الدرس في الجواب الكافي 35، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل خطورة محقرات الذنوب وتأثيرها السلبي على الإنسان، ويحذر من الاستهانة بالذنوب الصغيرة التي قد تجتمع وتتحول إلى كبائر.
يشرح هذا الفصل المرور على الصراط يوم القيامة حسب أعمال الناس، ويحذر من الرياء في الأعمال الصالحة وعواقبه الوخيمة يوم القيامة.
يتناول هذا الفصل خطورة الرياء في الأعمال الصالحة وتحذير من أن تكون الأعمال للشهرة وليس لوجه الله، كما يحذر من العلم بدون عمل.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»: قال رحمه الله تعالى: وفي المسند أيضا من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه». وضرب لهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا، فأنضجوا ما قدفوا فيها. وهذا حديث قد صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم. وفي الحديث حذر النبي عليه الصلاة والسلام من محقرات الذنوب، يعني مما يحتقر من الذنوب، وأنها صغيرة، وأنها سهلة أو هينة. لا، لا تحتقر شيئا أبدا، ولا تقول: هذا الذنب صغير، وهذه السيئة يسيرة أو سهلة. لا، أنت عليك أن تعظم هذه الذنوب، تعظمها، تجعلها كبيرة، ولا تستهن بها. الكافر هو الذي يستهين بالذنوب، فالذنوب عنده مثل الذباب، ده وقع على أنفه، وقال: به هكذا. خلاف المؤمن، المؤمن يعظم الذنب، عنده الذنب مثل الجبل، مثل الجبل. فإذا عظمت هذه الذنوب ولم تحقر هذه الذنوب، كان هذا من أعظم العون لك على الابتعاد عن الذنوب. عظم الذنوب لأنك إن عصيت بكبيرة عصيت الله، وإن عصيت بصغيرة عصيت الله، فلا تحقر الذنوب. ورحم الله القائل حيث قال: «إن الجبال من الحصى»، إن الجبال من الحصى، الجبال حصيات، حصى مع حصى، وحصى مع حصى صارت جبالا. «خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى». وهكذا الذنوب، أنت إذا حقرت ذنبا، وحقرت الآخر، وتقول: هذا صغير، وهذا سهل، وهذا لا بأس، وهكذا، صارت الصغائر كبائر، فتفعل الصغائر وتصر عليها، تتحول إلى كبائر. فحذر النبي عليه الصلاة والسلام من محقرات الذنوب، يعني من الذنوب التي يحتقرها الناس، ويرونها سهلا وهينا، تحسبونه وهينا، وهو عند الله عظيم. وإذا حقر الإنسان ذنبا، حقر الآخر، فتجتمع، يجتمع ذنب مع ذنب، صغيرة مع صغيرة، حتى تصبح كبيرة، والعياذ بالله. ولذلك نبي عليه السلام ضرب مثلا لهذه المحقرات من الذنوب التي يحتقرها الناس، ويستهينون بها، وأنها تجتمع على الرجل حتى تهلكه، تجتمع هذه المحقرات التي حقرها، وصغرها، واستصغرها، تجتمع عليه حتى تهلكه، والعياذ بالله. ولذلك ضرب النبي عليه السلام بهذا مثلا بقوم نزلوا أرض فلاة، أرض خالية، صحراء، فحضر صنيع القوم، أرادوا أن يأكلوا، وينضجوا لهم طعاما، فماذا جمع، فماذا فعلوا؟ انطلق كل واحد، انطلق هذا، انطلق وجاء بعود، وهذا انطلق وجاء بعود، وآخر بعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، فأنضجوا ما قدفوا فيها. هكذا حصلت هذه النار باجتماع هذه الأعواد، عود مع عود، عود مع عود، فصارت أعوادا، صارت نارا من هذه الأعواد. وهكذا صغيرة مع صغيرة، وذنب هذا حقير، سهل مع آخر، مع آخر، مع آخر، صار نارا. والنار إنما هي من مستصغر الشرر، من مستصغر الشرر النار هذه. نعم، الآن لما تولى أنت الفرن، بماذا؟ ها، بهذه الولاعة، بهذه المسدثة الآن، الذي هو ما يخرج لشرارة، شرارة صغيرة تشتعل النار مع الغاز، اشتعلت النار. وهكذا إذا جيت عند بنزين، وجعلت الشرارة عنده، ولع، وهكذا. أنت إذا تفعل هذه، إذا فعلت هذه الصغيرة من هذه الشرارات، تتولد النار. ورحم الله القائل: «كل الحوادث مبدأها من النظر، ومستصغر ومعظم النار من مستصغر الشرر». وهكذا الكبائر من مستصغر الصغير، الكبائر من مستصغر الصغير. النساء لا يقع مباشرة في الكبيرة، نعم، وإنما في أول أمر يستهين، ويحقر هذه الذنوب، يقول: هينة وسهلة. لكن ماذا تصير بعد ذلك؟ تصير كبائر. فالكبائر من مستصغر الصغير، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر. فلا يحقر أحد الذنوب. ها، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لها مثلا، وهذا من رأفته عليه الصلاة والسلام، وشفقته، ورحمته بأمته، بلغ البلاغ المبين، بلغ بضرب الأمثال حتى تعقل. كم من مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة، يبين فيها ما أراد، كثيرة. مثلي ومثل الدنيا، كرجل استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها. مثل: «ليس الصالح حجس السوك، حامل مسك، ونافخ الكير». وهكذا مثلكم فيمن كان قبلكم، كمثل اليهود والنصارى. عمل اليهود إلى منتصف النهار، فأعطي قيراطا، إلى آخر الحديث. وعمل النصارى إلى العصر، أعطي قيراطا. عملتم إلى المغرب، أعطيتم قيراطين. أمثلة كثيرة، مثل المؤمن مثل النخلة. كل هذه الأمثال أراد أن يأخذ بها بنو آدم العبر، والانتفاع، لأن الكلام إذا قيل بمثل، كان له الوقع، وكان له الاعتبار، لأخذ بالعبرة. ولذلك إذا تأملتم كذلك كتاب الله جل وعلا، كم الأمثال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى؟ فهذا مثل محقرات الذنوب التي احتقرها الناس، واستصغروها، وفي حقها أمرها أنها تكون في الآخر كبائر. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يضرب الجسر على جهنم، فأكون أول من يجوز، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وعلى حافتيه كلاليب مثل شوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموسق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعيات بعلامة آثار السجود، حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم آثار السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم من ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل». وهذا الحديث في الصحيحين قد جاء مطولا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أحوال الناس حين يمرون على الصراط، فإنه يوم القيامة يضرب الجسر على جهنم، والجسر المراد به الصراط، يضرب على جهنم هذا الصراط، يجوزه الناس، ويمرون عليه كل بقدر عمله. فمنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يهرول، ومنهم من يحبو، ومنهم إلى آخر ذلك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. والأمر عظيم، والأمر عظيم. ولذلك كان من دعاء الأنبياء، وهم على حافة الصراط، على حافة الصراط يدعون بهذا الدعاء العظيم: «اللهم سلم، اللهم سلم، اللهم سلم، اللهم سلم». لماذا؟ لعظم الأمر، الأمر عظيم، لأنه إما أن تمر على الصراط إلى الجنة، وإما أن تقع في النار، والله المستعان. والناس بقدر أعمالهم، فمن الناس من يمر إلى الجنة مباشرة بسرعة، لماذا؟ لسرعته في الدنيا، لأنه من السابقين، كان من المسارعين في مرضات الله جل وعلا، فكان من المسارعين إلى جنات النعيم. فأنت بقدر عملك يا عبد الله، فإذا كنت مسارعا فهنيئا لك، سيسرع مرورك على الصراط إلى الجنة. وأما أن كنت بطيئا، وأن كنت مقصرا، مفرطا، فالجزاء من جنس العمل، فاحرص يا عبد الله على أن تكون من المسارعين إلى مرضات الله سبحانه وتعالى. والسابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعيم، هؤلاء الذين سبقوا، سبق المفردون، سبق المفردون. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا، والذاكرات». وبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه على حافتي هذا الصراط كلاليب مثل شوك السعدان، كلاليب الكلاب معروف، يخطف، ومثل شوك السعدان، شوك السعدان شوك معروف، وهو أفضل مرعى للإبل، أفضل مرعى للإبل، شوك السعدان. ولذلك يضرب بذلك المثل، يقال: مرعى ولا كمرعى السعدان، مرعى ولا كمرعى السعدان. فمرعى السعدان أفضل مرعى للإبل، ترد إليه الإبل، فترعاه، كما في مختار الصحاح. فهذه الكلاليب بين نبي عليه الصلاة والسلام أنها مثل شوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم. والناس يختلفون، منهم الموسق بعمله، ومنهم مخردل، يعني إنسان صاحب أعمال، فهذا ينجو، ينجو من الكلاليب، ومن هذه الخطاطيف، لا تمسه، يمر سليما، ويصل سليما إلى الجنة، لا مخدوش، ولا مكردس، ولا غير ذلك. وآخر مخردل، تصيبه هذه الخطاطيف، وهذه الكلاليب، لكنه ينجو، لكن ينجو بعد ماذا؟ بعد خدش من هذه الكلاليب. قال الشيخ الإسلام: وكذا الصراط يمد فوق جهنم، فمنهم الناج، وآخر يهلك، فمنهم الناج، نجا وسلم، وآخر يهلك، يقع، والعياذ بالله، في النار. وكما جاء عن البيهقي: «سلم منهم المكردس في النار، ومنهم من تمسهم هذه الكلاليب، ولكن ينجو، ومنهم من يسقط في النار، والعياذ بالله». ثم أخبرنا بسلم بعد ذلك، برحمة أرحم الراحمين، بذلك فرغ جل وعلا من القضاء بين العباد، فإنه سبحانه وتعالى يخرج من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، وهم أهل التوحيد، تحدث الشفاعات يوم القيامة، يشفع الملائكة، ويشفع الأنبياء، ويشفع الصالحون، ويشفع الأفراط، والقرآن، ويشفع، تحدث شفاعات عظيمة، هذه الشفاعات يخرج من النار من حصلت له إحدى هذه الشفاعات. ثم بعد انتهاء الشفاعات، تبقى رحمة أرحم الراحمين، تبقى رحمة أرحم الراحمين جل وعلا، كما أخبرنا بسلم. فإن الله جل وعلا يقول: «شفع الملائكة، شفع النبيون، شفع الصالحون، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين». فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وهم أهل التوحيد، عندهم التوحيد، فيخرجون من النار، فيأمر الله عز وجل الملائكة، فيخرجونهم، وهم عليهم علامة، وهي آثار السجود، آثار السجود، حرم الله جل وعلا على النار أن تأكلها، فيعرف هؤلاء أهل التوحيد بآثار السجود على جباههم، هم يحترقون في النار، وتأكل النار أجسادهم، لكن لا تأكل هذه الآثار، حرام على النار أن تأكل آثار السجود، يسمون بالجهنميين، كما جاء عن نبي عليه الصلاة والسلام. هؤلاء الذين يخرجون من النار، يسمون بالجهنميين، لأن جهنم قد أكلت أجسادهم، واحترقوا، صاروا فحما، لكن آثار السجود باقية، فيلقون في نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. هذه الحبوب التي إذا جاء السيل، فإنه ينبت على حافته هذا النبات. وهكذا هؤلاء إذا أخرجوا من النار، ألقوا في هذا النهر، في هذا الماء، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وهذا يورث الخوف من هذا الأمر، والاستعداد، الخوف الخوف النافع الذي يجعل العبد يستعد للمرور على هذا الصراط حتى ينجو، ولا نجاة إلا بالعمل الصالح. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عنه، أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى فيه يوم القيامة رجل الشهيد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت. قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال هو جري، فقد قيل. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». «ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم، وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». «ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمة، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب وتنفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». وفي لفظ: «فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». وهذا الحديث كذلك فيه وعيد شديد للمرائين الذين رأوا بأعمالهم ما أخلصوا فيها لله سبحانه وتعالى، وإنما عملوا الأعمال رياء، والعياذ بالله. هذا الذي يقال له: شجاع، وآخر الذي يقال له: قارئ أو عالم، وآخر الذي يقال له: منفق ومتصدق، عملوا هذه الأعمال لغير الله، رياء وسمعة. فالله سبحانه وتعالى يجعل هذا الوعيد الشديد في حقهم يوم القيامة، وهم أول من تسعر بهم نار جهنم يوم القيامة. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء تحذيرا لأمته من أن يقع في مثل ما وقع فيه أمثال هؤلاء. فالأول استشهد، قاتل فاستشهد، لكن رياء، والعياذ بالله. الله جل وعلا يعرفه نعمه يوم القيامة، حتى إذا عرفها، سأله عما عمل شكرا لله جل وعلا على ما أنعم عليه، فيذكر قتاله، ويخبر أنه كان في سبيل الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلي يقول له: كذبت، ويبين له أن قتاله إنما كان لأجل يقال له جري، يسحب على وجهه في النار. وهكذا الآخر قارئ القرآن، وهكذا الثالث الذي تصدق لأجل أن يقال له جواد. قد حصلوا ما أرادوا، حصلوا ما أرادوا. هذا قاتل لأجل أن يقال له شجاع، حصل، قيل له: قيل له شجاع، أنه أراد هذا، حصله. كلهم يقول: فلان شجاع، فلان فلان مجاهد، فلان فلان هو يريد هذا أصلا، حصل هذا، هذا الذي لأجله عمل العمل، حصله. وهكذا الثاني حفظ القرآن، وقرأ القرآن لأجل يقال له قارئ، القارئ الفلاني، وإلى آخر ذلك، حصل ما أراد في الدنيا. وهكذا الثالث المتصدق، تصدق ليقال له جواد، وحصل ذلك. من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، نوفي إليهم أعمالهم فيها، وهم فيها لا يبخسون، ولا يكلفون، ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون. هم أرادوا الدنيا وزينتها، فوفاهم الله جل وعلا ما أرادوا. معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين سمع هذا الحديث، غشي عليه، غشي عليه، ثم أفاق، ثم حدث بهذا الحديث، حدثوه بهذا الحديث عن نبيه صلى الله عليه وسلم، أول من سعر به من نار، ومن قيام، فغشي عليه مرة ثانية، ثم أفاق، ثم حدثوه بهذا الحديث، وغشي المرة الثالثة، ثلاث مرات يغشى عليه، لماذا؟ لعظم الوعيد المذكور في هذا الحديث. قارئ، وهذا مجاهد، وهذا وهؤلاء هم أول من سعر به من نار، ومن قيامه، ما تحمل، كان يغشى عليه. فلما فاق في المرة الثالثة، قال: «صدق الله، من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم فيها أعمالهم، وهم فيها لا يبخسون، ولا يكلفون، ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون». إذا نحذر يا قارئ القرآن، واحذر يا من تجاهد، اجعل جهادك لإعلاء كلمة الله في سبيل الله، والجهاد الشرعي. واحذر يا أيها المتصدق، يا أيها المنفق، من أن يكون إنفاقك رياء، والعياذ بالله، أو لأجل يقال: فلان تبرع بكذا وكذا من الملايين، وفلان التاجر تبرع بكذا وكذا من الملايين. إذا لم يذكر ما يتبرع، ربما يجعل شرطا: إذا أردتم الصدقة مني، لابد أن تعلنوا اسمي في الجرائد، وفي وسائل الإعلام، وفي كذا، وفي كذا، وفي كذا. فيبذل لماذا؟ إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات. إذا كان يريد تشجيع الآخرين، إنما الأعمال بالنيات. إذا أراد أن يعلن اسمه في الجرائد، وأن يعلن اسمه في وسائل الإعلام، لأجل أن يتشجع التاجر الآخر، فيعلم أن التاجر الفلاني تصدق وتبرع بكذا وكذا، فينافسه، إذا كانت هذه النية، إنما الأعمال بالنيات. لكن إذا أراد السمعة، وإذا أراد الفخر، يقول: والله فلان ما حدث، الفلان ما شاء الله عليه، أكثر الناس إنفاقا، وكذا وكذا. فإنما الأعمال بالنيات. والإنسان يحذر، الأصل في الصدقات السر، الأصل في الصدقات السر، إلا في مواضع يسيرة يجهر بها، يجهر بها للحاجة، تشجيعا للآخرين، ترغيبا لهم، كما في حديث جرير بن عبدالله البجلي في الصحيحين، حين قدم وفد مضر، وعليه من الفاقة والحاجة، فنبذ السلام، شجع الصحابة، وأمرهم أن يظهروا هذه الصدقات، فجاء رجل بدرهم، وآخر بكذا، وآخر بكذا، وآخر بسقة من ذهب، يعجز عن حملها، حتى