شرح فتح المجيد 124

الدرس في شرح فتح المجيد 124، ألقاها

طاعة العلماء والأمراء وتحليل الحرام

يناقش هذا الفصل طاعة العلماء والأمراء في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، ويبين أن من يفعل ذلك فقد اتخذهم أربابا من دون الله. يوضح الكفر الذي يترتب على اتخاذهم أربابا.

آراء العلماء حول التقليد والشرك

يتناول هذا الفصل آراء العلماء حول التقليد الأعمى واعتباره شركا، ويستشهد بآيات القرآن وأحاديث النبي. يوضح الفرق بين من يتبع غير الرسول مع علمه بخلافه للدين ومن يخطئ في اجتهاده.

التقليد واتباع الدليل في الأحكام

يناقش هذا الفصل مسألة التقليد واتباع الدليل، ويشير إلى أن الواجب على المسلم هو اتباع الكتاب والسنة وعدم مخالفتهما لآراء الأئمة. يبين أن التقليد الأعمى ليس من منهج أهل العلم.

أهمية ذكر الدليل في الاجتهاد

يشير هذا الفصل إلى ضرورة ذكر الدليل من قبل المجتهدين والعلماء، ويؤكد أن الحق في كل مسألة هو واحد. يذكر أن الأدلة على هذا الأصل متوفرة في القرآن والسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من أطاع العلماء والأمراء لتحليل ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن أله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فأولا علاقة الباب بكتاب التوحيد، والباب كما ترون من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله. فعلاقة الباب بكتاب التوحيد أن من أطاع غير الله ورسوله وأعرض عن الأخذ بكتاب الله والسنة في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله ورسوله في معصية الله واتبعهم فيما لم يأذن الله به، فقد اتخذه ربا ومعبودا وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد. فإن الإله هو المعبود الذي يستحق الطاعة المطلقة، وقد سمى الله تعالى طاعتهم أي طاعة من أطاع غير الله ورسوله طاعة مطلقة في تحليل ما حرم الله أو العكس سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم وسماهم أربابا، كما قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾، فسماهم الله جل وعلا أربابا أي شركاء لله تعالى في العبادة. قال الله جل وعلا: ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾، فكل معبود رب وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع ربا ومعبودا، كما قال تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، وهذا هو المقصود من الباب. وقد تقدم معنا هذا الكلام المذكور عند قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وذكر الشيخ رحمه الله تعالى نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال في معنى قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾، قال: وهؤلاء الذين اتخذوهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين. نعيد الكلام: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾، قال: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين. أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر. قال: وقد جعله الله ورسوله شركا، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أن ما كان كذلك فإنه يكون من الكفر المحض. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: وقد جعله الله ورسوله شركا، وقد تقدمت مع الأدلة على هذا عند الكلام على الباب. قال: وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان ما يتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف للدين واعتقاد علم واعتقاد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء. قال: الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا، لكنهم أطاعوا في معصية الله، أطاعوا الأمراء وأطاعوا كذلك العلماء في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعل من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي. فهؤلاء لهم أحكام أمثالهم من أهل الذنوب، كما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف». ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا مع أنه في قرارة نفسه يقول: إن الحلال ما أحله الله وإن الحرام ما حرمه الله، لكن يقول: ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا كان مجتهدا في الحكم على الشيء بأنه حلال وهو في نفس الأمر حرام أو العكس. قال: قصده اتباع الرسول، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على الخطأ، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، يدخل في الوجه الثاني. قال: ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليده، على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه. قال الشارح رحمه الله تعالى لقول الله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾، قال: وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف لما ذكر حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر». قال الشارح رحمه الله: قوله «يوشك» بضم أوله وكسر الشين المعجمة أن يقرب ويسرع، وهذا القول من ابن عباس رضي الله عنهما جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج. وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب، ويقول: إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط فقد حل من عمرته. قال: لحديث سراق بن مالك حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: «يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد». والحديث في الصحيحين. قال: فالحاصل أن المتعة لم تنسخ، بل كانت كما هو معلوم في آخر حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن هذا الوجوب خاص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم. قال: وحينئذ فلا عذر لمن استفتيه أن ينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام، يأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقدر بها على ذلك. قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. قال: فعلى الإنسان إن لم يكن متأهلا أن يقلد الأعلم والأتقى، امتثالا لقول الله جل وعلا: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال الإمام أحمد: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعد قوله أن يقع في قلبي شيء من الزيغ فيهلك». قال الشارح رحمه الله: هذا الكلام من الإمام أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. قال: وقد عمت البلوى بهذا المنكر، أن الناس يدعون إلى تقليد غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقليد العلماء والأمراء وإلى ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله والسنة أن ينتهي إليه ويعمل به وإن خالفه من خالف، كما قال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾. قال: وقد حكى الإجماع على ذلك وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم. قال: ولا يخالف في ذلك إلا جهال المقلدة لجهلهم بالكتاب والسنة ورغبتهم عنها. قال: وهؤلاء وإن ظنوا أنهم قد اتبعوا الأئمة فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم واتبعوا غير سبيلهم. قال: لكن في كلام أحمد رحمه الله إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا ذنب فيه، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة. قال: وذلك إنما نشأ عن الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله والإقبال على كتب المتأخرين والاستغناء بها عن الوحيين. قال: فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم فليعرضها على ما في الكتاب والسنة. قال: فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد. قال: والأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر من أن تحصر، وفي السنة كذلك. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على