إلى المحاكم وأتوا بالشهود أو أدلوا بالأيمان على أن فلان محرما لها، وفي الواقع أنه ليس بمحرم، وهذا مما لا يجوز، بل يعتبر من أعظم الذنوب، ولا يجوز أن تبتدئ مثل هذه العبادات بالكذب، وهكذا بالأيمان الكاذبة، بالأيمان الكاذبة. المرأة إذا لم يتيسر لها المحرم الذي يذهب معها سفرا إلى الحج، فإنها تعتبر غير مستطيعة، ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والمحرم كما ذكر العلماء هو البالغ العاقل، شرط العلماء فيه شرطان: أن يكون بالغا وأن يكون عاقلا، وأن يكون عاقلا. وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن الصبي يكون محرما؟ قال: «حتى يحتلم». الصبي يكون محرما قال: «حتى يحتلم». وسبب ذلك هو أن المقصود بالمحرم أو من المحرم هو حفظ المرأة، هو حفظ المرأة، وهذا لا يتحصل إلا من البالغ العاقل، فلهذا اعتبر العلماء ذلك، فلهذا اعتبر العلماء ذلك. وأيضا مما يتعلق بمسألة حكم الحج ووجوبه هو ماذا؟ أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحج يجب على الفور، يعني من كان مستطيعا وتوفرت عنده الشروط وجب عليه أن يحج ولا يجوز له أن يتأخر، ولا يجوز له أن يتأخر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث ويأمر من أراد الحج بالتعجيل، كما جاء في حديث ابن عباس في مسند أحمد وسنن ابن ماجه وغيرهما، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحج فليتعجل». من أراد الحج فليتعجل، «فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة». فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة. وقد صحح هذا الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وكما يعلم الجميع فمن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم أيضا كما جاء في حديث ابن عباس أنه أوصى رجلا فقال: «اغتنم خمسا قبل خمس». اغتنم خمسا قبل خمس، وذكر منها عليه الصلاة والسلام: صحتك قبل سقمك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وفراغك قبل شغلك. ومما هو متقرر أن دوام الحال من المحال، أن دوام الحال من المحال، ولهذا كان الواجب المبادرة، وهكذا المسارعة والتعجيل لأداء هذه الفريضة والقيام بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام ومبانيه العظام. إذن الحج يجب على المستطيع ماذا؟ فورا، ولا يجوز له أن يتأخر. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في الاختيارات الفقهية: قال رحمه الله تعالى: «قال: والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء». والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء. والنبي صلى الله عليه وسلم قد امتثل لذلك، ففرض الحج على الصحيح سنة تسع من الهجرة، وحج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سنة عشر، أو ماذا؟ في السنة العاشرة من الهجرة، في السنة العاشرة من الهجرة، فامتثل لأمر ربه تبارك وتعالى. فهذا بالنسبة لما يتعلق بحكم الحج. وأما الحكم التي لأجلها شرع الحج وفرض فهي كثيرة وكثيرة، ومعرفة حكم العبادات هذا مما يجعل المسلم يقف على أسرار الشريعة وأهدافها الحميدة، ويرى أن دينه يهدف بعباداته إلى صلاح الدنيا والدين، إلى صلاح الدنيا والدين. فهذا الفرض العظيم، بل وهذا المؤتمر الإسلامي الكبير والاجتماع الحاشد، لا يخفى على الجميع أن فيه حكم عظيمة ومنافع عديدة لأهل الإسلام، منها منافع دينية، ومنها منافع دنيوية، ومنها منافع علمية ثقافية، وهكذا منها منافع اجتماعية وسياسية، اجتماعية وسياسية. ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 28]، ليشهدوا منافع لهم. ويقول تبارك وتعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198]، يعني في ماذا؟ في موسم الحج، يعني في موسم الحج. فمن، فمن تلكم الحكم الدينية الملاحظة فيما يتعلق بفريضة الحج أن الحاج يقوم بهذه العبادة الجليلة المجتملة على أنواع التذلل والخضوع بين يدي الله تبارك وتعالى، فتجد أنه يتقحم الأسفار وينفق الأموال، وهكذا يخرج من الملاذ، وهكذا يخرج من ملاذ هذه الحياة، فيخلع ثيابه كي يرتدي ثياب الإحرام، يخلع ثيابه لربما القميص أو الشميز الفاخر وغير ذلك حتى يلبس إزارا يغطي أسفله ورداء يكون في أعلاه، وهكذا أيضا تجده يمشي حاسر الرأس، لربما الشمس تضرب رأسه وحرها، هذا كله طاعة لله تبارك وتعالى، يترك الطيب ويبتعد عن ماذا؟ عن معاشرة النساء، وهكذا يترك الترفه بأخذ الشعور والأظفار وغير ذلك من الأمور، هذا كله طاعة للمولى تبارك وتعالى. يدخل في هذا الشريف والوضيع، والغني والفقير، والكبير والصغير، والرئيس والمرؤوس، الجميع يشتركون في هذا الحال. ثم التنقل بين المشاعر وأداء المناسك بقلوب خاشعة وأعين دامعة وألسن مرددة للتكبير والتلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وهكذا حالهم قد حدى بهم الشوق إلى بيت الله العتيق، ناسين الأهل والأموال والأوطان والنفس والنفيس، كل ذلك في سبيل الله عز وجل، كل ذلك في سبيل الله عز وجل. فقل لي بربك يا عبد الله، ما أعظم الأجور التي أعدها الله لهؤلاء، لهؤلاء العباد الذين أتوا شعثا غبرا، وهكذا بذلوا هذا الجهد والمجهود في سبيل الله عز وجل. وهكذا هناك حكم وفوائد علمية ثقافية، ألا وهو أن الله تبارك وتعالى قد أمر العباد بالسير في الأرض وذلك للاعتبار والاستبصار، ففي الحج يتعرف المسلم على أحوال إخوانه، على أحوال إخوانه، ويتصل بهم، ويتعرف على الوفود التي تحضر من أسقاع الدنيا، من أسقاع الدنيا، كي يؤد هذا المنسك وهذه الشعيرة والفريضة العظيمة. وهكذا أيضا يستفيد المسلم من خلال موسم الحج لقاء العلماء، فلربما يسألهم عما أشكل عليه، ويتعلم منهم ما جهل، ما جهله، ويرجع بعلم وبصيرة إلى بلده. وهكذا يجتمع العلماء بعضهم ببعض، وهكذا يجتمع طلبة العلم بعضهم ببعض، إلى غير ذلك من الأمور العظيمة والفوائد العلمية الكثيرة التي تتحصل من خلال هذا الاجتماع المبارك. وأما بالنسبة لما يتعلق بالأمور الاجتماعية والسياسية، فمثل هذه الاجتماعات العظيمة ونعم التي يجتمع فيها وفود متنوعة ومختلفة، فيجتمع ويكون الاجتماع سببا للألفة وسببا للإخاء وسببا للمودة والرحمة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ويقول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». فهذه الاجتماعات العظيمة التي تحصل في موسم الحج تعتبر سببا لما سمعت من الألفة والمودة والرحمة، بل وسببا لوحدة الصف وجمع الكلمة، فتجد أن أهل الإسلام يتدارسون أوضاعهم الحاضرة والمستقبلة، وهكذا يعالج أسباب التأخر والذل الذي يعيشه أهل الإسلام، ويسعى في أسباب الرقي والعزة، أسباب الرقي والعزة. وبهذا يصبح يدًا واحدة على عدوهم، يصبح يدًا واحدة على عدوهم، وقوة يهابها الأعداء، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60]، ترهبون به عدو الله وعدوكم، ترهبون به عدو الله وعدوكم. وهكذا أيضًا إذا اجتمعت كلمتهم فيسمع لصوتهم، وهكذا يصغى لكلمتهم، ويحسب لهم ألف حساب. لكن أيها المسلمون، عباد الله، هذا لا يحصل إلا إذا حقق أهل الإسلام التوحيد الخالص والاتباع الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم، التوحيد الخالص لله عز وجل والاتباع الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41]. وقال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]. وأما إن لم يحققوا التوحيد الخالص، أتى إلى الحج من يستغيث بالقبور، ومن يتمسح بالأضرحة، ومن يدعو غير الله تبارك وتعالى، ماذا يرجى ممن أضاع حق الله تبارك وتعالى؟ يأتي إلى موسم الحج وقد علق الحروز والتمائم، ويعتقد أنها سبب لحفظه، وأنها سبب لماذا؟ كونه يرجع إلى أهله سالما معافا. كيف نعم يرجى من أناس لربما يأتون إلى الحج ويسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويغلون في أهل البيت، لربما أنزلوا بعضهم منزلة المولى سبحانه وتعالى؟ كيف يرجى من أناس يذهبون إلى الحج فيقيمون الموالد، ويقيمون كذلكم البدع عند الأضرحة والمشاهد إلى غير ذلكم؟ فبمثل هذا لا ينصر الإسلام، وإنما ينصر بالتوحيد الخالص لله عز وجل، واتباع صادق للنبي صلى الله عليه وسلم، وعمل صالح يتقرب به إلى الله عز وجل. فهذا بالنسبة لما يتعلق بالمشاركة في هذه الدورة العلمية حول ما يتعلق بموسم الحج وفريضة الحج، والموضوع يتعلق بحكم الحج وحكمه. فأسأل المولى جل في علاه أن يجعلني وإياكم جميعا ممن يستمع القول فيتبعوا أحسنه، وأن يجعلنا من عباده الموفقين، وأن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممن يقال لهم: قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر

شاركنا على