الدرس في منظومة السير إلى الله 6، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
منزلة المحبة هي أصل المنازل كلها وتعلق القلب بالمحبوب، وتجعل العبد يسعى في مراضي محبوبه ويبتعد عن المعاصي. المحبة الصادقة لله تجعل العبد يفعل ما يرضيه ولا يبالي بكلام الناس.
من أسباب نيل محبة الله الانكفاف عن كل قاطع، والإكثار من الذكر وتدبر القرآن، ومجالسة المحبين، واتباع النبي عليه الصلاة والسلام. هذه الأسباب تجعل العبد أقرب إلى الله وتزيد من محبته له.
الدرس ينتهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهي عادة دينية إسلامية شائعة في نهاية الخطب أو الدروس الدينية. الصلاة على النبي تعبر عن التقدير والاحترام له.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال رحمه الله: وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن. قال رحمه الله: هذه المنزلة، وهي منزلة المحبة، هي أصل المنازل كلها، ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة والأعمال النافعة والمنازل العالية. ومعنى المحبة تعلق القلب بالمحبوب، ولزوم الحب للقلب، فلا تنفك عنه. وهي تقضي من صاحبها الانكفاف عن ما يكره الحبيب، والمبادرة إلى ما يرضيه بقلب منشرح وصدر رحيب. فإن تكلم، تكلم لله، وإن سكت، سكت لله، وإن تحرك، فلله، وإن سكن، فله. ويحدث عن الحب الشوق إلى الله والقلق، فلا يكاد صاحبه يستقر. إن قيل: فهل للمحبة التي هي أعلى المراتب من وسيلة وسبب؟ قيل: لم يجعل الله مطلبا إلا جعل لحصوله سببا. فمن أكبر أسبابها الانكفاف عن كل قاطع بالقول والفعل والأفكار الردية، والإكثار من ذكر الله بحضور قلب، وتدبر كلامه الكريم، مطالعة نعمه العظيمة على العبد، وبالوقوف بين يديه بحضور قلب وأدب في الوقوف بين يديه، ومجالسة المحبين، ومجانبة كل قاطع. فمن فعل ذلك نال محبة الله إن شاء الله. والله المستعان. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من منظومته هذه المنزلة العظيمة، وهي منزلة المحبة، محبة الله جل وعلا، التي هي من أعظم نعم الله جل وعلا على العباد. فإن الله جل وعلا إذا أنعم على العبد بمحبته، وملأ قلبه بوده جل وعلا ومحبته، فإن هذا من الخير العظيم من الله جل وعلا العاجل في الدنيا قبل الآخرة. لأن العبد إذا أحب الله جل وعلا، فسيسعى في مراضيه، وإن سخط الناس؛ لأنه ينظر إلى من أحب، وهو الله جل وعلا. فلذلك لا يبالي إذا سخط الناس عليه، ما دام أنه في رضا المحبوب. تعلمون أن العبد إذا أحب شيئا، سعى لأجله، وجاهد لأجله، وعمل ما عمل، ولو قيل فيه ما قيل؛ لأنه يرى نفسه أنه يرضي محبوبه. فلا يلتفت يمينا ولا شمالا. قد يقال له: يقال فيك كذا، ويقال فيك كذا، ويقال فيك كذا، لا يبالي؛ لأنه يعلم أن محبوبه قد رضي عنه. فقدام أن المحبوب قد رضي عنه، فلا يلتفت إلى أحد. ولذلك يقول القائل: ليت ما بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب تراب فكل الذي فوق التراب تراب ليت ما بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب يعني: لا أبالي ما دام أنني قد أرضيتك أيها المحبوب، فلا أبالي بعد ذلك. انظروا من أحب المال في الدنيا، ماذا يفعل لأجله؟ هل يبالي بكلام أحد عليه؟ لا يبالي، لو يقال فيه ما يقال، ما دام أنه قد أرضى نفسه بجمع المال. بل ربما نسى الله، العافية والسلامة، ترك لأجل رضا المحبوب في جمع المال ما افترض الله جل وعلا عليه، عرض نفسه للمهالك لأجل المال. ربما يعرض نفسه للمهالك، ويضحي بنفسه، ويتقحم المصاعب، ولا يبالي؛ لأنه يريد المال. أحب المال، فلأجله يفعل ما يفعل من الأمور العظيمة. لأجله يقاتل، ولأجله يعادي، ولأجله يقاطع، ولو قاطع أقرب الناس إليه، ما يبالي. بعض الناس لما يقاطع والديه، أقرب الناس إليه، يقاطعهم؛ لأنه لأجل المال. أحب المال، فلحبه المال صار يفعل ما يفعل، ولا يبالي ولو قاطع أقرب الناس إليه لأجل المال، وعرض نفسه للهلاك. ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة انحسار الفرات عن جبل من ذهب، يعني: يظهر هذا الجبل في هذا النهر، وهو من ذهب. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه تكون عنده مقتلة عظيمة، تحدث عنده مقتلة عظيمة عند هذا الجبل، لا ينجو من المئة إلا واحد. فمن أحب المال لا يبالي، والذات أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجميع يذهبون لأجل ماذا؟ لأجل المال. وكل واحد يقول: لعلي أنا الواحد. يذهب مئات، وربما أكثر. الحديد النبي عليه الصلاة والسلام يحذر، ونهى عن الذهاب لهذا الموضع؛ لأنه سيحدث فيه قتال ومقتلة، وسيموت أكثر الناس، لا ينجو إلا واحد. يقول: تمام، أنا الواحد، لعلي أنا الواحد. وهذا يقول: أنا الواحد. وكل هذا لأنهم يريدون المال. وانظروا الناس اليوم الآن يتعرضون للمخاطر، يتعرضون للمخاطر لأجل المال. ربما يريد شيئا من المال، يأتي بعض الأماكن خطيرة، ربما عندها شيء من المتفجرات، ولا يبالي. مكان فيه متفجرات، ربما يتفجر. مكان خطير ما يقرب إليه، لكن هذا يريد شيئا، وهذا يريد شيئا، يعرض حياته للخطر. يعرض حياته للخطر محبة للمال. فحب الشيء يجعل الإنسان يفعل ما يفعل. فإذا أحب العبد ربه سبحانه وتعالى، فعليه ما يرضيه جل وعلا، ولا يبالي لما قيل فيه، ما دام أنه في رضا الرحمن. وكما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «من التمث رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. ومن التمث سخط الله برضا الناس، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». فلذلك يا عبد الله، اجعل محبتك لله، وفي الله. إذا تكلم، تكلم لله. وإذا تحرك، تحرك لله. أي: في رضا الله. كلامك في رضا الله، في رضا المحبوب. إذا أحببت الله، فاجعل كلامك في رضا المحبوب، وهو الله سبحانه وتعالى. وإذا تحرك، تتحرك في رضا المحبوب. أي: تحرك ليس في رضا المحبوب، فلا تتحرك، ولا خطوة واحدة؛ مدامة أنها ليست في رضا المحبوب جل وعلا، فلا تخطو، ولا تتحرك. وهكذا كلامك، وهكذا نظراتك، وهكذا سمعك. جوارحك كلها تتحرك في رضا المحبوب. فلا تفعل، ولا تقل شيئا، ولا تتحرك إلا في رضاء الرحمن المحبوب جل وعلا. فلذلك هنا ذكر هذا المنزل رحمه الله تعالى، وقال: «وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن». يعني: هذا من أعظم أوصاف السائرين إلى الله جل وعلا والدار الآخرة، السير الصحيح الذي فيه مرضات رب العالمين جل وعلا. هذه المنزلة أصل المنازل. قال رحمه الله تعالى: «ومنزلة المحبة هي أصل المنازل كلها». أصل المنازل محبة الله. فالعبد لولا محبة النوم لما نام، ولولا محبة أكل الخبز لما أكل الخبز، ولولا محبة المال لما جمع المال، ولولا محبة الذهاب إلى موضع كذا لما ذهب. فكل الأعمال تنشأ من هذا الأصل. ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة. تنشأ جميع الأعمال الصالحة حتى الأعمال العادية. كما ذكر ابن قيم رحمه الله تعالى في كتابه «روضة المحبين» رحمه الله تعالى، فقال رحمه الله: «فبالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسماوات، وعليها فطرة المخلوقات، ولها تحركت الأفلاك الدائرات». وقال رحمه الله تعالى كذلك: «إن كل شيء يدور على المحبة». كل شيء يدور على المحبة. فالمحبوب لأجلها يتحرك. ولولا أنها محبوب إلى الشخص لما تحرك إليها. قال: «ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة والأعمال النافعة والمنازل العالية». وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين» عن هذه المنزلة، منزلة المحبة، قال: «وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفان المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغداء الأرواح، وقرة العيون». وهذه دل على عظيم هذه المنزلة، منزلة المحبة لله جل وعلا. وعرف رحمه الله تعالى المحبة بأنها: تعلق القلب بالمحبوب. هذه المحبة، المحبة تعلق القلب بالمحبوب. المحبة شيء معنوي، المحبة شيء معنوي لا يشاهد. وإذاك لا يستطاع تعريف المحبة. ولا الغضب. إذا قلنا لشخص: عرف المحبة، إيش المحبة؟ أنت الآن في قلبك محبة، عرف هذه المحبة. ما يستطيع أن يعرفها. يقول: هي كذا وكذا؛ لأنه لا يشاهدها. هذه الأمور المعنوية حين تفسر، إنما تفسر بما يقرب بمعاني تقرب حقيقتها، وإلا فلا يستطاع تعريفها. كالغضب مثلا، إذا قيل لشخص: عرف غضبك. أنت الآن تغضب، وعرف الغضب كيف الغضب؟ هذا إيش هذا الغضب؟ ما استطاع أن يعرفه. وإنما يقول: هو الذي ينشأ عنه كذا وكذا. عدم الراحة، أو كذلك الاعتداء إذا غضبت اعتديت، احمر وجهي. كل هذه آثار كل هذه آثار للغضب، ليس هو الغضب نفسه. وكما بين هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حين ذكر بعض التعاريف بعض التعاريف في هذه الأمور المعنوية، قال: «هذه المعاني لا يستطاع أن يؤتى لها بتعريف. لكن بما يقرب معانيها». وهكذا المحبة، المحبة تفسر بما يقرب معناها وحقيقتها. وهي تعلق القلب بالمحبوب. يعني: المحبة تجد في قلبك تعلقا إلى ذلك الذي أحببت. هذه المحبة تعلق قلبي بالمحبوب. هذه محبتك تعلق قلبك بالمحبوب. هذا يقرب هذا المعنى، وإلا في الحقيقة فهذه لا يستطاع أن يؤتى لها بتعريف؛ لأنها من الأمور المعنوية. بخلاف إذا قلت لك: ما هو الجدار؟ الجدار معروف من كذا وكذا وكذا وكذا. وهكذا الأمور الأخرى المحسوسة التي تشاهد. فإذا عرفتها عرفتها بحظة مشاهدتها، بحقيقة مشاهدتها المرئية. قال: «ولزوم الحب للقلب كذلك معناها، فلا تنفك عنه». ثم ذكر رحمه الله تعالى مقتضى هذه المحبة؛ لأن كثيرا من الناس يدعي محبة الله، ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومحبة الدين، ومحبة الطاعات. الكل يقول: هذا، والكثير. لكن المحبة لها مقتضى، لها مقتضى، ولها برهان. تدعي على صدق صاحبها أنه فعلا محب لله، ولرسوله، ولدينه، وللطاعات، وللخير. فذكر رحمه الله تعالى من مقتضيات هذه المحبة، قال: «تقتضي من صاحبها الانكفاف عما يكره الحبيب». يعني: من أحب الله جل وعلا، مقتضى هذا أن ينكف عما يكره الحبيب جل وعلا. الله جل وعلا يكره المعاصي، يكره المعاصي. أنت تحب الله جل وعلا، الذي تحبه وهو الله جل وعلا، يكره المعاصي. إذن عليك أن تنكف عن المعاصي، تنكف عن المعاصي، وتبتعد عن المعاصي؛ لماذا؟ لأن الحبيب الذي أحببته جل وعلا يكره المعاصي. فكيف أنت تفعل المعاصي، وتقول: أنا أحب الله، أنا أحب الله، ثم تفعل المعاصي، والمعاصي يكرهها الله، محبوبك يكره هذا. كيف أنت تحبه وقد فعلت ما يكرهه؟ هذا لا يمكن. وذلك قال القائل رحمه الله تعالى: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ذاك لعمرك في القياس شنيع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع الآن الذين يحبون لأجل الدنيا، يسعون في مراضي المحبوبين. فإذا علم أن محبوبه ربما لا يحب البيض، ربما لم آكل البيض. ولما شرب نوعا من الشراب، لماذا لم تشربه هذا الشراب؟ قال: محبوبي لا يحبه. ولا أريد أن أرضيه حتى في هذا. بعض الأزواج ربما يتركون بعض الأشياء حبا لزوجاتهم. زوجته لا تحب هذا، وهو يحب هذا. يقول: ابن أجلك ما نريد ها تركنا. نعم، سبحان الله، هذا شيء مفطور عليه الخلق. نعم. فإذا أحب العبد ربه سبحانه وتعالى، فإنه يسعى في مراضيه. يسعى في مراضيه. فذكر مقتضيات المحبة: الانكفاف عما يكره الحبيب جل وعلا، والمبادرة إلى ما يرضيه بقلب منشرح، منشرح، وصدر الرحيم. تفعل الطاعات وأنت بصدر منشرح، ليس بتتاقل، وليس بغير ذلك؛ لأنك تفعل هذه الطاعات إرضاء للحبيب جل وعلا. فيكون كذلك كلامك، وهكذا تحركك. وذلك قال: «فإن تكلم، تكلم لله. وإن سكت، سكت لله. وإن تحرك، فلله. وإن سكن، فله». ويحدث عن الحب الشوق إلى الله والقلق، فلا يكاد صاحبه يستقر. ثم ذكر رحمه الله تعالى، قال: «إن قيل: فهل للمحبة التي يعلم راتبها من وسيلة وسبب؟». يعني: هل هناك أسباب توصل عبد إلى نيل محبة الله جل وعلا؟ فأجاب رحمه الله تعالى، قال: «لم يجعل الله مطلبا إلا جعل لحصوله سببا». وهذا من رحمة الله، رضا رب العالمين جل وعلا، هو أسباب توصل. من خلال تحقيقه محبة الله. كذلك السعادة، الجنة، الأرزاق، كل هذه الأمور لها أسباب. العبد يحرص على الأخذ بهذه الأسباب، ويعتمد على الله حتى يصل إلى ما يريد. فذكر من أعظم أسباب نيل محبة الله جل وعلا، كما تقدم: الانكفاف عن كل قاطع. تعالي: ابتعاد عن كل ما يكون سببا لقطعك، وعدم وصولك إلى نيل محبة رب العالمين جل وعلا. هناك القواطع كثيرة: النفس الأمارة بالسوء تدعوك إلى المعاصي، والشيطان الوسواس الخناس، وهكذا شياطين الجن، وشياطين الإنس، حب الشهوات. كل هذه قواطع تقطع عليك الطريق. تريد أن تقطع عليك الطريق. أنت تمشي إلى الله، تسير إلى الله، ولفعل ما يرضي الله. فتواجهك هذه القواطع. فعليك أن تبتعد عن هذه القواطع؛ لأنك إذا وقعت في الذنوب والمعاصي، كأنك قطعت الطريق التي توصلك إلى الله. كيف تريد أن تصل إلى المحبوب جل وعلا وأنت قد قطعت الطريق على نفسك بفعل الذنوب والمعاصي؟ فالانكفاف عن كل هذه القواطع بالأقوال والأفعال والأفكار الردية، كل الأقوال السيئة تركها، وكل أفعال الردية تركها. وهكذا الأفكار والمناهج. نعم، فاجعل أقوالك، واجعل منهجك، واجعل كذلك أعمالك في مرضات الله سبحانه وتعالى. والإكثار من الذكر، وتدبر القرآن، ومطالعة النعم، نعم رب العالمين جل وعلا عليك. وكذلك مجالسة المحبين الذين يعينونك على عمل ما يرضي المحبوب جل وعلا. ومن أعظم ما ينال به محبة الله سبحانه وتعالى: الاتباع، اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. كما قال جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله هو غفور رحيم﴾. هذه الآية تسمى بآية المحنة؛ لأن أقواما ادعوا محبة الله، فابتلاهم بهذا: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله». وهكذا محبة الصالحين، محبة أولياء الله، لا تعادي أولياء الله، لا تعادي أولياء الله، وتقول: أنا أحب الله. كيف تحب الله وأنت عاديت أولياءه؟ لا يمكن. أولياء الله. قال القائل رحمه الله تعالى في النونية: أتعادي أولياء الحبيب وتزعم حبا له ما ذاك في إمكاني أتعادي أولياء الحبيب، أي: أولياء الله جل وعلا. وتزعم حبا له، أي: تزعم أنك تحبه جل وعلا. ما ذاك في إمكاني، يعني: هذا غير ممكن، غير ممكن أن تكون محبا لله جل وعلا وأنت قد عاديت أولياء الله. الذين قال فيهم جل وعلا، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث قدسي، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». إذن أيضا من ما تنال به محبة الله: الإكثار من النوافل والطاعات. وهكذا الزهد في الدنيا، الزهد الشرعي. جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، حسنه بعض أهل العلم، كالألباني وغيره، قال: قال الرجل: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله. وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس». إذا زهدت في الدنيا أحبك الله. وإذا زهدت فيما أيدي الناس، لا تنظر إليهم، ولا تطلع إلى ما عندهم. كأنك تريد. فإذا شعروا أنك تريد ما عندهم، لا يحبون. تريد منهم أن يحبوك، لا تجعلهم يشعرون أنك تريد ما عندهم. تطلع إلى ما عندهم؛ لأنه إذا علموا أنك تريد شيئا من عندهم من مال أو كذا، هذا ينتبه له. حتى في أمر الدعوة، لا تشعر الناس بأن الدعوة بحاجة إلى ماله. وكذا لا، دين الله غني عن كل أحد، بحمد الله. نعم، من عنده شيء زهد الله خيرا، فلا يراك أحد تتطلع إلى ماله، وإلى ما عنده. لا، كن عفيفا يحبك الناس. والله، فلان ما شاء الله؛ لأنك ما تطلب منهم شيئا، ولا يرونك إذا لبسوا قميصا رأوك تنظر إليهم بنظر العجب، وكأنك تريد هذا. أو إذا ما عندهم ساعة، أو إلا شيء من هذه الأمور، أو السيارة. نظراتك تدعو إلى أنك لا تبه ما يحبونك، ولا يرضونك. هذا إنسان عينه طويلة، لا تجعل عينك طويلة. نعم، ازهد فيما عنده يحبك الناس. وإذا زهدت في الدنيا أحبك الله. وهكذا التواضع لأهل الإيمان، كما قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين جاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾. والأسباب كثيرة في نيل محبة الله. هذه بعضها. ضاق المقام بذكر الآخر. وبه نكتفي. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.