منظومة السير إلى الله 7

الدرس في منظومة السير إلى الله 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

منزلة الذكر وأهميته في السير إلى الله

الذكر هو عمارة الأوقات ويزيل الهموم ويحصل الأفراح، وهو ضروري للقلب مثل الماء للسمك. يستشهد بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تحث على كثرة الذكر.

أثر ذكر الله على القلب والإنسان

ذكر الله تعالى يقوي الإنسان على طاعة الله ويذهب الهموم والغموم، وهو أعظم الغداء للقلب. النصوص القرآنية والنبوية تؤكد أهمية ذكر الله والثناء على الذاكرين.

فضل ذكر الله وآثاره الإيجابية

ذكر الله تعالى يزيل الهموم والمشاكل، وقد رتب الله عليه فضائل كثيرة، منها أن الله يذكر من يذكره، ويباهي به الملائكة، ويغرس له غراسا في الجنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، شيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال رحمه الله «وهم الذين أكثروا من ذكرهم في السر والإعلان والأحيان». قال رحمه الله «منزلة شريفة، حاجة كل إنسان إليها، بل ضرورته إليها فوق كل حاجة، فذكر الله هو عمارة الأوقات، وبه تزول الهموم والغموم والكدورات، وبه تحصل الأفراح والمسرات، وهو عمارة القلوب المغفرات، كما أنه غراس الجنات، وهو موصل لأعلى المقامات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى، ومن الفضائل ما لا يعد ولا ينقضي». قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرجل قال: «إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأوصني»، قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». وقال: «سبق المفردون»، قال: «وما المفردون؟»، قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». وقال: «ولي من أبيات: وكن ذاكرا لله في كل حالةٍ ... فليس لذكر الله وقت مقيدِ فذكر إله العرش سرا ومعلنا ... يزيل الشقا والهم عنك ويطردِ ويجلب الخيرات دينا وآجلا ... وإن يأتك الوسواس يوما يشردِ فقد أخبر المختار يوما لصحبه ... بأن كثير الذكر في السبق مفردِ وصى معاذا يستعين إلهه ... على ذكره والشكر بالحسن يعبدِ وأوصى لشخص قد أتى لنصيحةٍ ... وقد كان في حمل الشرائع يجهدِ بأن لم يزل رطبا لسانك هذه ... تعين على كل الأمور وتسعدِ وأخبر أن الذكر غرس لأهله ... بجنات عدن والمساكن تمهدِ وأخبر أن الله يذكر عبده ... ومعه على كل الأمور يسددِ وأخبر أن الذكر يبقى بجنبه ... وينقطع التكلف حين يخلدِ ولو لم يكن في ذكره غير أنه ... طريق إلى حب الإله ومرشدِ وينهى الفتى عن غيبة ونميمةٍ ... وعن كل قول للديانة مفسدِ لكان لنا حظ عظيما ورغبة ... بكثرة ذكر الله نعم الموحدِ ولكنا من جهرنا قل ذكرنا ... كما قل منا للإله التعبدِ وذكر الله نور للذاكر في ... قلبه وفي قوله وفي قبره ويوم حشره والله المستعان». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع منزلة عظيمة من المنازل التي يسير عليها السائرون إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة، وهي منزلة الذكر، هذه المنزلة العظيمة التي حاجة الإنسان إليها، بل ضرورته إليها، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش من غير ذكر الله جل وعلا، الحياة الطيبة، ولا يهنأ له طعام ولا شراب، ولا ينعم بلذة ولا سرور إلا بذكر الله سبحانه وتعالى. فبين رحمه الله تعالى أن السائرين إلى الله والدار الآخرة هم الذين أكثروا من ذكره جل وعلا في سرهم وإعلانهم وفي كل أحيانهم، فهم على دوام الذكر لله سبحانه وتعالى في الليل والنهار، والسر والجهار، والعشي والإبكار، والغدو والآصال، كما أثنى عليهم ربنا عز وجل في كتابه الكريم، وذلك لعظيم علمهم بالله جل وعلا، وعظيم حقه جل وعلا عليهم، فأكثروا من ذكره سبحانه وتعالى، فصارت ألسنتهم لا تفتر بذكر الله جل وعلا، وكانت أوقاتهم عامرة بذكر الله جل وعلا، ولحظاتهم عامرة بذكر الله سبحانه وتعالى، فهم على خير عظيم، وذلك توفيق الله جل وعلا لهم بأن وفقهم لذكره سبحانه