الدرس في شرح فتح المجيد 116، ألقاها
الآية الكريمة تبين أن من الناس من يدعي الإيمان لكنه يرتد عند الأذى، بينما المؤمن يصبر على الابتلاء. الابتلاء سنة إلهية للمؤمنين والكافرين، لكنه للمؤمنين تكفير لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم.
امتحان المؤمنين يكون لتنقية سيئاتهم ورفع درجاتهم، بينما يكون امتحان الكافرين لزيادة تعذيبهم. المؤمن يصبر على الألم ليحصل على العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
اليقين يتضمن الإيمان بأمر الله ووعده، والتصديق بقدر الله وخلقه. من يرضي الله ينصر ويُرزق، ولا يجب الاعتماد على الناس بل على الله وحده. الحديث الضعيف يبين أهمية الرضا بقضاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، طيب نبهنا بعض إخواننا أننا ما علقنا على بعض الأحاديث التي مرت معنا ومررنا عليها، وكان في أثناء الشرح ظلنا أننا قد علقنا عليها، فننبه أو نعلق عليها الآن. طيب من هذه الأحاديث ما مر معنا في آخر، في أواخر باب «ومن الناس من يتخذوا من دون الله أندادًا»، والذي فيه قول الشارح -رحمه الله-: وفي حديث أبي أمامة مرفوعًا: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». قال الشارح: «رواه أبو داود»، وهو كما قال: رواه أبو داود وغيره، وإسناده حسن، من حديث أبي أمامة. وكذلك جاء من حديث معاذ بن أنس -رضي الله عنه وأرضاه-، كما عند أحمد وغيره، وإسناده كذلك حسن. الأول إسناده حسن، والثاني إسناده حسن. والحسن مع الحسن نلتقي إلى الصحيح لغيره. وانظر السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني برقم ثلاثمائة وثمانين. طيب وثاني حديث، أو الحديث الذي أيضًا مررنا عليه، وما علقنا عليه، في باب الخوف، في باب قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾، لم نعلق أيضًا على حديث: «إن الله تعالى يقول العبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر ألا تغيره». والحديث رواه الإمام أحمد كذلك، وغيره، من حديث أبي سعيد، وإسناده حسن. وأيضًا في الحديث الذي مر معنا كذلك، والذي فيه قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، ذكرنا أنه ضعيف، ونسينا أن نقول الفائدة، وما ذكرتها إلا بعد الدرس، وهي أنه يغني عن هذا الحديث ما رواه الحارث بن أبي أسامة وغيره، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ينادي يوم القيامة: أين جيراني؟ أين جيراني؟» قال: «فتقول الملائكة: ربنا ومن ينبغي أن يجاورك؟» فيقول: «أين عمار المساجد؟ أين عمار المساجد؟» والحديث ذكره العلامة الألباني في الصحيحة برقم 281 و700 و2000، وقال: «وإسناده جيد». طيب هذا ما أردنا أن ننبه عليه. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، قال الشارح -رحمه الله تعالى-: قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم، إنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها من نقمة الله بهم، فارتدوا عن الإسلام». قال ابن عباس: «يعني فتنة: أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله». طيب قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وقوله ها هنا عطف على ما تقدم من قوله -رحمه الله تعالى- في أول الباب: «باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾» إلى آخره. وإذا قيل: «باب»، أي: تقدير أن يكون خبر لمبتدأ محذوف، فتقديره: «هذا باب»، ثم «قول الله تعالى» إلى آخره، فيكون مرفوعًا. فالحاصل: أنه ذكر -رحمه الله تعالى- ها هنا من الأدلة الدالة على أن الخوف يجب أن يكون لله جل وعلا، ذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم، إنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها من نقمة الله بهم، فارتدوا عن الإسلام». فكان ما في قلوبهم من عدم اليقين، ومن الريب، ومن الزعزعة -يرحمه الله- سببا لارتدادهم، ولخروجهم من دين الله جل وعلا. لذا كما ذكر -رحمه الله تعالى-: قال ابن عباس: «يعني فتنة: أي أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله». فمعنى هذا: أن دينه يكون أرخص شيء عنده، فما إن يلقى شيئًا من الأذية حتى يترك دينه؛ لأجل تلك الأذية. وهذا يدل على أن قلبه كان مزعزعًا من الخوف من الله جل وعلا. ولو ملئ قلبه خوفًا من الله جل وعلا؛ لما ضره فتنة، ولا خشي أحدًا، بل علق قلبه بالله جل وعلا، كما سيأتي معنى في كلام ابن القيم -رحمه الله-. قال -رحمه الله-: وقال ابن القيم: «الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك، بل يستمر على السيئات والكفر. فمن قال: آمنا، امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار؛ ليتبين الصادق من الكاذب. ومن لم يقول: آمنا، فلا يحسب أنه يعجز الله، ويفوته ويسبقه. فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلي بما يألمه. ومن لم يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة، وحصل له ما يألمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوى من ألم اتباعهم». يعقول ابن القيم -كما ترون-: أنه لا بد للابتلاء، لا بد للابتلاء، ابتلاء الله جل وعلا للمؤمن إذا آمن، وإذا اتبع الرسل. يقول ابن القيم -رحمه الله-: «إذا جاءت الرسل بالرسالات من ربها جل وعلا، صار الناس على قسمين، وعلى طرفين: منهم من يؤمن، ومنهم من يكفر. من يؤمن ينتقل إذا آمن بالله جل وعلا، يحصل له نوع من الامتحان والابتلاء؛ ليميز الله جل وعلا الصادق من الكاذب. ومن ثبت واستمر ملأ الله جل وعلا قلبه إيمانًا وثباتًا ونصرة، إلى غير ذلك من المعاني التي يؤيد الله جل وعلا بها أولياءه. وفي الطرف الآخر: أهل الكفر والعصيان الذين تركوا ما تركوا؛ خوفًا من رؤسائهم، أو خوفًا على جاههم وأموالهم، وما شابه ذلك، فإنهم كذلك يبتلون. وابتلاؤهم يكون أشد من ابتلاء المؤمنين؛ لأن ابتلاؤهم يكون في الدنيا، ويكون في الآخرة، فيكون حسرة وندامة عليهم في الدنيا، ويكون كذلك حسرة وندامة عليهم في الآخرة؛ بخلاف المؤمن إذا ابتلي، وقدر عليه أن كتب عليه بسبب ذلك البلاء أن مات، فإنه ينتقل إلى سعة لا يعلمها إلا الله، وإلى فرجة وإلى فسحة من الله جل وعلا لا يعلمها إلا الله؛ بخلاف الكافر، فإنه في دنيا في منغصات، وفي تعب، وفي فتن، وفي بلاء، وفي ضيق، وفي حرج. وكذلك إذا لقي ربه جل وعلا غدًا، ووقف بين يدي ربه جل وعلا غدًا، ورأى ما عد الله جل وعلا لأهل النار، حينها يتألم ويتحسر ويتندم، وإن له الندامة تنفعه، أو تغني عنه الحسرة، كما قال الله جل وعلا عن أولئك: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ۜ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ إلى آخر ما ذكر الله جل وعلا في حال أولئك. إذن الفرق بين هؤلاء وهؤلاء: أن امتحان المؤمنين على سبيل التنقية والتصفية؛ لأجل أن يكفر الله جل وعلا لهم من سيئاتهم، أو أن يرفع الله جل وعلا لهم الدرجات؛ بخلاف ما يحصل للكافر، فإنها منغصات وأنكاد في الدنيا، وكذلك في الآخرة. قال -رحمه الله-: فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان. لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. هذا هو الفيصل، وهذا هو الفارق: أن المؤمن قد يؤلم وقد يؤذى وقد يحصل له ما يحصل، ولكنه؛ لأنهم ينظر إلى ما عند الله جل وعلا، فإن ذلك يهون عليه المصائب، يهون عليه الأهوال، يهون عليه المنغصات. ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ بخلاف الكافر، فإنهم لا علاقة له بالله جل وعلا في الدنيا، ويرى الحسر والندامة الكبرى عند لقاء ربه جل وعلا يوم القيامة. قال -رحمه الله-: والمعرض عن الإيمان تحصله اللذة ابتداء، ثم يصير في الألم الدائم. والإنسان لا بد أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه. وإن وافقهم حصل العذاب تارة منهم، وتارة من غيرهم. كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة، ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوته عنهم. فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كانوا يخافونه ابتداء؛ لو أنكر عليهم وخالفهم. وإن سلم منهم فلابد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم. وهذا من إمام القيم -رحمه الله تعالى- فيه بيان: أن من كان مع الله جل