كتاب الحج 19

الدرس في كتاب الحج 19، ألقاها

أحكام الإحرام والمتمتع

يستحب للمتمتع التقصير عند قرب الحج، ويجوز له الحلق أو التقصير. جمهور العلماء يرى أن التقصير أو الحلق واجب للحاج والمعتمر.

تحلل المحرم من إحرامه

القول في حكم الحلق أو التقصير في الحج والعمرة، وبيان أقوال الفقهاء في ذلك وتحلل المحرم من إحرامه بعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير.

ترتيب أعمال الحج

يتناول ترتيب أعمال الحج بعد الإحرام، حيث يشرح الترتيب بين الرمي والنحر والحلق والطواف، ويبين آراء الفقهاء في وجوب الترتيب ودم التكفير في حالة عدم الالتزام به.

الختام والاستغفار

يلخص الأحكام السابقة ويؤكد عدم وجود إثم على من قدم شيئا على آخر في الأمور المذكورة، ويختم بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فتتمة لمسائل الحلق والتقصير، نذكر كذلك بعض المسائل المتعلقة بها، ثم بعض المسائل الأخرى. من هذه المسائل أن العلماء رحمهم الله تعالى قالوا، أو ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يستحب للمتمتع التقصير، ولا سيما مع قرب الحج، ليكون الحلق للحج. أي: من كان متمتعا، أن يكون يستحب له أن يقصر، وأن لا يحلق، ولا سيما إذا قرب زمن الحج، ويؤجل الحلق إلى يوم النحر، هذا هو الأفضل في حق المتمتع. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: قال أحمد في رواية أبي داود: «ويعجبني إذا دخل متمتعا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج». قال ابن قدامة: ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلا بالتقصير، فقال في حديث جابر: «حلوا من إحرامكم بطواف بين الصفا والمروة وقصروا». وفي صفة حجه صلى الله عليه وسلم، أي: في حديث جابر، قال: «فحل الناس كلهم وقصروا». وفي حديث ابن عمر: أنه قال: «من لم يكن معه الهدي فليطُف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل». فهذا فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتقصير، وإن حلق جاز ذلك؛ لأنه أحد النسكين. وجاء في حديث ابن عمر في قصة حجة الوداع، قال: حينما أمرهم بالتقصير، قال: «فمنا من حلق ومنا من قصر». فهذا يدل على أن الأمر جائز، إن قصر جاز، وإن حلق جاز. والأفضل للمتمتع أن يقصر، وأن لا يحلق إلا في الحج، ولا سيما مع القرب. أما إذا كانت هناك مسافة كبيرة، كان يدخل مثلا في شوال أو في بداية ذي القعدة، فالأمر في هذا واسع. وكما سمعتم، الأمر أمر أفضلية لا وجوب. مسألة أخرى: حكم الحلق أو التقصير للحاج أو المعتمر. ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه نسك وهو واجب، فمن تركه فعليه دم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس بنسك، بل هو إطلاق من محظور. ومعنى هذا أن المحرم بعد أن كان محرما، وحرم عليه أشياء لم تكن قد حرمت عليه قبل ذلك، قالوا: فإن قصر شعره، فهذا إطلاق من ذلك الإحرام. أي: جاز له الحل بعد ذلك. قالوا: كما قيل في السلام من الصلاة، فبعضهم ذهب إلى أن السلام من الصلاة هو كذلك إطلاق محظور، كما هو قول أبي حنيفة في هذه المسألة. قالوا: فيكفيه أن يخرج من الصلاة بأي شيء، بكلام أو بسلام، أو حتى بفساء أو ضراط، المهم أن يخرج من الصلاة بشيء؛ لأنه به يكون خرج عما كان حرما عليه قبل الصلاة. وهكذا قالوا في الحج: فالتقصير يكون كالسلام في الصلاة. وهذا القول روي عن الشافعي رحمه الله تعالى، ووصفه النووي بأنه ضعيف شاذ. وكذلك روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية، ووصف شيخ الإسلام من رواها على الإمام أحمد بأنه قد غلط عليه. القول الثالث: أن الحلق أو التقصير ركن من أركان الحج والعمرة. وهذا هو المشهور في مذهب الشافعي. وهذا قول الشافعي والمشهور في مذهبه، بل حكاه النووي رحمه الله تعالى عن أكثر أهل العلم. والقول الأول أصح؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وفعله يدل على أنه من النسك، مع قوله: «لتأخذوا عني مناسككم». فهذا من النسك المأمور به، فهو واجب. وأما القول الثاني والثالث، فلا دليل لهما. فلا دليل لهما على أنه ليس بواجب، كما أنه ليس لهما دليل على أنه ركن. بل أعدى الأقوال: بأنه واجب وليس بركن؛ لما تقدم. مسألة أخرى في هذا الباب: قالوا: إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة، ثم حلق، حل له كل ما كان محظورا بالإحرام إلا النساء. وهذا ما يسميه الفقهاء بالتحلل الأول؛ لأن التحلل في الحج تحللان: أول ويحل فيه كل شيء إلا النساء، وتحلل ثاني يتحلل المحرم من كل شيء كان حرمه عليه بالإحرام حتى النساء. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: فيبقى ما كان محرما عليه من النساء: من الوطء والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سوى ذلك. فكل ما تعلق بالنساء فإنه يحرم عليه، سواء كان الوطء أو التحرم في مقدمات النكاح. وهذا ذهب إليه جماعة من أهل العلم. من الصحابة: عائشة رضي الله عنها وابن الزبير رضي الله عنه. ومن التابعين: علقمة وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاوس والنخعي وآخرون. وذهب إليه كذلك من الأئمة: الشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي. ذهب هؤلاء إلى ما تقدم من أن المحرم يحل له كل شيء إلا النساء. ورواية أخرى عن ابن عباس وعن أحمد: أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يحل له كل شيء إلا النساء والطيب». وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء، فأشبه القبلة. والصحيح هو القول الأول؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». وهو حديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بمجموع شواهده. مسألة أخرى: هل يحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة فقط، أم لا بد من الحلق أو التقصير؟ هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط التقصير مع الرمي، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد. واستدلوا بحديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد وغيره: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني بغير لفظ «حلقتم». وعن أحمد رواية أخرى: أنه إذا رمى الجمرة فقد حل. وإذا وطئ بعد جمرة العقبة فعليه دم، ولم يذكر الحلق. قال ابن قدامة: وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق. قال: وهو قول عطاء ومالك وأبي ثور. قال: وهو الصحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». قال بعض أصحابنا: هذا الخلاف ينبني على الخلاف في الحلق: هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: نسك، حصل الحل به، وإلا فلا. وهذا الأخير له وجاهة إن لم يثبت حديث ابن عباس. وأما مع ثبوت حديث ابن عباس، فيدل على أن الإنسان بمجرد الرمي يحل. لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: أنه كذلك بالرمي يحل، فينقطع عن التلبية. فانقطاع التلبية يدل على أنه قد حل من إحرامه التحلل الأول. مسألة أخرى: إذا رمى ونحر وحلق وأفاض إلى مكة، فطاف طواف الزيارة -وهو طواف الإفاضة- فهل يبقى في مكة؟ الجواب: أنه يرجع إلى منى للمبيت بمنى. قالوا: فإذا طاف طواف الإفاضة، حل له كل شيء حرم عليه قبل ذلك، حتى النساء. هذا إذا كان قد سعى قبل ذلك، إن كان قارنا أو مفردا. وأما المتمتع، فلا يحل حتى يسعى بعد طواف الإفاضة. والسعي من أركان الحج كما تقدم معنا. مسألة أخرى: الترتيب بين الرمي والنحر والحلق والطواف. هذه الأشياء كما سمعتم من الترتيب فيها مستحب مسنون. فإن قدم شيئا أو أخر، فلا شيء عليه. وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وبه قال طائفة من السلف. وذهب سعيد بن جبير وقتادة والحسن وأصحاب الرأي إلى أن عليه دم إن قدم شيئا على شيء. وهذا ينبني على أن الترتيب عند هؤلاء واجب. وحكي هذا القول عن ابن عباس، ولكنه لا يثبت. قال القرطبي: لم يثبت عنه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: أجمعوا على الإجزاء، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. أي: أن الكل متفقون على أن من قدم شيئا على شيء أن حجه صحيح، ولكن اختلفوا في وجوب الدم عليه أم لا. والصحيح الأول: أنه لا يلزم بدم. أي: لا شيء عليه من قدم شيئا على شيء. ولولا أن الأحاديث قد ثبتت في هذا، لقلنا بوجوب الترتيب أخذا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم». ولكن قد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح ولا حرج». فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج». قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». وكذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس: قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج». قال بعضهم: ذهب بعضهم إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حرج» يعني في قول السائل: «ما شعرت». قال: هذا يحمل على الجاهل أو الناسي. فمن كان جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه، ومن كان متعمدا فإن عليه دم. ورد هذا القول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «لا حرج» فقط، ولكن قال: «افعل ولا حرج». فقوله صلى الله عليه وسلم: «افعل» يدل على المستقبل. لو قال: «لا حرج» معنى ذلك على ما مضى، لكن قوله: «افعل ولا حرج» يدل على أن هذا جائز. فالحاصل: أنه كما سمعتم، أن من قدم شيئا على شيء من هذه الأمور فإنه لا شيء عليه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على