وتعالى. قد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ السمك لا يستطيع أن يعيش إذا فارق الماء، وهكذا الذكر للقلب، فإن الذكر للقلب كالماء للسمك، إذا فارق الذكر القلب مات القلب وهلك القلب. ولذلك كان شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى يذكر الله جل وعلا بعد صلاة الفجر إلى انتصاف النهار، فإذا سئل عن ذلك يقول: «هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء سقطت قوتي». فأنت يا عبد الله تحتاج إلى قوة حين تصبح، تحتاج إلى قوة تستعين بها على طاعة الله جل وعلا وعلى تحصيل ما أردت، فذكر الله جل وعلا أعظم الغداء، إذا كنت تذكر تستمر عليه وتواظب عليه، فاعلم أن هذا كالزاد لك، وكالقوة التي تستعين بها على طاعة الله وعلى تحصيل ما من الله جل وعلا به عليك في هذه الدنيا. وهكذا كان الصحابة، كان لهم الأوراد، كان لهم الورد اليومي الصباح والمساء، وكان لهم قيام الليل، يواظبون على ذلك. فالإنسان يجعل لنفسه حظا يوميا، وردا يوميا من ذكر الله جل وعلا، يواظب عليه ويلازمه ويستمر عليه، ويفرغ نفسه لهذا الورد اليومي، لأنه من أعظم ما يقوي الإنسان، قوي قلبه، ويقوي بدنه على طاعة الله، ويذهب عنه الهموم والغموم والأحزان. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولذكر الله أكبر﴾. وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾. وقال جل وعلا: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾. وقال جل وعلا: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروني ولا تكفرون﴾. وأثنى على الذاكرين، قال سبحانه: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم، مثنيا عليهم: ﴿في بيوت أدنى الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. وأثنى الله جل وعلا على الذاكرين والذاكرات، قال سبحانه: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾. النصوص كثيرة في كتاب الله في الأمر بذكره سبحانه وتعالى والثناء على الذاكرين، وهكذا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قد ذكر هنا المؤلف رحمه الله تعالى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «سبق المفردون»، وهو حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وهكذا أشار إلى حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه عند الترمذي وغيره، حين قال رجل: «يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأدلني على عمل أتشبث به»، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان دائم الذكر لله جل وعلا، كما في حديث عائشة عند مسلم، قالت: «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يذكر الله على كل أحيانه». وكان عليه الصلاة والسلام ذاكرا لربه جل وعلا، بل كان يدعو النبي عليه الصلاة والسلام ربه بأن يجعل لسانه له ذاكرا وقلبه له شاكرا، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل لساني لك ذاكرا، وقلبي لك شاكرا». وهو مع دوامه ومع أنه دائم الذكر لله جل وعلا والشكر، ومع هذا كان يكثر من هذا الدعاء عليه الصلاة والسلام. وأوصى معاذًا رضي الله تعالى عنه ألا يدع دبر كل صلاة أن يقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وذكر الشارح رحمه الله تعالى أن ذكر الله عمارة الأوقات، وبه تزول الهموم والغموم والكدورات، وذلك لقوله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. فإذا اطمأنت القلوب زال عنها الهم وزال عنها الغم وزال عنها الكدر والضيق وغير ذلك بذكر الله سبحانه وتعالى. وذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جعل الهموم هما واحدا هما آخرته كفاه الله هموم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أودية هلك». كما هو عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فإذا أردت يا عبد الله السعادة والراحة والاطمئنان وذهاب الهموم والأحزان والكدور، فعليك بذكر الله، متى ما جاءك الضيق والهم، اسرع إلى سماع القرآن، أو