الدرس في شرح العقيدة التدمرية 2، ألقاها
ألف الشيخ ابن تيمية الكتاب لشرح أصول التوحيد والصفات والشرع والقدر بناءً على طلب من تعينت إجابتهم. كان الدافع هو الحاجة إلى توضيح هذين الأصلين بسبب كثرة الاضطراب فيهما.
يناقش الكتاب أقسام الكلام في التوحيد والصفات والشرع والقدر، ويبين أنها تدور بين النفي والإثبات. يوضح أن الكلام في التوحيد والصفات يتعلق بإثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه.
يشرح الكتاب الفرق بين النفي والإثبات وتطبيقه على توحيد الله، ويبين أهمية هذا الفرق في إثبات صفات الكمال لله ونفي ما يضادها عنه. يشمل هذا المفهوم التوحيد في العلم والقول والعمل.
يبرز الكتاب دلالة سورتَي الإخلاص والكافرون على التوحيد، حيث كانتا تُقرآن في سياقات مختلفة مثل صلاة الفجر والطواف. تعتبر السورتان دليلاً على التوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: أما بعد، فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس، فيه من الكلام في التوحيد والصفات والشرع والقدر، لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين وكثرة الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تاراته، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات. قال: ﴿بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر ما ذكر في مقدمته، قال: أما بعد. وكلمة "أما بعد" كلمة يؤتى بها للفصل بين موضوعين، ويؤتى بها كذلك للشروع في المقصود، وهي كما يقول العلماء نائبة عن قول القائل: "مهما يكون من شيء بعد". فقال الشيخ رحمه الله تعالى: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس. وكما تقدم أن هذا فيه أسباب الكتاب، فيه أن الشيخ رحمه الله تعالى ألف هذا الكتاب لهذه الأسباب، أنه تعين إجابة من سأله أن يكتب له كتابًا مما سمعوه من الشيخ رحمه الله تعالى في بعض المجالس. قال: من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر، لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وهذا كما ترون من الأسباب، وكثرة الاضطراب فيهما، وهذا أيضًا من الأسباب. قال: فإنها مع حاجة كل أحد إليها، فكل إنسان بحاجة إلى معرفة هذين الأمرين، إلى توحيد الله عز وجل، توحيد القصد والطلب، وتوحيد العلم والمعرفة. قال رحمه الله تعالى: ومع أن أهل النظر، وهم أهل العقليات، وأهل العلم، وهم أهل النقليات، والإرادة، وهم الذين جعلوا أوقاتهم في عبادة ومحاسبة، لابد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال. قال: لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة، وبالباطل تاراته، وأن الخائضين في الباطل أكثر بكثير من القائلين بالحق. قال: وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات. وكما قيل: "القلوب ضعيفة والشبه خطافة". قال رحمه الله تعالى: فالكلام في باب التوحيد والصفات، ومن باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر، ومن باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض، نفيًا وإثباتًا. قوله رحمه الله تعالى: "فالكلام في باب التوحيد والصفات" مقصوده رحمه الله تعالى ها هنا: فالكلام في باب توحيد الربوبية، لأن الكلام ها هنا على توحيد الربوبية، فيكون جمع بين توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وهما من باب الخبر. قال: فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر، أي خبر من الله جل وعلا، فإذا كان خبرًا فهو دائر بين النفي والإثبات. ومعنى أنه دائر بين النفي والإثبات: معناه أن على الإنسان أن يثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه، وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه. قال رحمه الله: "والكلام في الشرع والقدر ومن باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا". وقوله: "هو الكلام في الشرع" ومعنى الكلام في الشرع: أي الكلام في الأحكام الشرعية، ومناطها ومدارها على توحيد الألوهية، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، على وفق ما شرع الله جل وعلا لعباده. قال: "والكلام في الشرع والقدر" هو من باب الطلب والإرادة، أي أنه طلبي إرادي، أي أنه مطلوب من العبد فعله، وكذلك أن يكون مرادًا من الله جل وعلا، فهو محبوب إلى الله جل وعلا ومراد إليه. قال: "الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا". قول رحمه الله تعالى: "والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة" إلى آخر كلامه، الكلام في الشرع الأمر فيه واضح، أنه دائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا. ومعنى هذا: أنه الدائر بين الإرادة والمحبة، أي الإرادة والمحبة هنا بمعنى واحد، وهي الإرادة الشرعية. قال: فهو دائر بين ما أراده الله جل وعلا وأحبه، وبين الكراهة والبغض، أي الكراهة لما يكره الله ويبغضه. وقوله: "نفيًا وإثباتًا" بأن ينفي ما نفاه الله جل وعلا، ويثبت ما أثبته الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: "والإنسان قد يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض والحض والمنع". قوله رحمه الله تعالى: "والإنسان يجد في نفسه" أي ببداهة الإنسان، الإنسان ببداهة أي شيء بالشيء البديهي الذي لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال. قال: يجد الفرق بين النفي والإثبات، بين أن يثبت شيئًا أو أن ينفيه، والتصديق والتكذيب، يأتي خبر إما أن تصدق به وإما أن تكذبه. قال: وبين الحب والبغض، والحض والمنع، يجد الإنسان فرقًا بين هذا وهذا. قال رحمه الله تعالى: "حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة، ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم". كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان، وكما ذكره المقسمون بالكلام من أهل النظر والنحو والبيان. قال: فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات، والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة. قال: وإذا كان كذلك فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحالة. قال: ولابد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل. قوله: "ولابد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره" هذا كذلك بابه الإثبات. قال: فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، تأمل إلى قوله: "بخلقه المتضمن كمال قدرته"، فمرد القدرة إلى الخلق، والخلق فرد من أفراد الربوبية. قال: ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل. قال: وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل. والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دل على ذلك سورة «قل هو الله أحد». قوله: "وهذا يتضمن" قوله: "وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له" هذا يعود إلى توحيد الألوهية. قال: والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دلت على ذلك سورة «قل هو الله أحد»، قل هو الله أحد الله صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، هذه سورة دلت على توحيد الله جل وعلا في توحيد الخبر والعلم، الذي هو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. قال: ودل على الآخر سورة «قل يا أيها الكافرون»، وهما سورتان، الإخلاص والكافرون. قال: وبهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة في ركعتين الفجر وركعتين الطواف وغير ذلك. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.