شرح قرة عيون الموحدين 23

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 23، ألقاها

مفهوم التبرك وأنواعه

التبرك يعني طلب البركة وثبوت الخير وزيادته، ويكون إما مشروعًا أو ممنوعًا حسب الواسطة والمقصود. التبرك المشروع يكون بالذات المباركة أو المعاني المباركة.

التبرك المشروع والممنوع

التبرك المشروع يكون بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالقرآن، بينما التبرك الممنوع يكون بطلب البركة من غير الله أو بجعل واسطة بين الله والعبد بدون مشروعية.

عبادة الأوثان والقبور والتحذير من الشرك

المشركون يعبدون الأوثان والقبور ويعتقدون فيها البركة والنفع، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتباع سننهم وعبادة الأشجار والأحجار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن ابن حسن رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين": قولهم: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. **شرط** والجواب محذوف، تقديره: فقد أشرك بالله. ويجوز أن يقال: بأن "منها" هنا موصولة، ويكون التقدير: من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فهو مشرك. قول الشيخ رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. أولًا: علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد. وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد هو أنه امتداد للباب الذي مضى معنا، وهو باب تفسير التوحيد ومعنى لا إله إلا الله. ولعل الشيخ رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر ما ذكر من تعليق التمائم ونحوها، وأن هذا من الشرك، وتعليق التمائم إنما يكون لدفع الضر أو لرفعه، فناسب أن يذكر بعد ذلك باب من تبرك بشجر؛ لأن التبرك كذلك فيه معنى التعلق، ولكن تعلق القلب بهذه الأشياء لأجل جلب نفعها. فإذا الأبواب الأولى تعلق لأجل دفع الضر، وفي هذا الباب تعلق لأجل جلب الخير، ويشتركان في أن ذلك كله تعلق بغير الله جل وعلا، ويشتركان كذلك في أن الخير والشر كله بيد الله جل وعلا. فمن تعلق قلبه بغير الله جل وعلا في جلب نفع أو في دفع ضر، فقد أشرك بالله جل وعلا. وإذا علمنا هذا، ظهر لنا بإذن الله جل وعلا أن القول في التبرك كالقول في الباب الذي قبله، بمعنى أنه قد يكون ذلك التبرك شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر. فيكون شركًا أكبر إذا رجى ذلك الإنسان البركة من غير الله جل وعلا، واعتقد أن في غير الله جل وعلا أن غير الله جل وعلا له القدرة على البركة، وأن يبارك فيمن طلب منه البركة، كحال مشركين الأول. أو جعل تلك الأشياء أو اعتقد في تلك الأشياء التي تبرك بها، سواء كانت حجرًا أو شجرًا أو قبرًا أو ملكًا أو إنسانًا أو ما شابه ذلك، إن اعتقد فيها أنه يتبرك بها، وبتبركه بها تتوسط له عند الله جل وعلا، فهو يتقرب إليها يتقرب إليها لأجل أن تقربه إلى الله، رجاء البركة منها بوساطتها عند الله جل وعلا. وهذا كذلك من الشرك الأكبر. وأما إن تبرك بشيء من الأشياء، واعتقد فيها أنها سبب لنيل البركة من الله، تمسح مثلًا بشيء، وظن أن ذلك التمسح بذلك الشيء سبب من أسباب نيل البركة من الله، فهو يعتقد أن البركة من الله، ولكن اعتقد أن ذلك الفعل، أي التمسح بذلك الشيء وما شابه ذلك، أن هذا سببًا لنيل محبة الله جل وعلا ولنيل البركة من الله. فإن كان بهذا المعتقد، فإنه من قبيل الشرك الأصغر. وبعض الناس أو كثير من الناس، ولا سيما متأخرين، يقولون: نذهب إلى فلان السيد أو الشيخ فلان أو ما شابه ذلك، يسلمون عليه، وإذا سلموا عليه تمسحوا بعد أن يسلموا عليه. فالحكم فيهم كما تقدم: إن اعتقدوا فيه أن في يده البركة، وأن منه البركة، أي تحصل البركة منه استقلالًا، فهذا من قبيل الشرك الأكبر. وإن اعتقدوا أنه سبب من الأسباب التي بها تحل عليهم البركة من الله جل وعلا، فإنه من قبيل الشرك الأصغر. وقول الشيخ رحمه الله: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. التبرك مأخوذ من البركة، والبركة: الثبوت في اللغة، بمعنى الثبوت واللزوم والنماء والزيادة. وأما في الشرع، فعرفت بأنها: ثبوت الخير الإلهي ودوامه وكثرته. هذه هي البركة الحقيقية. وقوله: من تبرك. التبرك مصدر تبرك يتبرك، وهو طالب البركة. والتبرك بالشيء: طلب البركة بواسطته. وكما ترون أن البركة هي ثبوت الخير ولزومه ودوامه، والخير كله بيد الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات والأدلة الدال على أن الخير كله بيد الله جل وعلا. وإذا علم أن الخير كله بيد الله جل وعلا، فلا يطلب إلا منه جل وعلا. ومن طلب هذا الخير من غير الله جل وعلا، فقد وقع في الشرك. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن التبرك على قسمين: تبرك مشروع، وتبرك ممنوع. فأما التبرك المشروع، فهو كذلك على قسمين: تبرك ذاتي أو قل تبرك حسي، وآخر معنوي. فأما التبرك الحسي، فهو كما ذكر من ذكر من العلماء: هو كالتبرك بذات النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهو كذلك على قسمين: الأول ما جعله الله جل وعلا على يديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من المعجزات والدلائل الدالة على نبوته. وهذه كثيرة، وهذه من البركة التي جعلها الله جل وعلا في نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والقسم الثاني: ما كان خارجًا من أجزائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كشعره وعرقه ونحو ذلك. فهذه أيضًا قد دلت الأدلة على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يتبركون بذلك منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والنوع الثاني: وهو من التبرك المعنوي. وهو أشياء كثيرة، منها التبرك بالقرآن، فالله جل وعلا جعل هذا القرآن مباركًا، كتاب أنزلناه إليك مباركًا. فيتبرك بتلاوته وتدبره والعمل بمقتضاه والاستشفاء به وما شابه ذلك. وكذلك من الأشياء المعنوية التي كذلك فيها البركة، وهي مباركة بإذن الله جل وعلا: حلق العلم، فهي مباركة. وقد جاءت الأدلة الكثيرة المتكاثرة على ما يحصل في حلق العلم من الخير، من استغفار الملائكة ونزول السكينة وغشيان الرحمة وذكر الله جل وعلا لهم في الملأ الأعلى. ومن التبرك التبرك ببعض الأمكنة التي دلت الأدلة على أنها مباركة، كالمساجد الثلاثة. فمعلوم أن المساجد الثلاثة يزاد فيها الخير في العبادات في الصلاة، ما لا يزاد في غيرها. فالصلاة في المسجد الحرام كمئة صلاة في غيره، هذا من البركة. وأما التبرك الممنوع، فكما تقدم ذكره: أنه على قسمين: تبرك بحجر أو شجر أو قبر أو غير ذلك، معتقدًا أن ذلك المتبرك به بذاته يجلب البركة ويمنح البركة ويعطي البركة لمن طلبها منه، فهذا من الشرك الأكبر بالله جل وعلا. أو يجعلها واسطة بينه وبين الله جل وعلا، توجب على الله جل وعلا أن يعطي البركة لمن تبرك بها، كحال المشركين الأول. هذا كذلك من الشرك الأكبر. قال رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ الآيات. قال: هذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان أهل الجاهلية من أهل الحجاز. فاللات لأهل الطائف ومن حولهم من العرب، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال. قال ابن هشام: كانت اللات صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعهم يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. وعلى الثانية، أي على قراءة التشديد، قال ابن عباس: كان رجلا يلت السويق للحاج، فمات، فلما مات عكف على قبره. قال: أما العزى، فقال ابن جرير: كان صخرة عليها بناء وأستاف بنخلة بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها. قال: ومناسبة هذه الآية للترجمة: أن عبادة المشركين للعزة والصخرة ومناة إنما كان بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانًا تعبد من دون الله. وذلك من شدة ضلال أهل الشرك وفساد عقولهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فصارت عبادة القبور وعبادة الشجر والحجر هو شرك المشركين. قال رحمه الله تعالى: عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر. ولمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون. قال: لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه. والحديث كما ذكر رحمه الله: إسناده صحيح. قوله رحمه الله: عن أبي واقد، هو صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين، وله خمس وثمانون سنة. قوله: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشير إلى أهل مكة ممن إسلامه قريب إذ ذاك، أي ممن هم حدثاء عهد بإسلام. قوله: إلى حنين، هو اسم وادٍ بشرق مكة معروف، قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن. قوله: ونحن حدثاء عهد بكفر، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبًا إذ ذاك، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك المذكور في الحديث. قوله: ولمشركين سدرة يعكفون عندها، قال: عبادة لها، يعني انتبه لقوله: ولمشركين سدرة يعكفون عندها، قال: عبادة لها أو عبادة لها وتعظيمًا وتبركًا؛ لما كانوا يعتقدونه فيها من البركة. وهذا من الشرك الأكبر أو الأصغر، هذا من الأكبر؛ لماذا؟ لأنهم عكفوا عندها، والاعتكاف من العبادة، وصرفه لغير الله جل وعلا شرك. قوله: يقال لها ذات أنواط، هو برفع التاء كما لا يخفى، أي في قول: ذات أنواط، يقال لها ذات أنواط. قوله: ينوطون بها أسلحتهم، أي يعلقونها. قوله: فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم، أي كما لهم للمشركين ذات أنواط. ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لو جعل لهم ذلك لجاز اتخاذها؛ لحصول البركة لمن اعتقدها فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر"، تعظيم لله تعالى عن أن يجعل له شريكًا في عبادته التي حقه على عباده، كالتبرك بالأحجار والأشجار ونحوها. قال: لتركبن سنن من كان قبلكم، أي اليهود والنصارى. وقد وقع كما أخبر به صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة، فركبوا طريق من كان قبلهم ممن ذكرنا، كما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة. ففي الحديث دلالة أو دليل من أدلة نبوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وصدق رسالته؛ أنه أخبر عن شيء بأنه سيكون، فكان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على