وعلا، ولم يبارِ بلوم الناس، ولم يبارِ بما قد يقوله الناس، بل ألقى قلبه بالله جل وعلا، واتصل بالله جل وعلا، وانتصر لله جل وعلا، فإن عاقبته تكون إلى خير. وإن ثمار ذلك الشيء الذي يقوم به يراها بإذن الله جل وعلا في دنيا قبل أخرى. بخلاف من داهن، بخلاف من تنازل، بخلاف من حصل منهم كذلك بعض التنازلات في دينهم؛ لأجل إرضاء الناس، لأجل إرضاء الناس، لأجل أن يرضى عنهم من يرضى عنهم من الناس، فإنه في أول الأمر يكون حالهم صلبًا قويا. فإذا تنازل تسلط عليه الناس، وكلما تنازل عن دينه كلما زاد تسلط الناس عليه. ولعلها من آثار الذنوب والمعاصي، حينما كان قوي الإيمان، حينما كان متصلًا بالله جل وعلا، حينما كان مرتبطًا بالله كفاه الله جل وعلا غيره، وعظم الله جل وعلا ذلك المؤمن في قلوب أولئك العصاة. ولكن لما تنازل، ولما هان الله جل وعلا في قلبه، فارتكب بعض ما حرم الله جل وعلا عليه، أو فعل بعض ما حرم الله عليه، أو ما شابه ذلك، كان سببًا لأن يهون في أعين الناس؛ جزاء وفاقًا. فابن القيم -رحمه الله تعالى- يذكر، يقول: «كمن كان عنده دين وتقى، كان قوي الإيمان، وكان تقيًا لله جل وعلا»، قال: «حل بين قوم فجار ظلمة»، قال: «ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوته عنهم». قال: «فإن وافقهم حصل تنازل عن دينه، أو سكت عنهم كذلك، سكت عن الباطل والمنكر، ولم يغير المنكر». وهذا أيضًا فيه معنى من معاني التنازل عن دينه، وفيه معنى من معاني ضعف الاعتماد على الله، وضعف الارتباط بالله جل وعلا، وتعلق القلب بالله جل وعلا. قال: «سلم من شرهم في الابتداء»، يقول: «الجماعة: سأسكت عنهم، وسيسكتون عني، بل سيعظموني في أعينهم». صار ينظر إلى رضى الناس على حساب رضى الله جل وعلا. فماذا تكون العاقبة؟ قال: «ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء؛ لو أنكر عليهم وخالفهم». لو أنكر عليهم وخالفهم ابتداءً ابتغاء وجه الله جل وعلا، لوجد أذية، ولكنها بالنسبة للأذية التي يلقاها بالتنازل لا شيء. لذا قال -رحمه الله تعالى-: «وإن سلم منهم فلابد أن يهان، أن يهان بعد أن كان معززًا مكرمًا موقرًا، صار مهينًا؛ لأنه تنازل عن شيء من دينه». قال: «ويعاقب على يد غيرهم». فضلًا قال -رحمه الله-: «فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لمعاوية -رضي الله عنه-: من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا». وهذا الأثر روي عن عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- موقوفًا ومرفوعًا، وسيأتي مع الكلام بإذن الله جل وعلا. والموقوف صحيح، رواه الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- في جامعه، وغيره، وإسناده صحيح. قال -رحمه الله-: «فمن هداه الله وألهمه ورشده ووقاه شر نفسه، امتنع من الموافقة على فعل محرم، وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت للرسل وأتباعهم». ثم أخبر تعالى عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، فالمؤمنون؛ لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قرب. وهذا من ضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس في الفرار منه بمنزلة عذاب الله. وغبن كل الغبن إذ استجار من الرنضة بالنار، ففر من ألم ساعة إلى الألم اللابد، إلى ألم الأبد. وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: «إني كنت معكم». والله أعلم بمن طوى عليه صدره من النفاق. قال -رحمه الله تعالى-: وفي الآية رد على المرجئة والكرامية، ووجهه: أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: «آمنا بالله» مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله. فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل. فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب، وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان. وهذا قول أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا. قال -رحمه الله تعالى-: وفيه الخوف من مداهنة الخلق، والمعصوم من عصمه الله تعالى. والفرق بين المداهنة والمدارة: أن المداهنة تنازل عن حق، أو عمل بباطل؛ لأجل نيل غرض أو عرض. بخلاف المدارة، فإن ليس فيها معنى من هذه المعاني. وإنما يحاول -كما يقال- يدفع بالشر الأكبر بالشر الأصغر؛ تحصيلًا لأعلى المصلحتين بتفويت أدناها، وكذلك بارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاها. وهذه من قواعد الشريعة، ولاسيما عند الحاجة. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: عن أبي سعيد المرفوع: «إن من ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمد الله على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله». قال الشارح -رحمه الله-: «هذا الحديث قواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وأعله بمحمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف». وفيه: عطية العوفي، ذكره الذهبي في الضعفاء. وموسى بن بلال، قال الأزدي: «ساقط». والحاصل: أن الحديث كما قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في الضعيفة برقم 4180: «حديث موضوع». العلة المذكورة فيه محمد بن مروان السدي، وهو متهم بالكذب أو متهم بالوضع. وكذلك عطية العوفي ضعيف، ومنهم من تكلم عليه بكلام أشد من ذلك. وفيه كذلك موسى بن بلال، قد قال الأزدي بأنه ساقط. قال -رحمه الله-: وتمام الحديث: «وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والغضب». والحديث وإن كان في إسناده من ذكر، فمعناه صحيح. قوله: معناه صحيح، أي: باعتبار ألفاظه تدل عليها عمومات، وتدل عليها أحاديث أخرى تدل عليها عمومات من قرآن، وأحاديث أخرى تدل على ألفاظ هذا الحديث. ولكن الحديث من حيث هو -كما تقدم- أنه لا يصح عن نبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. قال -رحمه الله-: قوله: «إن من ضعف اليقين»، الضعف يضم ويحرك، ضد القوة. ضعف ككرم ونصر. يعني: يقال: ضعف وضعف. ضعف: يعني كما لك -رحمه الله تعالى-. قال: ككرم ونصر، يحرك. ضعف وضعف، فضعفًا ضعفًا، وضعافًا، فهو ضعيف، وضعوف، وضعفان. والجمع: ضعاف، وضعوف، ضعاف، وضعفا، وضعفة، وضعفا، وضعافًا، يعني: ضعفة، وضعفا، وضعافًا. أو الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في البدن. في البدن، أو الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في البدن، فهي ضعيفة وضعوف. يعني: إذا قيل: «ضعفًا»، أي: رأيه. وإذا قيل: «ضعفًا»، أي: بدنه. قال: واليقين المراد به الإيمان كله، كما قال ابن مسعود: «اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان». رواه الطبراني بسند صحيح، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد، من حديثه مرفوعًا. قوله -رحمه الله تعالى-: رواه الطبراني في الأوسط، رواه الطبراني بسند صحيح. حديث ابن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه-، من طريق خيثمة بن أبي خيثمة، وهو لين الحديث. وفيه كذلك جعفر بن شعيب الشاشي، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ فلا يصلح. قال -رحمه الله-: قال: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعًا: «فإن استطعت أن تعمل بالرضا في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثير». وفي رواية: «قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أطابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». قال -رحمه الله-: قوله: «أن ترضي الناس بسخط الله»، أي: تؤثر رضاهم على رضا الله، بأن توافقهم على ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه. قال -رحمه الله-: وفي رواية: «قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». هذا أخرجه الآجري في الشريعة، وغيره، وهو من طريق صالح بن رستم أبي عبد السلام الشامي، وهو مجهول. قال -رحمه الله-: فالحاصل: أنه لا يصح. قال: قوله: «أن ترضي الناس بسخط الله»، أي: تؤثر رضاهم على رضا الله، بأن توافقهم على ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه؛ استجلابًا لرضاهم. قال -رحمه الله-: وقوله: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». هذا له شيء حاجة، ابن عباس الذي رواه أصحاب السنة المشهور