الدرس في شرح فتح المجيد 7، ألقاها
توحيد الألوهية هو إثبات الإلهية لله وحده ويتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. هذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه.
توحيد الألوهية متأكد في القرآن الكريم من خلال العديد من الآيات التي تثبت وحدانية الله. جميع الأنبياء والرسل دعوا إلى هذا التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.
توحيد الربوبية لا يكفي وحده للتوحيد الحقيقي، بل يجب أن يرافقه توحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة. المشركون كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية ولكنهم لم يكونوا موحدين.
المقطع الأخير يتضمن أدعية للاستغفار والتسبيح وتعبر عن الاعتراف بتوحيد الله ومدحه. هذه الأدعية تعكس التزام العبد بطاعة الله وتوحيده.
بسم الله قال رحمه الله تعالى: قال الشيخ الإسلام رحمه الله: التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوال إلا له، ولا يعاد إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله. قوله رحمه الله تعالى: قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: تقدم معنا أنه إذا أطلق شيخ الإسلام فإن المراد به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذا أول نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. فيه قال شيخ الإسلام رحمه الله: التوحيد الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، ما هو؟ قال: إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده. ما هي الإلهية؟ قال: بأن يشهد أن لا إله إلا هو. ما معنى لا إله؟ قال: لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوال إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد أن بين أن التوحيد الذي جاءت به الرسل هو عبادة الله عز وجل وحده، ذكر بعض تفاصيل تلك العبادة. فذكر من أنواع العبادة التوكل عليه، فقال: ولا يتوكل إلا عليه. وأيضا الولاء والبراء، بأن لا يوالي إلا لله عز وجل، ولا يعادي إلا لله عز وجل أو إلا في الله عز وجل. ولا يعمل إلا لأجله. فهذه بعض أنواع العبادة، وبعض أفراد أنواع العبادة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إشارة إلى غيرها. قال رحمه الله تعالى: وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات. وفي هذا إشارة إلى ما تقدم من أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. لأن لا يعبد إلا من كان مال، وكان بيده الأمر كله، وكان مالكا للملك سبحانه وتعالى. لا يعبد إلا من كان مالكا مدبرا آمرا نافعا ضارا. ﴿قُلْ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أَفَلَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فدل هذا على أن الإله لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، لا بد أن يكون بيده الأمر. وكذلك يتضمن أن يكون الإله الحق كاملا من جميع الوجوه، فلا نقص في ذاته، ولا نقص في أسمائه، ولا نقص في صفاته، ولا نقص في أفعاله. كما تقدم وأشرنا إليه في دروس قد مضت: أن توحيد الربوبية يتضمن توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. كما أن توحيد الربوبية وكذا توحيد الأسماء والصفات يستلزمان توحيد الألوهية. فالعلاقة بينهما علاقة تضمن والتزام. لذا يستدل الله عز وجل في آيات من كتابه على استحقاقه للعبادة وحده بأنه الرب المالك الذي بيده كل شيء، وأنه خالق كل شيء. كما قال ربنا جل في علا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فالله عز وجل أخبر بأنه المستحق للعبادة لأنه الخالق، وأنه المدبر لشؤون الخلق أجمعين. فهو يستحق العبادة لهذه الأمور سبحانه وتعالى ولغيرها. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. وهذا أيضا دليل على هذه المسألة، من أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. أي لا تتخذ معبودين اثنين، إنما هو إله واحد حق. قال ربنا عز وجل: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وهذا الأسلوب يفيد الحصر، فالآية فيها أسلوبان من أساليب الحصر، الأول: «إنما»، والثاني: تقديم ما حقه التأخير. وهذا يؤكد هذان الحصران يؤكد أحدها الآخر، بأن الله عز وجل هو الإله الحق، وأن ما عداه من الآلهة فإنها آلهة باطلة. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. أيضا هذه الآية، وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. ومن ها هنا من ألفاظ العموم. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. كذلك هذه من الحجج التي يذكرها الله عز وجل، ويخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم، مثبتا بها نبيه، ومسليا لهم. فيقول له ربه جل في علاه: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. الجواب: أبدا لم يكن هذا، ولا يكون. بمعنى هل هناك آلهة من دون الله عز وجل عبدت وهي تستحق العبادة؟ فالجواب: ليست هناك آلهة غير الله عز وجل عبدت وهي تستحق العبادة. قال رحمه الله تعالى: وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له. كما يذكر الله عز وجل في كتابه عن أنبياء، وهم يقولون لأقوامهم: «أعبدوا الله ما لكم من إله غيره». قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فالرسل من أولهم إلى آخرهم داعون إلى توحيد الله عز وجل، وإلى عبادة الله عز وجل، وإلى إخلاص الدين لله عز وجل وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: وقال أي عن إبراهيم عليه السلام وأصحابه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. في إشارة إلى أن الإيمان وأهل الإيمان هم أهل الولاية، وأن أهل الشرك والكفر هم أهل العداوة. فمن كان مؤمنا فهو ولي لأهل الإيمان، ومن كان مشركا فهو عدوا لأهل الإيمان. قال رحمه الله تعالى: وقال عن المشركين: «إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون». المشركون كما ذكر رحمه الله تعالى: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله، يستكبرون. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: وليس المراد بالتوحيد الذي جاءت به الرسل مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خالق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. أهل الكلام توحيدهم لله عز وجل بأن وضعوا النظريات، ووضعوا البراهين والجدليات لأجل أن يتوصلوا إلى إثبات وجود الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: فإن الرجل لو أقر بما يستحق الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما يتنزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدا. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لو أن الرجل أقر فقال: إن الله هو الخالق وحده لا شريك له، هو المدبر وحده لا شريك له، بيده الأمر وبيده النفع والضر وحده لا شريك له، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا لا شريك له. ولم يشهد بأن الله عز وجل هو المستحق لعبادة وحده، ولم يلتزم بمقتضى هذا العلم، فإن هذا لا ينفعه. قال رحمه الله تعالى: لم يكن موحدا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة. قال: ويرتبط بعبادة الله وحده لا شريك له. فمن أقر بتوحيد ربوبية، وأقر بالأسماء والصفات على وجهها، ولم يقر بتوحيد الألوهية، فإن ذلك لا ينفعه. بل لا بد من الإتيان بتوحيد الألوهية، وهو معنى لا إله إلا الله، ومعنى لا معبود حق إلا الله. وأن ما عبد من دونه فإنه عبادته باطلة لا يستحقها هذا الغير. قال رحمه الله: والإله هو المعبود الذي يستحق العبادة. وليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق، كما فسره من فسره من أهل الكلام. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق. فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، لم يعرف حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن القائل بأن لا إله إلا الله: أنه لا خالق أو لا رازق أو لا مدبر إلا الله، هذا هو توحيد المشركين. فإن المشركين كما أخبر الله عز وجل عنهم: أنهم إذا سألهم السائل: «من خلقهم؟» سيقولون: «الله». كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. قال رحمه الله تعالى: وجاء أيضا نحوه عن عكرمة نفسه. قال رحمه الله: قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَى قَوْلِهِ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. قال: فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوال فيه ويعادي فيه، ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه. أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت.