الدرس في شرح العقيدة التدمرية 46، ألقاها
يشرح الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، حيث أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وتوحيد الألوهية هو عبادة الله وحده دون مشاركة أحد آخر.
يتناول إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وإنكارهم لتوحيد الألوهية، حيث كانوا يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر ولكنهم كانوا يخالفون في إفراد الله بالعبادة.
يناقش مفهوم التوحيد عند الجهمية والمعتزلة، ويبين أن نفي الصفات الإلهية ليس توحيدًا، وأن التوحيد الحقيقي هو عبادة الله وحده دون شريك.
يحدد معنى التوحيد كعبادة الله وحده دون شريك، والشرك كجعل إله آخر مع الله وعبادته معه أو من دونه.
قال وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة الثمان وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله، حتى يجعلون معنى الإلهية القدرة على اختراع، كما ذكرنا أنهم يجعلون لا إله إلا الله معنى لا قادرة على اختراع إلا الله، فيظنون أن توحيد الألوهية الذي بعث الله عز وجل به الرسل، وأنزل به الكتب، وتوحيد الربوبية، بل يقصونه بالقدرة على اختراع. قال رحمه الله تعالى: ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولًا لم يكنوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقررون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقررين بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون، أي المشركون الأول الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكنوا ينازعون الرسل في هذا الباب، بل كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ولكنهم ينازعون في توحيد عبادة، لذا لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده، وإلى الكفر بكل ما عداه من الآلهة، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، فهم بعربيتهم علموا أن الآلهة بمعنى المألوه الذي هو بمعنى المعبود، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، تعجبوا من هذا الأمر، فدل على أنهم أنكروا التوحيد الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك من قبله من الرسل، وأقروا التوحيد الذي هو توحيد ربوبية، الذي لم يبعث الرسل لأجله، لأن توحيد الربوبية كما مر معنا معلوم بالفطر، معلوم ضرورة بالفطر. قال رحمه الله تعالى: بل ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في هذا الموضع أنهم كما أنهم يقررون بأن الله خلق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقررين بالقدر، بل كان بعضهم من غلات المقررين في القدر، بأنهم كانوا قدرية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَلَا آبَاؤُهُمْ وَلَا مَنَعَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، أثبت القدر، بل غلوا في إثبات القدر. قال رحمه الله تعالى: وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أقل هذا الشرك في شرك ربوبية، لأنهم كلهم مقرون بأن الله خالق كل شيء، فما هناك من يدعي في العالم أن هناك خالقًا أو ربًا مثل الله عز وجل في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ومن كان يقول أن في العالم خالقين كالذنوية، فإنهم يقرون بأن أحدهم أفضل من الآخر، فدل على أن الجميع لا يقولون بوجود خالقين متماثلين من جميع الوجوه، بل إن وجد هذا فعندهم أحدهم أثمن من الآخر، والآخر أنقص من الأول، وهذا هو المطلوب. قال رحمه الله تعالى: وكما ذكرنا في دفع الصبح أن توحيد الربوبية معلوم ضرورة بالفطر السليمة عند جميع الملل، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهؤلاء وهؤلاء كما يقال النظار المتكلمون يبحثون ليلًا ونهارًا حتى يحققوا أن الله عز وجل موجود، أدلة ونظر واستدلال، وما شابه ذلك حتى يصل إلى وجود الله عز وجل الذي معرفته أعرف من كل شيء، ولكن هؤلاء أضاعوا الأعمال والأعمار في شيء تعلمهم العجائز فضلًا عن غيرهم ممن هم أعلى منهم منزلة وعقلًا. قال رحمه الله تعالى: وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، أي في شرك ربوبية، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، القدرية جعلوا أفعال العباد مخلوقة للعباد. قال رحمه الله تعالى: وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق، أي بمعنى أن الجميع يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق المطلق، وما عداه مخلوق، وإن قيل أن بعض المحددات أو بعض الموجودات خالق مع الله عز وجل، إلا أن هذا الخلق ليس مثل خلق الله عز وجل، فهو خلق مقيد، بخلاف خلق الله عز وجل فهو خلق مطلق. قال رحمه الله تعالى: فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، وفرعون جحد شيئًا معلومًا ضرورة، جحد وجود الخالق سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ربه كل شيء. قال رحمه الله تعالى: والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده، فإذا هذا التوحيد الذي قرره المتكلمون والنظار منهم لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، مشركون العرب يقرون بأن الله عز وجل الخالق الآمر المدبر الذي بيديه كل شيء، ولكن يخالفون في إفراد الله عز وجل بالعبادة. قال رحمه الله تعالى: وكذلك النوع التالي وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في العالم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته، ثانيًا: قال: إنه مشارك له، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته، فإنما يشبه به في بعض الأمور، يشبه به في بعض الأمور، أي لا ليس هناك من الأمم من يقول أن هناك موجودًا مثل الله عز وجل في صفاته. قال رحمه الله تعالى: ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة أو إنه يرى في الآخرة أو إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، يقولون: إنهم مشبه ليس بموحد، لماذا؟ لتعدد الصفات، لتعدد القدماء، كما يقولون: لأن أخص وصف عندهم لله عز وجل ما هو القدم، فلو وصف الله عز وجل بأنه عالم، بأنه سميع، بأنه بصير، لغيرهم الصراط، قال: يستلزم تعدد القدماء، وهذا ينافي التوحيد، ويدخل صاحبه في الشرك، وفي التشبيه. قال رحمه الله تعالى: وقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعهم حقًا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لابد أن يحققوا بأن الإله بأنه لا إله إلا الله، أي لا إله بحق إلا الله. قال رحمه الله تعالى: وليس المراد بإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، ينسب هذا القول إلى الحفز الأشعري وإلى غيره، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إله إلا هو. قال رحمه الله تعالى: فإن المشركين كانوا يقرون بهذا، وهم مشركون كما تقدم بيانه، فإذا هل نفعهم لا إله إلا الله على المعنى التي ذكروا هؤلاء؟ الجواب: لا، لأن المشركين كانوا يقرون بهذا المعنى، ولكن المشركون كانوا عربًا أقحاحًا، كانوا عربًا فصحاء يعلمون ما معنى لا إله إلا الله، أنها تتضمن النفي والإثبات، لا إله أي لا معبود بحق إلا الله. قال رحمه الله تعالى: بل إله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آله، أي قادر، وإنه إله بمعنى مألوه أي معبود، والله الأمر. قال رحمه الله تعالى: والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إله آخر، أي أن يجعل مع الله من يعبد مع الله عز وجل، أن يجعل مع الله عز وجل إله يعبد من دون الله عز وجل أو يعبد مع الله عز وجل، فهذا هو الشرك بالله عز وجل.