اجتمع كالكوم عند النبي عليه الصلاة والسلام، فاستبشر النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ظهرت أباريق أسارير وجهه عليه الصلاة والسلام، برق أسارير وجهه من الفرح. أخذ العلم من هذا أن الصدقات إذا كان يظهرها، فيه الترغيب للصدقة، وغير ذلك، فنعم. فالأصل السر: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». هذا هو السر. لكن في بعض الأحيان يحتاج لتشجيع المتكاسلين الذين ينامون على الفلوس، ولا يريدون أن يخرجوها، جعلوها وسائد تحت رؤوسهم، ينامون عليها، شح نفوسهم، وشح، يحتاجون إلى من يشجعهم، يقول: لماذا أنا؟ فلان فلان ما تصدق، يقول: فلان بفلان تصدق بكذا، وروح يسأله. بل هذا إعلان لأجل أنت يا أيها النائم على الوسادة، تخرج ما في هذه الوسادة التي أنت تنام عليها لإخوانك المسلمين، ينتفعون بها، وجعل لك وسادة من الخشب، نعم، من نشر الخشب، وغير ذلك، من القطن، وغير ذلك. ما هو الفلوس تلسع الناس، بحاجة إليها، فقراء ومرضى، إيش تستفيد منها أنت؟ تنام عليها، نم على غير ذلك من الريش، وما يحل الله. فالله الله يهدي تجارا في إخوانكم مسلمين، تقوا الله في هذه الأموال، وتصدقوا، واجعلوها خالصا لوجه الله، لا لأجل أن يقال لكم كذا وكذا، أو شهرة، أو ليباهي بعضهم بعضا. يستقل كثير من الناس كذلك الصدقات في ترويج البضائع، ترويج بضاعته، وترويج شركته. إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات. هذا الحديث يجب أن يكتب التجار، يكتبوه أمامه، ليتذكروه دائما، حتى يخلصوا ما هم. التجار فقط، كل المسلمين، لكن الآن لأن الكلام في التجار، لأن من تسعر به هذا التاجر الذي يتصدق، ولكن لغير وجه الله. وما عندنا تحامل عليهم، وإنما الدين النصيحة، الله المستعان. قال رحمه الله تعالى: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشر الناس من تشبه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم. فخير الناس بعدهم العلماء، والشهداء، والصديقون، والمخلصون، وشر الناس من تشبه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم. هذا المتشبع لما لم يعط، المتشبع بالمال لم يعط، وعيده أشد، وعيده أشد. إنسان فقير، مثلا، فقير، ما عنده شيء، مسكين، لكن تشبع بأنه تاجر، ويظهر الكبر، وكذا، وأنه صاحب مال، وعنده مسكين، هذا وعيده أشد من الفقير الآخر، أشد من غيره ممن ليس كذلك على هذا الوصف. أو أشد من التاجر؟ نعم، أشد من التاجر الذي يتكبر. الفقير المتكبر، وعيده أشد من التاجر المتكبر. الكبر كبير من كبائر الذنوب، لكن تاجر متكبر، هذا بسبب المال الذي عنده، أطغاه. لكن أنت يا مسكين، إيش عندك؟ أنت يا فقير، لماذا تتكبر؟ عائل مستكبر، شد الناس، عذاب أشد من التاجر المتكبر، لأنك فقير. وعندنا مثل، ويقول لهم: فقر، فقر وإيش؟ وتنخذ، ينخذ. ويقول لهم: يقول فقر وتنخذ، فقر وتنخذ، أو فقر وتنخذ. ما شاء الله معاها العود هذا ينخذ، كأنها دائما يأكل اللحم، وهكذا يأخذ ذلك. عائل مستكبر، فانتبه، الحذر الحذر. فهذا الذي أراد أن يتشبه بهؤلاء، وليس منهم، هكذا. هذا الذي أراد أن يتشبه بالشهداء، وليس منهم، وإنما جاهد لأجل رياء، ليس من الشهداء، أراد أن يتشبه بهم. وهكذا هذا القارئ، أراد أن يتشبه بالعلماء، وبالصالحين، وليس منهم، وإنما يقرأ القرآن، وتعلم القرآن رياء. وهكذا الجواد التاجر الذي أراد أن يتشبه بالمتصدقين الصدقين، وليس منهم. فهذا وعيدهم الشديد، لما خالفت أعمالهم أقوالهم، فكان هذا الوعيد الشديد. عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن، وإن كان في هذا الكلام تفصيل، وليس على إطلاقه، ولكن يذكرونه بهذا المعنى الذي جاء في حديث أبي هريرة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم وبرك على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.