بقراءة القرآن. أحيانا الإنسان يجد فتورا في قراءة القرآن، فالحمد لله الأمر ميسر، ورحمة الله واسعة، اسمع إلى القرآن إذا كان عندك فتور في القراءة، فالسماع ربما يكون أيسر عليك من القراءة. فذكر الله جل وعلا من أعظم ما يذهب هذه الهموم والغموم والأحزان والمشاكل والمصائب وغيرها. ولذلك أمر الله جل وعلا بذكره في كتابه العزيز، وأثنى على الذاكرين، ورتب لهم الفضائل الكثيرة. وهكذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت». فرق بين الحي والميت، الذي يذكر الله هذا الحي، والذي لا يذكر الله جل وعلا هذا ميت، لأن قلبه ميت، لم يعمره بذكر الله جل وعلا. قال: «كما أنه غراس الجنات». فذكر الله جل وعلا غراس الجنات، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ليلة أسري به لقي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال له: «اقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أكبر». فغراس الجنات هو ذكر الله جل وعلا. فأنت إذا ذكرت الله سبحانه وتعالى، فأنت تغرس كل ذكر تأتي به، فعلم أنك تغرس في الجنة لك هذا الغراس الذي ستراه يوم القيامة. ولذلك يتندم الإنسان على اللحظات التي مرت به ولم يذكر الله جل وعلا فيها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «ما جلس قوم مجلسا لا يذكرون الله جل وعلا فيه إلا كان عليه يوم القيامة حسرة». يتندمون. فخسار أن تمر اللحظات والأوقات بالمسلم في دار الغرس وهي الدنيا، وهو لم يستغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى، بذكر الله جل وعلا. وما أسهل الذكر على العباد، الذكر باللسان، تذكر الله بلسانك، تصرح به، تذكر الله بعينيك لو نظرت إلى السماء، ذكرت الله سبحانه وتعالى، وبلسانك، وهكذا، كل ذلك من ذكر الله جل وعلا. التفكر في مخلوقات الله كل ذلك من ذكر الله، فما أسهل الذكر على اللسان وعلى الجوارح. ومع هذا يا عبد الله، طائفة من الناس إلا الإعراض عن ذكر الله جل وعلا، والإقبال على سماع قرآن الشيطان، وذكر الشيطان، عياذا بالله، من اللهو والمعازف والغناء، فهو قرآن الشيطان، الغناء والمعازف، هذا قرآن الشيطان، نسوا الله، عياذا بالله، ولا يجتمع قرآن رب العالمين مع قرآن الشيطان، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان». لا يمكن أن يجتمع في قلب واحد حب ألحان الغناء وحب القرآن، فهذا يطرد هذا. فعلى العبد أن يعمر الأوقات بطاعة الله جل وعلا، وأن يغرس ما دام في دار الغرس والبذر، لذلك اليوم العظيم، حين يرى في جنة الله جل وعلا ما غرس في هذه الدنيا. ومن أفضل ذلك وأعظم ذلك ذكر الله جل وعلا. لو لم يكن في فضل ذكر الله جل وعلا إلا ذكر الله لك يا عبد الله يكفيك هذا، يكفي، لو لم يرد في فضل ذكر الله إلا أن الله جل وعلا يذكرك لكفى. فاذكروني أذكركم، كما قال النبي عليه السلام في الحديث القدسي الذي روي عن ربه جل وعلا، أنه جل وعلا يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». كما في الصحيحين. فإذا يكفيك يا عبد الله أنك إذا ذكرت الله ذكرك، ماذا تريد بعد هذا؟ يباهي الله جل وعلا الملائكة، فالملائكة يطوفون بحلق الذكر، يلتمسون حلق الذكر، كما جاء في الصحيحين، فإذا وجدوا حلقة يذكرون الله، جلسوا عندهم يحفونهم، وتنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، ويصعدون إلى الله جل وعلا، يسألهم عن عباده، يقولون: «أتيناهم وهم يصلون، وأتركناهم يصلون»، فيسألهم: «ماذا يريدون؟»، يسألونك الجنة، ويخافون عذاب النار، إلى آخر ذلك مما جاء في الحديث. فالله جل وعلا ذكر أنه يباهي ملائكته بهؤلاء أهل الذكر، فكفى بها مبخرة، وكفى بذلك شرفا لك يا عبد الله، أن يذكرك الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى، عند الملائكة، فلهو شرف عظيم. إذا كان العبد من الذاكرين لله جل وعلا، قالوا: «هم وصلوا لأعلى المقامات، وفيهم من الفوائد ما لا يحصى، ومن الفضائل ما لا يعد ولا ينقضي». صلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.