الدرس في الجواب الكافي 23، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل تحذير الإمام ابن القيم من طائفتين ضالتين: المرجئة الذين يعتقدون أن الإيمان مجرد تصديق، والأخرى تغتر بمحبة الصالحين دون الالتزام بالطاعات. هؤلاء يقعون في الذنوب بحجة قوة إيمانهم أو محبتهم للصالحين.
يحذر هذا الفصل من الاغترار بالنسب والصلاح، مستشهدا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يؤكد أن العمل الصالح هو ما يرفع المرء. يروي قصة رجل اغتر بقول شيخه أنه سيتحمل عنه الصلاة.
يشرح هذا الفصل كيف يغتر بعض الناس برحمة الله، ويبين أن الشفاعة عند الله لها شروطها الخاصة، وليست مثل التوسط عند الملوك. يؤكد على أهمية فهم طبيعة رحمة الله وعذابه.
تم اختتام الفصل الحالي بالصلاة على النبي محمد وصحبه، ويتطلع إلى الفصل القادم. يشمل الختام تذكيراً بأهمية الاستمرار في الطاعات.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. ذكر رحمه الله تعالى صنفا من الناس ممن اتكل على سعة رحمة الله جل وعلا، وغلا في الإرجاء وتأخير العمل عن ما يسمى الإيمان. هؤلاء هم المرجئة، طائفة تجعل الإيمان مجرد التصديق، والأعمال لا دخل لها في الإيمان، ولا تزيد الإيمان ولا تنقصه. وهذا دفعهم إلى الوقوع في الذنوب والمعاصي بحجة أن الإيمان في قلوبهم قوي وثابت، فإذا فعلوا هذه الذنوب والمعاصي لا تضر. وهذا من الجهل بنصوص الكتاب والسنة، وهو من اتباع الهوى، وهو أخذ بعض النصوص، نصوص الوعد، وترك نصوص الوعيد. فهذا الذي جعلهم يقعون في ما وقعوا فيه من انتهاك محارم الله جل وعلا وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده. وهذا الصنف من الناس كذلك ممن يقع في الذنوب والمعاصي ويكثر من ذلك. يغتر بمحبته للفقراء، يقول: أنا أحب الفقراء وأحب المشايخ وأحب الصالحين، الأحياء والأموات، وأتردد على قبور الصالحين، آتي قبر هذا وآتي قبر هذا، وأتضرع إليهم، وأستشفع بهم، وأتوسل إلى الله بهم، وأسأل الله بحقهم عليه وحرمتهم عنده. وهكذا، ومعناه كأنه يقول لي: أن أفعل ما أشاء، لي أن أقع في الذنوب والمعاصي، ولي أن أترك الواجبات، ولي أن أفعل وأفعل، وكل هذا مغفور، وكل هذا غير محسوب علي. لماذا؟ لأنني أحب الصالحين، أحب الفقراء وأحب المشايخ. يكفي هذا، لأن هؤلاء الصالحين ما سيتركوني. هؤلاء الصالحون الذين أتردد على قبورهم وأسأل الله بحقهم وتوسل الله بحرمتهم عنده، يتركوني أدخل في النار، يتركون الله جل وعلا يعذبني؟ لا، حاشاهم. حاشا هؤلاء الصالحون أن يتخلوا عني وأن يتركوني أدخل النار وأعذب. هكذا سوّله الشيطان. فلذلك، من يغتر كثير من هؤلاء بهؤلاء، ويقول: أنا مع أهل الغدفة، أنا مع أهل الغدفة. أهل الغدفة يعني هؤلاء الدجالون الذين يضحكون على الناس، يستعبدون الناس. الناس تخدمهم، تخدمهم ليلا ونهارا وتتعب معهم. يقول: أنا، لا تصلي، لا تصلي، لا تصلي. صلاتك أنت، خدمتك لنا، لا تصلي ولا تفعل شيئا، كن خادما فقط، كن عبدا لنا، كن عبدا لنا. نحن لا تصلي ولا تفعل أي شيء. ليش تصلي؟ ليش تريد من الصلاة؟ تريد الجنة من الصلاة؟ نحن سندخلك معنا الجنة. عندها في الغدفة، الغدفة هذه التي تكون على الظهر، كأنه يعني معهم غطاء أو كساء كبير يدخلون فيه إن شاءوا. يدخل ما عليه تفتيش ولا شيء، يدخل الجنة ومن معه. نعم، الحقائب التي يدخل بها، الذي معه ومن معه، ما عليه تفتيش ولا عليه شيء. ما هو الوحدة يدخل الجنة، لا يدخل الجنة، ومن أحب يطرح في هذه الغدفة ومعها من الحقائب، كأنه في صالة مطار. ما هو سيدخل الجنة؟ الله المستعان. هكذا يضحكون على الناس مساكين. يقول: يا فلان، ما لك لا تصلي؟ يا فلان، أنا أخدم هؤلاء الصالحين، أخدم هؤلاء الأولياء، هؤلاء آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، هؤلاء من نسل علي، من نسل فاطمة. أنا أخدمهم، يدخلوني الجنة ويتركوني؟ وأنا عبد لهم وأخدمتهم في الدنيا، يدخلون وحدهم في الجنة؟ ما سيخدمهم في الجنة؟ أنا أخدمتهم في الدنيا أو سأخدمهم في الجنة؟ سبحان الله، دجل، دجل. الله المستعان. قد ذكر بعض العلم أنه لما زار بعض البلاد، وجد رجلا قد بلغ الثمانين، ثمانين سنة، يعيش هو وزوجته عجوز ومعهم كلب. هذا الشيخ الكبير بلغ ثمانين سنة ومعهم زوجته وكلب، والتلفاز عنده. دخل عندهم، سألهم: ما يصلون؟ قال: لا يصلون، ما يصلون. ما لك يا فلان لا تصلي؟ أنت رجل شيخ كبير بلغ ثمانين سنة ولا تصلي؟ قال: لا، ما علي صلاة، لا ما علي صلاة. ليش ما علي صلاة؟ قال: يتحمل عني الصلاة شيخ الطريقة. شيخ الطريقة يتحمل عني الصلاة، أنا ما علي صلاة. خلق. قال: هو جالس عند التلفاز، يأتي بأذكار مبتدعة، وهذا يكفي. بلغ ثمانين سنة، هذا يذكر بعض العلم. سبحان الله، وكم من الناس من أمثال هؤلاء مما يضحك عليهم؟ هؤلاء أنتم ما عليكم شيء، يكفي أنكم خدم لنا وخلاص، يكفي. والجنة من طريقنا. النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح مسلم رحمه الله، قال أبو فراس: كنت أبيت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو خادم، أبو فراس كعب بن ربيعة الأسلمي، خادم خدم الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان من أهل الصفة. قال: كنت أبيت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وآتيه بوضوئه وحاجته. فقال لي ذات يوم: سلني، سلني. أنه سلم يقول لأبي فراس: سلني. قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، أسألك مرافقتك في الجنة. قال: غير ذلك؟ قال: هو هذا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: خلاص، يكفي، ما دام أنك تخدمني، ما دام أنت خادم عندي وتخدم وتأتي بالوضوء وتأتي بحاجتي، يكفي هذا؟ قال: أعني على نفسك بكثرة السجود، أعني على نفسك بكثرة السجود. تريد مرافقتك في الجنة، فأنا أدعو الله جل وعلا لذلك، سأدعو الله جل وعلا لذلك. لكن أنت أعني على نفسك بكثرة السجود. بكثرة معنى عليك بأن تكثر من الأعمال الصالحة وتأخذ بالأسباب. هذا هو العلاج، وهذا هو الذي يوصل إلى هذا. إذا جاء شخص إلى طبيب وهو يعاني من مرض، فقال له الطبيب: إن شاء الله أنا سأعالجك، لكن أنت أعني على نفسك. أعني على نفسك كيف؟ يعين الطبيب على نفسه؟ يسمع نصائح، لا يفعل كذا ولا يفعل كذا، ولا يأكل كذا ولا يشرب كذا. هكذا النبي عليه الصلاة والسلام بيّن لأبي فراس رحمه الله رضي الله تعالى عنه. أين هؤلاء من هذا الحديث حين يقول الناس: يكفيكم خدمتكم لنا، خلاص، لا تصلوا ولا تفعلوا الطاعة؟ فسبحان الله. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا، فلا يدعوه أن يخلصوه كما يشاهد حضرة الملوك، فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفضع، خلصه أبوه وجده بجاه ومنزلته. هكذا صنف آخر من الناس يظن له المكانة عند الله جل وعلا، يعني يقول مثلا: أنا من آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا من أهل البيت. فما دام أني من أهل البيت، لي مكانة عند الله، فما دام لي المكانة عند الله، إذن لو فعلت ما فعلت، لو فعلت ما فعلت، تلك المكانة التي لي عند الله كوني من آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا سيخلصني مما وقعت فيه من المخالفات والتفريط. ولي المنزلة، وهذا حاصل من الناس من اغتر بنسبه وأنه من آل البيت، خلاص. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». العمل هو الذي يسرع بالعبد، لا النسب ولا الحسب. لعمرك ما الإنسان إلا بدينه، فلا تترك التقوى اتكالا على النسب. فقد رفع الإسلام مسلما فارسيا، وأبعد الشرك الشقية أبا لهب. الأمر ما هو بالنسب ولا هو بالحسب، لا الأمر بالعمل، الأمر بالعمل. أتقى الناس وأكرم الناس وخير الناس عند الله أتقاهم. هذا الذي له المنزلة عند الله، هذا الذي له المكان عند الله جل وعلا. المنزلة والمكان عند الله جل وعلا بالتقوى. «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ليست المنزلة بالنسب لا ولا بالحسب، وإنما بالأعمال. «وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفة إلا من آمن وعمل صالحا». هؤلاء، هذا الذي يقرب عند الله، هذا الذي بسببه تكون المنزلة العالية عند الله جل وعلا، لا الأموال ولا الأولاد ولا النسب ولا الحسب، وإنما الأعمال. فإذن، هؤلاء الذين اغتروا بنسبهم وبأسلافهم وبغير ذلك، كان هذا من أسباب وقوعهم في الذنوب والمعاصي والتقصير والتفريط والاتكال على هذا. وقاسوا هذا كحال الملوك الذين يخلصون من يخلصون من خواصهم. فقاسوا الخالق بالمخلوق، تعالى الله جل وعلا عن قولهم علوا كبيرا. فالله جل وعلا ليس هو كالملوك، ملوك الدنيا الذين يتوسط عندهم الناس لتخلص هذا من عقوبة، وهذا من عقوبة. وإنما الأمر بإذن الله سبحانه وتعالى. الشفاعة ولها شروط، بإذنه ورضاه سبحانه وتعالى. ليست كشفاعات الدنيا التي تحصل عند الملوك، يتنازلون عن حقوقهم. وإنما الشفاعة عند الله جل وعلا لإكرام المشفوع له وإكرام الشافع وبشروطها. فالخلل في فهم هذا الأمر جعل هؤلاء يجعلون الشفاعات الحاصلة من الملوك الذين يهيبون لخواصهم ما يهيبون، جعلوا ذلك أيضا عند الله جل وعلا. وجهلوا أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الشفاعة إنما هي بعد الإذن والرضا، وأيضا لابد فيها من الإخلاص وكذلك الصدق والتوحيد إلى آخر ذلك من شروط الشفاعة. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غني عن عذابه، وعذابه لا يزيد في ملكه شيئا، ورحمته له لا تنقص من ملكه شيئا. فيقول: أنا مضطر إلى رحمته، وهو أغنى الأغنياء. ولو أن فقيرا مسكينا مضطرا إلى شربة ماء عند من في داره شط نهر يجري، لما منعه منها. فالله أكرم وأوسع. فالمغفرة لا تنقصه شيئا، والعقوبة لا تزيد أو لا تزيد في ملكه شيئا. هذا صنف آخر من الناس يغتر، يقول: الله جل وعلا غني عن عذابه. أشيء استفيد الله جل وعلا من تعذيبه إياي؟ الله غني عن تعذيبه. وأيضا إذا عذبني، عذابه لي لا يزيد في ملكه جل وعلا شيئا. ولو رحمني لا يضره ذلك، فإذا رحمني فلا ينقص ذلك من ملكه شيئا. وأنا مضطر، إذن. هذه ثلاثة أمور: الله غني عن تعذيبي، وتعذيبه إياي لا يزيد في ملكه شيئا. ثانيا: إذا رحمني لا يضره ذلك ولا ينقص ذلك من ملكه شيئا. ثالثا: أنا مسكين، وهو أغنى الأغنياء، غني وأنا مسكين مضطر محتاج إليه جل وعلا. كمسكين مضطر إلى شربة ماء، مسكين جاء عند شخص عنده نهر عنده نهر في داره نهر يجري، وجاء مسكين ويحتاج إلى شربة ماء. يا فلان يا صاحب النهر، أريد شربة ماء. أيش سيقول له؟ ما عندي شربة ماء؟ هو عنده نهر. والمستعطي هذا هكذا يقول. الله إذا عذبني ما يزيد في ملكي شيئا. طيب إذا رحمني لا يضره ذلك شيئا ولا ينقص في ملكي شيئا. وأنا عسى ماذا أريد؟ ماذا أريد؟ ما أريد إلا مثل هذا الذي يريد شربة ماء عن صاحب نهر. بل الرب جل وعلا أغنى الأغنياء، عنده الأنهار وعنده ما أحتاج. وانظروا كيف يسول الشيطان لهؤلاء مثل هذه الأشياء. سبحان الله، وكل ذلك من الضلال الذي يأتي به الشيطان، ليقع الناس في الذنوب والمعاصي ويتهاونون. وبعد ذلك يتكفلون على مثل هذه الأشياء. وبهذا انتهى هذا الفصل، وإلى فصل آخر في الدرس اللاحق إن شاء الله. وعلى الله صلى وسلم مبارك على نبينا محمد وصحبه أجمعين.