في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا غلام، احفظ الله يحفظك، الحديث». وفيه قال: «وعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف». فهو يدل على هذا المعنى: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». لأن الأمر كله من الله، وبالله -سبحانه وتعالى-. قال -رحمه الله-: قوله: «أن ترضي الناس بسخط الله»، أي: تؤثر رضاهم على رضا الله، بأن توافقهم على ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه؛ استجلابًا لرضاهم. وهذا ينافي قوة اليقين، وكمال الإيمان؛ في إيثار ما يرضي الله على ما تهواه النفوس، والصبر على مخالفة هواها. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. وذلك إذا لم يقم بقلبه من إعظام الله، وإجلاله، وهيبته ما يمنعه من استجلاب رضا المخلوق؛ بما يجلب له سخط خالقه وربه ومليكه الذي يتصرف في القلوب، ويفرج الكروب، ويغفر الذنوب. قال -رحمه الله-: وهذا كما سمعتم: كمن يفعل من يفعل من المحرمات؛ خوفًا من فوت محبوب، أو خوفًا من أن يحصل من ذلك الشيء ما يكرهه من مخلوق، أن يمنعه ما يريد من وظيفة، أو من مال، أو من جاه، أو ما شابه ذلك. فهو يفعل ما نهى الله عنه، أو يترك ما أمر الله به؛ خوفًا من فوت شيء من أمور الدنيا. فيكون ذلك سببًا لوقوعه في ما حرم الله جل وعلا. قال -رحمه الله-: وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضى المخلوق على رضى الله، وتقرب إليه بما يسخط الله. وهذا من الشيخ -رحمه الله تعالى- التفسير لما تقدّم معنا في التقسيم في أول الباب. فالشيخ -رحمه الله تعالى- في التقسيم في أول باب في تقسيم الخوف، وذكر أنه على ثلاثة أقسام: الأول خوف السر، والثاني الخوف المحرم، وذكر أنه يصل إلى نوع من الشرك. قال -رحمه الله-: ولا يسلم من هذا إلا من سلمه الله، ووثقه لمعرفته ومعرفة ما يجوز على الله من إثبات صفاته على ما يليق بجلاله، وتنزيه -تعالى- عن كل ما ينافي كماله، ومعرفة توحيده في ربوبيته وإلهيته. وبالله التوفيق. قال -رحمه الله-: قوله: «أن تحمدهم على رزق الله»، أي: على ما وصل إليك على أيديهم، بأن تضيفه إليهم، وتحمدوا عليه. فإن المتفضل في الحقيقة هو الله وحده الذي قدره لك، وأوصله إليك. وإذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا. ولا ينافي هذا حديث: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». لأن شكرهم إنما هو في الدعاء لهم؛ لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعو لهم، أو تكافئهم؛ لحديث: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له؛ حتى تروا أنكم قد كافأتموه». فإضافة الصنيعة إليهم؛ لكونهم صاروا سببًا في إيصال المعروف إليك، والذي قدره وساقه هو الله وحده. قال -رحمه الله-: قوله: «أن تذمهم على ما لم يؤتك الله»، لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم. فلو قدر لساقته المقادير إليك. فمن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق العبد بسبب وبلا سبب، ومن حيث لا يحتسب؛ لم يمدح مخلوقًا على رزق، ولم يذمه على منع. ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه. قال -رحمه الله-: شيخ الإسلام: «اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته. ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره. فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنًا لا بوعدي، ولا برزقي». فإنما يحصل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيدي الناس، فيترك القيام بأمر الله؛ لما يرجوه منهم. وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة. فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم. قال -رحمه الله-: ولما قال بعض وفد بني تميم: «أي محمد أعطني؛ فإن حمدي زين، وذمي شين». قال -صلى الله عليه وسلم-: «ذاك الله». الحديث صحيح، كما جاء في حديث البراء، يصححه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في جامع الترمذي، وغيره. قال -رحمه الله-: وفي الحديث دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.