كتاب الحج 3

الدرس في كتاب الحج 3، ألقاها

حكم حج الصبي والعبد ونيابة الولي

يصح حج الصبي والعبد ولا يجزئ عن حجة الإسلام، ويجب عليهما الحج بعد البلوغ أو العتق. كما يجوز للولي أن يحج عن الصبي ويُنِيب عنه في بعض مناسك الحج.

أحكام الحج والصبيان وآراء العلماء

يشرح المقطع كيفية أداء مناسك الحج عن الصبيان، مثل الرمي والطواف، ويبين آراء العلماء في هذه المسائل. يُوضح آراء ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن عثيمين في أحكام الحج والصبيان.

شروط الحج للمرأة ووجود المحرم وآراء الفقهاء

تناول المقطع شروط الحج للمرأة، واشتراط وجود المحرم، واختلاف العلماء في ذلك. ذهب بعضهم إلى اشتراط المحرم للوجوب، بينما رأى آخرون أنه ليس شرطا، واستدلالهم بالأحاديث النبوية.

تعريف المحرم وأحكامه وتفاصيله

المحرم هو الرجل الذي يحرم على المرأة السفر بدونه، ويشمل الأب والإبن والأخ وغيرهم بنسب أو رضاع أو نكاح. يُفرق بين التحريم التأبيدي والمؤقت، فمن يحل له الزواج منها في حال معينة لا يُعد محرمًا لها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فقد تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على شروط الحج، وكذلك تكلمنا على مسألة الصبي إذا حج، هل يصح حجه؟ وهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ وذكرنا فيما مضى أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن حج الصبي يصح، وكذلك ذكرنا أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام. وتقدم أيضا معنا أن هذا القول هو قول الأكثرين من أهل العلم، وبعضهم حكاه إجماعا. والحاصل أنهم استدلوا كما مر معنا في الدرس الماضي بما جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا، ورجح بعض الحفاظ فيه الوقف، ورجح بعضهم فيه الرفع، أنه قال: «أيما غلام حج به أهله ثم بلغ، فعليه حجة أخرى». أي يلزمه حجة أخرى. وقد ذكرنا أن الأصح من أقوال أهل العلم أن هذا القول موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما. لكن كما مر معنا في درس أمس أنه جاء في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: «احفظوا عني، ولا تقولوا قال ابن عباس»، فقال الشوكاني رحمه الله تعالى في دلالة على أنه له حكم الرفع أو على أنه مرفوع، قال: «وهو الظاهر في الرفع». طيب نضيف إلى ما تقدم أنه كذلك روى محمد بن كعب القرظي، روى محمد بن كعب القرظي، وهو من التابعين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين، أيما صبي حج به أهله أجزأت عنهم، فإن أدرك فعليه الحج». وإنما قال: «وأيما مملوك حج به أهله ثم مات أجزأ عنهم، وإن أعتق فعليه الحج». هذا أيضا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وكذلك سعيد بن منصور، وكذلك رواه أبو داود في مراسيله، واحتج به الإمام أحمد مع أنه مرسل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة اتفاقا». والمرسل ها هنا كما ترون عمل به الصحابة، عمل به ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فشيخ الإسلام يقول رحمه الله تعالى: «حجة اتفاقا»، ثم قال: «وهذا مجمع عليه». أي أن الصبي إذا بلغ فإن عليه حجة أخرى بعد بلوغه، وإن مات قبل البلوغ فإن تلك الحجة تجزئهم. وكذا القول في العبد؛ لأن مسألة العبد والصبي بابهما واحد كما ترون. أثر ابن عباس في الصبي، وكذلك في العبد، وحديث محمد بن كعب القرظي كذلك في الصغير وفي العبد، وكذلك الإجماع الذي نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك في الصبي وكذلك في العبد. فكما ترون أن هذه المسألة مجمع عليها، ولا يعرف فيها خلاف لا في الصبي ولا في العبد. فالعبد إذا أعتق وقد حج قبل أن يعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى هي حجة الإسلام. وكذا الصبي إذا بلغ عليه أن يحج حجة الإسلام بعد بلوغه، وإن كان قد حج قبل ذلك. ذكرنا في الدرس الماضي هيئة أو أن المرأة يصح أن تكون ماذا؟ أن تحج بولدها، واستدللنا بذلك أو على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة: «نعم، ولك أجر». فقوله: «ولك أجر» يدل على أنها هي التي حجت بولدها. ثم بحمد الله جل وعلا رأينا الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى يستدل بهذا الدليل. طيب وأيضا قال ابن قدامة رحمه الله: «إن الصبي يصح حجه، فإن كان مميزا فإن أحرم بإذن وليه، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه». فيصير محرما بذلك. وبه قال مالك والشافعي، وروي عن عطاء والنخعي. قال الإمام الصنعاني رحمه الله: «وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه: جعلته محرما». أي محرما بأحد الأنساك، سواء كان التمتع والقران أو الإفراد. أي النسق الذي أراد الولي أن يتلبس به ذلك الصبي. ها هنا مسألة، وهي: ما أمكن الصبي فعله بنفسه لزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه فيه، كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ونحوهما. وما عجز عنه عمله الولي عنه. هذه المسألة جماعة أم لا؟ هل معناه أن يجعل الصبي في بيت من بيوت مكة ويقول ولي: «أنا سأنوبه في كل شيء، سأقف عنه في عرفة، سأبيت عنه في مزدلفة، سأفعل...» إلى غير ذلك؟ أم أنه يؤتى بالصبي إلى تلك الأماكن وتلك المواقع، فيقف في عرفة، وكذلك يبيت بمزدلفة، وكذلك يطوف الطواف ويسعى السعي إلى غير ذلك؟ لا تصح النيابة في مثل هذا، بل لابد من إخراج الصبي والصحبة الصبي في ذلك. وما كان لا يستطيعه الصبي، مثلا رمي الجمار، لا يستطيعه الصبي إذا كان صغيرا، عنده الصبي مثلا ابن سنتين أو خمس عشر، لكن لا يستطيع أن يدخل بين الناس لكثرتهم ولخشية الولي على ذلك الصبي، فللولي أن ينوب عن ذلك الصبي برمي الجمار. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم». فهذا فيه دلالة على أن الصبي الأشياء التي لا يستطيعها، كان يكون لا يستطيع التلبية، صغير ابن سنة أو ابن سنتين لا يستطيع التلبية، فالولي هو الذي يلبي عن ذلك الصبي. قل: «لبيك، لبيك، اللهم بعمرة» إن أراد التمتع متمتعا بها إلى الحج، أو يقول: «لبيك، لبيك، اللهم بحج» وإن أراد الإفراد، أو: «لبيك، لبيك، اللهم بحج وعمرة» أو حج أو عمرة مع الحج. فالحاصل أنه يلبي عن الصبي، يكون التلبية أولا عن نفسه، ثم عن الصبي. هذا الحديث الذي سمعتموه رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما، وأعل بعلتين: الأولى أنه من طريق أشعث بن سوار وهو ضعيف، والثانية أنه من طريق أبي الزبير عن جابر وقد عنعن، وعنعنته تضر. وأجيب عن العلتين بأن أشعث بن سوار قد تابعه أيمن بن نابل كما عند البيهقي، وأيمن بن نابل حديثه محتمل للتحسين. وأما عنعنته أبي الزبير فعلى الصحيح أنها لا تضر. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: «كل من حفظت عنه العلم من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي». يعني تأمل قوله: «لا يقدر»، فإذا كان يقدر فماذا؟ تصح النيابة لا تصح النيابة مع القدرة، لا تصح النيابة مع العجز، مع العجز تصح النيابة. كان ابن عمر يفعل ذلك، وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. قال: «وعن ابن عمر أنه كان يحج بصبيانه وهم صغار، فمن استطاع أن يرمي رمى، ومن لم يستطع رمى عنه». فهذا الأثر كذلك عن ابن عمر يدل على هذا المعنى، على أن من كان يستطيع الرمي من الصبيان فإنه يرمي بنفسه، وما يستطيعه الصبي من الأعمال فعليه أن يقوم به بنفسه، وما لم يستطع فللولي أن ينوب عنه. وهذا كما ترون قد ثبت عن ابن عمر، كما ثبت كذلك عن جابر. وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك. قول جابر رضي الله عنه: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم». وهذا في عهد من؟ في عهد النبي، وهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك الفعل، فدل على أن هذا الأمر هو المشروع. مشروع النيابة عن الصبيان في هذه الحالات. قال ابن قدامة رحمه الله: «ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه». لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه. يقول: إذا خرج الولي ومعه الصبي، جاء إلى الجمار، من يبدأ بالرمي الولي أم يبدأ الصبي؟ أو يبدأ الولي عن نفسه أو عن الصبي؟ يقول ابن قدامة رحمه الله: «واجب أن يبدأ بنفسه». فإن بدأ بالصبي قبل نفسه لا يجزئه. ومعنى لا يجزئه: ماذا يصنع؟ يعيد، يرمي عن نفسه أولا، ثم يرمي عن الصبي ثانيا. وهذه المسألة لعلها والله أعلم مبنية على عدم جواز الحج عن الغير من لم يحج عن نفسه. بمعنى أن إنسانا لم يحج عن نفسه، فهل يجوز له أن يحج عن الغير؟ أم لا يجوز له أن يحج عن الغير؟ وهذه المسألة مبنية على حديث رواه الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: «لبيك اللهم عن شبرمة». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شبرمة؟» فقال الرجل: «أخ لي أو ابن أخي». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أحججت عن نفسك؟» قال: «لا». قال: «فحج عن نفسك أولا، ثم حج عن شبرمة». فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على أنه لا يصح من الإنسان أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وهذا الحديث مختلف في صحته بين أهل العلم، فمن أهل العلم من يصحح هذا الحديث، ومنهم من يعل هذا الحديث بالوقف، وهو الأظهر. أن صوابه أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما، وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك فلا مانع من أن يرمي عن الصبي، ثم يرمي عن نفسه. مع أن الأولى والأحرى أن يبدأ بنفسه: «ابدأ بنفسك، ثم أدناك، أدناك، أدناك». يجب على الإنسان أن يبدأ أولا ينبغي للإنسان أولا أن يبدأ بنفسه، ثم بالذي يليه، أو ثم بالذي ينوب عنه. قال ابن قدامة رحمه الله: «وأما الطواف، فإنه إن أمكنه المشي مشى، وإن لم يمكنه حمله وليه محمولا أو راكبا». فإن أبا بكر الصديق طاف بابن الزبير في خبقه. قال: «ولأن الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز، فالصغير أولى». قال: «ولا فرق أن يكون الحامل حلالا أو حراما، ممن أسقط الفرض عن نفسه». يقول ابن قدامة: «ولا فرق أن يكون الحامل لذلك الغلام حلالا، أي رجل حلال لم يكن محرما». أو كان ماذا؟ محرما، أن يكون محرما، لكن المحرم اشترط ماذا؟ قال: «ممن أسقط الفرض عن نفسه». محرما، لكن ممن أسقط الفرض عن نفسه، أي أنه بدأ أولا فطاف عن نفسه، ثم طاف عن الصبي. قال: «لأن الطواف للمحمول لا للحامل». إذا طاف، يقول: الطواف هنا لمن؟ للمحمول لا للحامل. قال: «ولذلك صح أن يطوف راكبا على بعير، وتعتبر النية». وتعتبر النية في الطائف به. أي أن الطائف بذلك الصبي لا بد أن ينوي الطواف عن من؟ عن الصبي. قال: «فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه». إذا حمله ولم ينو الطواف عنه لم يجزئه. لأنه لما لم يعتبر النية عن الصبي اعتبرت من غيره كما في الإحرام. قال: «وكذا القول في العاجز، في الكبير العاجز». إنسان إذا كان كبيرا عاجزا، هل يطوف عنه؟ أو الذي طاف عنه؟ هل يطوف بنية أنه يطوف عنه؟ أم أن الكبير يستحضر النية وتكفيه نيته؟ هم أنفسهم يطوفون عن أنفسهم، أنا أطوف بهم وأنا أطوف ماذا؟ وأنا أطوف بهم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «فإن نوى الطواف عن نفسه وعن صبي، احتمل وقوعه عن نفسه». كالحج إذا نوى به عن نفسه وغيره، إنسان إذا حج ونوى أن يحج عن نفسه وعن غير، نيتان. الآن تنعقد له أو لغيره؟ تنعقد له. يقول رحمه الله تعالى: «واحتمل أن يقع عن الصبي». كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد منهما عن نفسه. لكون المحمول أو لا طاف بماذا؟ بكبير، هذا نوى عن نفسه، وهذا نوى عن نفسه. الآن لمن النية؟ ها هنا يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: «واحتمل أن يقع عن الصبي». كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد منهما عن نفسه. لكون المحمول أو لا. الآن حمل وطاف. يقول ابن قدامة رحمه الله: «يكون لمن؟ الكبير». قال: «واحتمل أن يلغى لعدم التعيين، لكون الطواف لا يقع عن غير تعيين أو عن غير معين». لأنه ما حدد نية، يحتمل أن يكون ماذا؟ يقول: يلغى هذا الطواف، على أن يطوفها لنفسه مرة أخرى، وللصبي مرة أخرى. فالحاصل من هذا أن الأولى في مثل هذا أن كان الطفل أو الصبي مميزا فالأمر فيه واضح. إن كان مميزا لا يستطيع مثلا أن يطوف بنفسه، لعله فيه مرض به عاهة، فمثل هذا إذا أخذه أبوه أو وليه فطاف به، وحثوا على الطواف، فطاف هذا بنية عن نفسه، وهذا طاف بنية عن نفسه، هل يجزئهما؟ الكلام محتمل. مع أن شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى يقول: «إن كان مميزا صح طواف كل واحد منهما». شيخ عثيمين رحمه الله تعالى يقول: «إن كان الصبي مميزا صح طواف كل واحد منهما». وإن لم يكن مميزا فإنه لا يصح طواف صغير، ما لم ينو عنه. هذا والخلاصة في هذا: إن كان عاقلين مميزين فيصح أن يطوف به، كأن يكون راكبا، كأن يكون راكبا، كأنه حمله على بعير، وهو يمشي على قدمه. الرجل يمشي على قدمه، وجعل ولده على ماذا؟ على بعير، أو ركبه وولده على بعير وطافا، هل يصح منهم الطواف؟ الجواب: يصح منهم الطواف. لكن كما يقال: الأولى والأحوط خروج من خلاف أن يطوف عن كل واحد طوافا بنفسه. واضح هذا من حيث الجواز كما رأيتم. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: «وأما الإحرام، فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير». قال: «وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم». وهذا رواه ابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الله العمري وهو ضعيف. قال: «وقال عطاء: يفعل بالصغير كما يفعل بالكبير». ويشهد به المناسك كلها: عرفة، مزدلفة، من رمي الجمرات إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «إلا أنه لا يصلي عنه الأب الولي». لا يصلي عن الصغير؛ لماذا؟ لأن النيابة في الصلاة لا تصح. وهذا الأثر كذلك عن رواه ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى، وهو من طريق ليس ابن أبي سليم، وفيه ضعف. وإن لم يكن صحة هذه الآثار، إلا أن العمل عليها، إلا أن العمل على الصحيح من أقوال أهل العلم ممن أجاز حج الصبي وصححه: أنه يصح من الصبي، أو ينبغي للصبي أن يفعل به ما يفعل بالكبير على قول الجمهور. أما أبو حنيفة كما مر معنا، فإنه يقول: «لا إحرام على الصبي». فالحاصل أن الصبي يجرد من ثيابه المخيطة، ويجنب ما يجنبه المحرم، ويلبس ما يلبسه المحرم. هناك مسائل أخرى من هذه المسائل، مثلا ذكر العلماء: قالوا: «إذا بلغ الصبي في أثناء الحج، أو أعتق العبد». فهل يصح حجه؟ أو يكون هذا الحج عن حجة الإسلام؟ واضح هذا. صبي بلغ، عبد أعتق في يوم الحج، فهل يصح الحج ويسقط عنه حجة الإسلام؟ أم لا؟ قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «إن كان بلغ أو احتلم الصبي قبل الوقوف بعرفة، أو في عرفة». في أي ساعة من ليل أو نهار في يوم عرفة، قال: «فإنه يصح منه الحج، ويسقط عنه حجة الإسلام». لأن المناسك تبدأ من متى؟ من يوم عرفة، ثم بعدها يوم الحج الأكبر، تقوم أو يقوم الإنسان ببقية ماذا؟ ببقية ما يجب عليه من نسك: طواف، ونحر، وكذلك سعي، وحلق، وذبح أو نحر الهدي إلى غير ذلك. فالحاصل أنه إذا أعتق العبد في يوم عرفة، أو بلغ الصبي في يوم عرفة، صح حجه، وسقط عنه حجة الإسلام. أو كان هذا الحج صحيحا عن حجة الإسلام، فلا يجب عليهما أن يأتوا بحجة أخرى مكان تلك الحجة. مسألة أخرى: هل يشترط لوجوب الحج على المرأة أن يكون لها محرم؟ ذهب إلى اشتراط هذا الحسن والنخعي وأحمد في رواية وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي. وجعل هؤلاء المحرم من السبيل. أي في قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، قالوا: «فهذا من السبيل». قالوا: «فيكون على المرأة ستة شروط: الخمسة السابقة، وهذا الشرط السادس هو خاص بالمرأة». وتقدم معنا أن شروط الحج التي يجب أن تتوفر في الحاج حتى يكون الحج واجبا عليه خمسة. وفي المرأة أضيف إليها شرط سادس: ما هو هذا الشرط؟ وجود المحرم. وإلى هذا ذهب من سمعتم كما سمعتم. وذهب أحمد رحمه الله تعالى في رواية أخرى إلى أن المحرم من شرائط لزوم السعي، دون الوجوب. قالوا: «فمتى فاتها الحج بعد كمال الشروط الخمس». بموت أو مرض لا يرجى برؤه، «أخرج عنها حجة». لأن شروط الحج المختصة بالحج قد كملت، وإنما المحرم لحفظها، فهو كتخلية الطريق وإمكان المسير. معنى هذا أن إمام أحمد رحمه الله تعالى في الرواية الثانية يقول: «أن المحرم ليس من شرط الوجوب». وإنما المحرم شرط في ماذا؟ شرط في سعيها إلى البيت. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر امرأة يوما وليلة...». وجاء في بعض روايات: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج أو أن تسافر ثلاثة أيام فما فوق إلا مع ذي محرم». وجاء في رواية كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم». قالوا: «فإذا المحرم شرط في السعي، ليس شرط من شروط الحج». لأن شروط الحج ماذا؟ خمسة، وهي للرجال والنساء سواء. فإذا ماتت المرأة أو حصل لها مرض عيقت بسبب عن الرحيل، يقول إمام أحمد: «يخرج من مالها ويحج عنها». لأنها كانت مهيئة للحج، ويصح منها الحج إلا بسبب المانع، وهو عدم وجود المحرم. منعت من الحج. هذه رواية ثانية. ولأحمد رحمه الله تعالى رواية ثالثة، قال: «أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب». بمعنى أن المرأة في الحج الواجب، أي حج الفريضة، ليس حج النفل. لأن الحج أول مرة فريضة، لا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة، فبعد هذه المرة يكون ماذا؟ يكون نفلا. يكون ماذا؟ نفلا. بعد هذه المرة يكون ماذا؟ يكون نفلا. فإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: «أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب». معناه أن في الحج غير الواجب، أي المستحب، يكون محرما. قال: «والمذهب» -أي مذهب الحنابلة- «المذهب الأول وعليه العمل». ما هو المذهب الأول؟ وهو اشتراط محرم لأجل الحج. وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي: «ليس المحرم شرطا في حجها بحال». أي سواء كان حج فريضة أو كان حج ماذا؟ نفل، ليس شرطا بحال. ثم هؤلاء ذكروا شروطا، منهم من اشترط الرفقة من النساء، منهم من قال: «يكفي أن تكون مع امرأة صالحة». منهم من قال: «لا بأس أن تخرج مع الرجل الصالح». وما شابه ذلك. واضحة. والراجح القول الأول. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى ردا على الذين قالوا: «لا يشترط المحرم». قال: «تركوا القول بظاهر حديث...». أي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم». وفي جاء في رواية -يعني هذا في حديث أبي سعيد- وفي حديث ابن عمر: «يوما وليلة». وجاء في حديث ابن عباس: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» كما في صحيح البخاري. قال الإمام ابن المنذر: «قال تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه». لأن بعضهم قال: «أن تخرج، لكن بشرط مع الرفقة الصالحة من النساء». بعضهم قال: «مع امرأة صالحة». بعضهم قال: «مع الرجل الصالح». وما شابه ذلك. هذه الشروط من أين لهم بها؟ فلا شرط إلا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر امرأة أو المرأة إلا مع ذي محرم». طيب هذا هو الحاصل في هذه المسألة، وهي أنه يشترط للمرأة أن تسافر مع ذي محرم. يشترط للمرأة في الحج أن تسافر مع ذي محرم. بقي: إذا خرجت امرأة إلى الحج من غير ذي محرم، هل يصح حجها؟ أم لا؟ عند من هذا الجواب؟ لماذا يصح؟ لأن الاستطاعة كما مر معنا ليس شرطا في الإجزاء. نحن مر معنا التقسيم: أن الشروط خمسة على ثلاثة أقسام. وتقدم معنا أن الاستطاعة ليست شرطا في الإجزاء، وإنما هي شرط في الوجوب. مسألة أخرى: من هو المحرم؟ المحرم زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح: كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع. أو سبب مثل ماذا؟ مثل النكاح: الزوج، أبو الزوج، جد الزوج. هؤلاء يعدون كذلك محارم للمرأة. لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو ذو محرم منها». رواه مسلم. فأما من تحل له في حال -أي دون حال- كعبدها وزوج أختها، فليس بمحرم. زوج الأخت ليس بمحرم، مع أنها تحرم عليه. لا يجوز للزوج الأخت أن يتزوج بأخت الزوجة، يحرم عليها، وليست بمحرم. ففرق بين أن يحرم عليها وبين أن يكون محرما. فهي تحرم عليه وليست بمحرم، وليس هو بمحرم لها. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أو نص على هذا». قال ابن قدامة: «لأنهما غير مأمونين عليها». قال: «ولا تحرم عليهما على التأبيد، فهما كالأجنبي». العبد وكالزوج الأخت. قال: «وقال الشافعي: عبدها محرم لها». لأنه يباح له النظر إليها، فكان محرما لها كذي رحمها. والأول أولى. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «هو الأول أولى». وهو كما قال: «أن العبد ليس بمحرم». إن كان يحل له أن يدخل عليها. قال: «إنه يصعب عليها أن تمتنع منه». طيب نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على