الدرس في شرح فتح المجيد 84، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف الشفاعة لغة وشرعًا، ويقسمها إلى قسمين: الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية. يُوضح أيضًا شروط الشفاعة الشرعية.
يشرح هذا الفصل مفهوم الشفاعة في الإسلام كما ورد في القرآن، ويبين أن طلبها من غير الله شرك. يُظهر أيضًا أن الشفاعة ملك لله وحده.
يُبين هذا الفصل شروط الشفاعة في الدار الآخرة، وهي إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، ويوضح أن الشفاعة ملك لله ولا تطلب إلا منه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: قال الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب الشفاعة. الكلام على هذا الباب سيكون في عدة أمور. أول هذه الأمور أنه تقدم معنا مرارًا أن الباب معناه المدخل إلى الشيء، فهو معدل ما يدخل في الشيء وما يخرج منه. فهو هاهنا مدخل معنوي. الشفاعة لغة: جعل الشيء أو جعل الوتر شفعًا، أي جعله مثنى. وشرعًا: عرفت الشفاعة شرعًا بأنها سؤال الخير للغير. وقيل: أو هناك تعريف لعله أحسن، وهو أن الشفاعة هي التوسط للغير في جلب خير أو دفع شر أو رفعه. وهذا أعم وأحسن، فهو التوسط للغير في جلب نفع أو دفع شر قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه. والشفاعة على قسمين ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: شفاعة مثبتة شرعية، وهي ما توفرت فيها ثلاثة شروط: الأول إذن الله بالشفاعة، والثاني الرضا عن الشافع، والثالث الرضا عن المشفوع له. والقسم الثاني من الشفاعة: الشفاعة المنفية، وهي الشفاعة الشركية لأهل الإشراك. والمقصود من الشفاعة الشرعية أمران: أحدهما إكرام الشافع، وثانيهما نفع المشفوع له. فإذن الشفاعة الشرعية ما تضمنت هذين الأمرين. ومناسبة الباب في كتاب التوحيد تظهر من عدة وجوه. أولها: أن المشركين يبررون ما هم عليه من الشرك بأنهم يعبدونهم وهم يعلمون أنهم مخلوقون مربوبون لله جل وعلا، ولكنهم يعبدونهم لأجل أن يكونوا لهم شفعاء عند الله. فأراد الشيخ رحمه الله أن يبين أن هذا هو عين الشرك الذي نهى الله عنه. وثمة وجه آخر: وهو أن يقال إن الشفاعة ملك لله، فلا تطلب إلا من الله. فطلبها من غير الله شرك، كما أن طلبها من الله جل وعلا توحيد وعبادة. وثمة احتمال ثالث: وهو أن شرك المشركين كان باتخاذهم الصالحين والملائكة وسائط وشفعاء، فقد وقع الشرك منهم من جهتين في هذا الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الشفاعة. قال الشارح رحمه الله تعالى: أي بيان ما أثبته القرآن منها وما نفاه، وحقيقة ما دل القرآن على إثباته. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا، وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 51]. قال الشارح رحمه الله تعالى: الإنذار هو الإعلام بأسباب المخافة والتحذير منها. قوله: ﴿بِهِ﴾ قال ابن عباس: بالقرآن. ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وهم المؤمنون. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقبلها: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: 43]. فبين تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتف وممتنع. في الآية الأولى، قال الله جل وعلا: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، واللام ها هنا لام الملك. وأسلوب آخر: أنه قدم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. قال الشارح رحمه الله تعالى: قد تبين مما تقدم من الآيات أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تطلب من غير الله. وفي هذه الآية بيان أن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه. ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]، فبين أنها لا تقع لأحد إلا بشرطين: إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له. قال الشيخ رحمه الله: وهو تعالى لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه، ولقي العبد به مخلصًا غير شاك في ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فيه استفهام في معنى الإنكار، بأن أحدًا لا يستطيع الشفاعة ولا يملك الشفاعة إلا بإذن الله جل وعلا. فدل هذا على أنها ملك لله جل وعلا، ولا يجعلها الله جل وعلا إلا في من شاء. فبين أنها لا تقع لأحد إلا بشرطين: إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع، ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.